نشرة كنيستي- الأحد بعد عيد رفع الصَّليب- العدد 38
19 أيلول 2021
كلمة الرَّاعي
قدّيس الحنان الإلهيّ
ولد القدّيس سلوان الآثوسيّ في إحدى قرى مقاطعة تامبوف، في روسيا الوسطى، عام 1866 م. اسمه المدنيّ كان سمعان ايفانوفيتش انطونوف، وعائلته عاميّة فلّاحة، كان إنسانًا بسيطًا، قويّ البُنية. عاش طيش شبابه. لكنّ محبّة الله كانت حاضرة في حياته من خلال رقّة والده وحكمته في تعامله معه، إذ كان يصلحه باللّطف والصَّبر، وهكذا عاد إلى الله بالتّوبة.
في التّاسعة عشرة من عمره أعطاه الله نعمة الصّلاة الحارّة وروح التّوبة، فكان يبكي خطاياه لثلاثة أشهر. مذ ذاك، اتّجه ذهنه ناحية الرّهبنة، لكنّه انتظر نهاية خدمته العسكريّة. وصل إلى دير القدّيس بندلايمون في جبل آثوس في خريف 1892، عاش راهبًا ملتزمًا صلوات القلّاية، صلوات الكنيسة، الأصوام، الأسهار، الاعترافات، المناولة، عِشْرَة الكلمة الإلهيّة والكتب الآبائيّة، العمل والطّاعة. الرّهبان رأوا فيه الوقار والتّقوى. خدم في مطحنة الدّيرلم يعرفه الكثيرون معرفة عميقة. الأرشمندريت صفروني (سخاروف)، القدّيس صفروني حاليًّا، كتب سيرته وجمع أقواله واهتمّ بإبراز قداسة سيرته. رقد رقاد الأبرار في 24 أيلول 1938. أعلن المجمع المقدّس القسطنطينيّ قداسته في تشرين الثّاني من عام 1987.
بلغ القدّيس سلوان الألم الكبير، في جهاده الرّوحيّ، وعرف الحبّ الإلهيّ الَّذي لأجله تجسَّد كلمة الله. هكذا بلغ سلوان الحبّ الكبير المتألّه، وكتب خبراته هذه في أقوال بسيطة وعميقة تعبّر عن مدى دخوله في سرّ الحبّ الإلهيّ…
* * *
”نحن نتألَّم لأنّه ليس لنا تواضع. إنّ الرّوح القدس يسكن في النّفس المتواضعة ويمنحها الحرّيّة والسّلام والحبّ والبركة“. هذا ما خبره القدّيس سلوان حين تركته النّعمة الإلهيّة بعد اعترافه الأوّل والكامل في بداية دخوله الدّير بسبب تهاونه وقلّة خبرته في الحياة الرّوحيّة، رغم انكبابه على الصّلاة الحارّة والدّائمة لمدّة ستّة أشهر متواصلة، حتّى صرخ أخيرًا: ”الله قاسٍ لا يلين“. لكن الرّبّ سرعان ما عزّاه، إذ في نفس اليوم، خلال صلاة الغروب، الرّبّ يسوع المسيح ظهر حيًّا أمامه قرب إيقونته، وامتلأ كلّ كيانه من التهاب نعمة الرّوح القدس. لقد تنزَّل عليه نور إلهيّ عظيم رفعه من هذا العالم إلى وجه الرّبّ. هذه كانت ولادته الجديدة من فوق بروح الله ( راجع يو 13:1 و 3:3). هذا حصل له، لأنّه بعد اعترافه الشّامل ظنّ أنّه تحرَّر ولم يفهم أنّ الفرح الَّذي انسكب عليه في الاعتراف وبعده كان لتشديده وتعزيته للانطلاق في مسيرة حربه الرّوحيَّة. تعلّم درسًا قاسيًا، ولكن هذا لم يمنعه أن يقع في تجربة الكبرياء بعد عيشه لزمن من شبه شهر عسل في فرح النّعمة الإلهيّة إذ ذاق حلاوة المصالحة مع الله وسلامًا عميقًا. جحيم خسارته للنّعمة دام خمسة عشر سنة عاش خلالها خبرات قاسية جدًّا من برودة القلب إلى تشتّت النّفس وثورة الأهواء وبعثرة الأفكار. صارت نفسه متقلقة. لكن، هذا دفعه إلى مزيد من الجهاد والمثابرة فصار لا ينام إلّا ساعة ونصفًا أو ساعتين في اليوم. رغم ذلك، لم تعد إليه النّعمة، فصار في حالة ضياع. في إحدى المرّات قام ليسجد فوجد إبليس أمامه، فرجع إلى كرسيه الصّغير وصرخ إلى الله: “قل لي يا ربّ ماذا أفعل؟”. فسمع صوتًا يقول له: “اِحْفَظْ نفسَكَ في الجحيم ولا تيأس”. فَهِم حينها إنّ الكبرياء هي جذر كلّ الخطايا وبذرة الموت، وإن الله تواضع ولا يُبلغ إليه إلّا في التّواضع.
* * *
أيُّها الأحبّاء، يقول القدّيس سلوان ”إنّ حبَّ السّيّدِ حارٌّ مضطرمٌ ولا يَترُكُ مجالًا لتذكُّر الأرضيّات، والَّذي ذاق حبَّ السّيّد يبحثُ عنه ليلَ نهار بلا هَوادَة. أمَّا نحن فنضيّع هذا الحبَّ بكبريائنا، بدينونة الأخ وبرفضه، وبالحَسَد…“. هذه الخبرة الّتي يتحدَّث عنها قدّيسنا ليست هي للرّهبان والنّسّاك فحسب، بل هي لكلّ إنسان يحبّ الرّبّ ويسعى لإرضائه بطاعة وصيّته وباللّهج بها في يوميّاته. كثيرون من بسطاء الإيمان، أي المتواضعون الَّذين يتّكلون على الرّبّ بثقة تامّة، يمنحهم الله هذا الهذيذ به من خلال ذكر اسمه القدّوس أو ترداد وصيّته في فكرهم وقلبهم وسعيهم لعيشها في كلّ حين في أعمالهم وعبر تعاطيهم مع الآخَرين وخدمة المحبّة الّتي يعيشونها لأنّهم يحبّون يسوع ويريدون أن يعيشوا في تقوى الله. هؤلاء تصير الوصيّة بالتّقوى خَتْمَ الرّوح القدس في قلوبهم وأيقونة الكلمة الإلهيّ في أفكارهم العميقة.
لِنَوال النّعمة الإلهيّة المعزّية بالفرح والنّور الإلهيَّين، على الإنسان أن يتَّضِع ويتوب ويصلّي بشوق في طلب الرّبّ لأنّ روحه تجوع إليه ونفسه تعطش للارتواء منه. الخطيئة المستمرَّة والَّتي يعتادها الإنسان تعطِّلُ حواسَّ القلب الرّوحيّة وتُميتُ الحِسّ بألم رفض محبّة الخالق. السّقوط المستمرّ يؤدِّي إلى الموت الرّوحيّ أي عدم الحِسّ، وهذا بدوره يُفقِدُ الحياة معناها فيدخل الإنسان في دوامة لانهائيّة تُودي به إلى اليأس وخراب النّفس والجسد، لأنّه لم يعد يعرف نفسه محبوبًا، إذ استهلك وجوده وما ومَن فيه في شهواته وأهوائه…
عبثًا يبحث الإنسان عن السّلام والرّاحة خارج نفسه أي خارج يسوع، لأنّه كما يقول القدّيس سلوان ”ليس على الأرض إنسان أعذب وفيه ملء الحبّ مثل سيّدنا يسوع المسيح. فيه فرحنا وحبورنا. فلنحبّه، لأنه سيُدخلنا إلى ملكوته وسنُعاين مجده“…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما