نشرة كنيستي- الأحد (22) بعد العنصرة- العدد 45
الأحد 09 تشرين الثَّاني 2025
كلمة الرّاعي
في الصَّوْم والإشراق الرُّوحيّ
صَوْم الميلاد: لقد افتقدنا من العُلى مخلِّصنا…
صَوْم الميلاد يبدأ في الخامس عشر من تشرين الثَّاني، ويستمرّ إلى عيد ميلاد ربِّنا ومخلِّصنا يسوع المسيح في الخامس والعشرين من كانون الأوَّل. ربَّما كثيرون لم يَسمعوا به، وقِلَّةً تمارسه. البعض يعتبر أنَّ الصَّوْم الأساسيّ هو الصَّوْم الكبير ويتغاضى عن باقي الأصوام أو لا يعرف بها، ما خَلا على الأرجح صَوْم السَّيِّدة. كنيستنا الأرثوذكسيَّة تُربّي الإنسان على حياة الصَّوْم، فبالإضافة إلى صَوْم الميلاد والصَّوْم الكبير وصَوْم السَّيِّدة، يوجد صَوْم بارامونَي الميلاد والظُّهور الإلهيّ وصَوْم الرُّسُل وصَوْم عيد قطع رأس يوحنّا المعمدان وصَوْم عيد رفع الصَّليب، وبالإضافة إليهم صَوْم الأربعاء والجمعة على مدار السَّنَة، ما خَلا الفترات الَّتي تفسِّح فيها الكنيسة الصَّوْم في هذين اليومين. إذًا، الصَّوْم هو نمط الحياة الطبيعيّة للإنسان الملتزم باصوام الكنيسة، وتاليًا، المؤمن يرتاح بين صَوْم وصَوْم إذا طبيعة حياته الكنسيّة مؤسَّسة على الصَّوْم.
لماذا هذا التركيز على محورية الصَّوْم في حياة المؤمن؟! لأنّ الرَّبَّ يسوع قال: “هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إَّلا بالصَّلاة والصَّوْم“(مرقس 9: 29)، أي أنّ الإنسان لا يتحرَّر من سلطان الأرواح الشِّرّيرة والأهواء والشَّهوات عليه “ إَّلا بالصَّلاة والصَّوْم”. من هنا نرى صعوبة أن يصلّي الإنسان ويصَوْم، فهذا يتطلَّب جهدًا وتعبًا وبعض حرمان وهو ما يناقض حياة الرَّفاه والكسل، وخاصَّةً بالنِّسبة لإنسان هذا الزَّمَن. لكن، كلّما ازداد الثَّمَن كلَّما كان المطلوب أعظم… فما الَّذي نطلبه في صَوْمنا؟!…
* * *
أصوام الكنيسة مرتبطة بأعيادها، وصَوْم الميلاد كما يدُلُّ عليه اسمه غايته الوصول إلى الاحتفال بعيد ميلاد الإله المتأنِّس من مريم البتول. لا يستطيع قبول هذا السِّرّ مَن لا يعرف أنّه بحاجةٍ إلى مخلِّصٍ ينقذه من الموت والخطيئة، ومن يعتقد أنَّ نور الشَّمس هو النُّور كلُّه في العالم. مَن لا يؤمن بما لا يُرى كيف يرجو ما لا يُقبل بالعقل؟!… أي أنَّ الإله والخالق السَّرمَديّ والَّذي لا بَدء له يَصير طفلًا من أمٍّ بتول، ويُحْمَلُ على ذراعَيها ويغتذي لبنًا من ثدييها!… مَن لا يعرف قوَّة الرُّوح لا يستطيع أن يؤمن بعمل الرُّوح!… فبدون نعمة الرُّوح القدس يبقى الإنسان في ظلمة العالم المخلوق وجهله بالقياس مع نور الله غير المخلوق ومعرفته!… من هنا، كان صَوْم الميلاد مسيرة تطهُّرٍ وتنقيةٍ للعقل والقلب والرُّوح والجسد، وإذا لم يكن مسعى الصَّوْم التَّنقية يصير تمرينًا جسديًّا نفسانيًّا يغذّي الأنا والعُجب عند الإنسان، لأنَّه يردّ أتعابه وثمارها إلى نفسه إذْ هو لا يطلب فيها الله…
إنسان اليوم محاطٌ بأفكارٍ وأعمالٍ وأقوال وصُوَر تُبعده عن مسيرة الطُّهر لأنّ الطَّهارة صارت ممجوجة في هذا العالم (أي العالم الخاضع للشَّيطان) الَّذي يسعى لسؤدُدِ روح الفساد والإفساد على الأطفال والرِّجال والنِّساء وعلى مَحو صورة الله من فكر الإنسان المعاصِر وحياته وكيانه… وهذا هو عمل الشَّيطان اليوم، وهذا ما يتمّ التَّرويج له بالتَّرغيب والتَّرهيب… وهذه كلِّها حرب على المسيح وعلى الَّذين للمسيح ليُمحى ذكره، لأنَّ الشَّيطان يعرف أنَّ الله رفع يسوع “وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.” (فيليبي 2: 9 – 11).
* * *
الصَّوْم المسيحيّ صارَ أمرًا غريبًا عن منطق الحياة في هذا الزَّمن، ويوجد مسيحييُّون قد ألغَوا الصِّيام ببعده النُّسكيّ من عيشهم المسيحيّ، فلم يعد الانقطاع عن الزَّفر موجودًا ولا الانقطاع لوقتٍ محدَّد عن الطَّعام والشَّراب مُحّدَّدًا في صيامهم الشَّرعيّ. هذا إنْ دَلَّ على شيءٍ فهو يدلُّ على أنَّ الصَّوْم صار فارغًا من روح الجهاد وهذا ما يُريده الشَّيطان أن يستسلم المسيحييُّون للكسل ويتركوا تقاليد آبائهم وقدِّيسيهم الَّذين تقدَّسوا بعيش أسرار الفضيلة من خلال نِعَم الصَّلاة والصَّوْم. لم يَعُد لدى الإنسان المعاصِر القوَّة الدَّاخليَّة والإرادة ليجاهد، صارت كلمة جهاد غريبة عن قاموسه، واستُبدِل الجهاد بأنظمة طعامٍ وشرابٍ خالِيَة من الرُّوح والتَّقوى. طبعًا، هذا هو المنحى العالميّ الَّذي يريد أن يفرض ذاته على الكنائس وعلى المسيحيِّين في حياتهم حتَّى تصير شهادتهم للرَّب يسوع أخلاقيَّة اجتماعيّة نفسانيّة وعاطفيّة، أي بالشَّكل قد تشبه التَّقوى وعمل الرُّوح ولكن في المضمون هي خاوية فارغة إلَّا من الرِّضا على الذَّات…
يا أحبّة، بالحقيقة كلّنا نُحارِب لنخضع لنير العالم هذا ولنستبدل النُّور غير المخلوق بنور يشبهه ولكنَّه مزيَّف لأنّه صادرٌ عن الأنانيَّة وحبّ الذَّات، “ولا عجب، لأنَّ الشَّيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور” ( 2كو 11:14). ليكن هذا الصَّوْم فرصةً لنا لنعْبُر من الظُّلمة إلى النُّور الحقيقيّ ومن الخطيئة إلى البِرّ ومن العصيان إلى التَّوبة ومن النَّجاسة إلى الطَّهارة ومن الباطل إلى الحَقّ ومن الكسل إلى النَّشاط ومن الرَّتابة إلى التَّجدُّد ومن حبِّ القنية إلى العطاء ومن الاستهلاك إلى التَّضحية ومن الحسد إلى الحُبّ ومن العبوديَّة إلى الحرِّيَّة ومن الموت إلى الحياة لنستعدّ لاستقبال سيّد الحياة في قلوبنا… إنْ صُمنا صَوْمًا مقبولًاومرضيًّا للرَّبّ، فإنَّنا سنُعاين المسيح في قلوبنا كما عاينته العذراء في المذود، فالصَّوْم هو طريق عودتنا إلى الله وتجديد صورة الرَّبّ فينا، وهو الإشراق الرُّوحيّ الَّذي يملأ النَّفْس سلامًا وفرحًا، ويجعلها قادرة أن تُعايِن حضور الله في حياتها اليوميَّة وفي كلّ إنسان…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما