نشرة كنيستي- الأحد (14) بعد العنصرة- العدد 36
الأحد 06 أيلول 2026
كلمة الرّاعي
الأسقف والمحبَّة والحزم والتَّأديب
“فَإِنِّي مِنْ شِدَّةِ كَآبَةٍ وَكَرْبِ قَلْبٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ بِدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ لا لِتَغْتَمُّوا، بَلْ لِتَعْرِفُوا مَا عِنْدِي مِنَ المحبَّة بِالأَكْثَرِ لَكُمْ” (2 كو 2: 4)
المحبَّة ليست غريبة عن التَّأديب، وليس التَّأديب مِن عدم المحبَّة، ولا هذه ولا تلك منفصلتان عن الحزم في الحَقّ…
يخلط النَّاس بين المحبَّة والعاطفة، فالمحبَّة ليست عاطفة ولا العاطفة محبَّة. المحبَّة التزامٌ بالآخَر، في الحَقِّ، حتَّى المُنتهى. من خلط بين الاثنين رفض الحزم والتَّأديب، ولبث في أنانِيَّته. لا يتحرَّر الإنسان من الأنانيَّة بالعاطفة والمشاعر بل بالمحبَّة، ولا محبَّة من دون حزمٍ وتأديب… لأنَّ العاطفة سريعة التَّقلُّب والتَّغيُّر ولا تنبع بالضَّرورة من محبَّةٍ نقيَّةٍ إلهيَّة في الإنسان، بل هي بكلِّ تأكيدٍ وَليدَة الأهواء إنْ لم تكن ثمرة التَّواضع والتَّضحية وبَذْل الذَّات لأجل الآخَر. محبَّة عاطفيَّة هي أهوائيَّة، محبَّة مُضحِّيَة ومتواضعة هي ثمرة الرُّوح القُدس. المحبَّة الإلهيَّة تولِّد عاطفة طاهرة وثابتة غير متحوِّلة أو متقلِّبة، لأنَّها لا تأتي مِن جوابٍ بل مِن مُبادَرة، إذْ تَتَشبَّه بالَّذي “أحبَّنا أوَّلًا” (1 يو 4: 19) …
وهذه المحبَّة المبادِرة هي النَّموذج الَّذي يُدعى كلّ راعٍ إلى أن يتشبَّه به. فالأسقف أو الكاهن، بحكم رسالته الرِّعائيَّة وأمانته للإيمان المسلَّم، مدعوٌّ إلى جمع ما يبدو للنَّاس مُتناقضًا: أنْ يُحبَّ دون أنْ يتساهل، وأنْ يحزم دون أن يقسو، وأن يؤدِّب دون أن يَكسُر — لأنَّ الرَّاعي الحقيقيّ لا يَختار بين المحبَّة والحزم، بل يعيشهما معًا في وَحدة لا تنفصِم، شأنه في ذلك شأن بولس الَّذي كتب بدموعٍ لا ليُحزِن بل ليُحبَّ.
* * *
لعلَّ نموذج بولس الرَّسُول في رسالته الثَّانية إلى كورنثوس هو الأصْدَق تعبيرًا عن هذه الوحدة بين المحبَّة والحزم والتَّأديب، فهو يوضح لهم أنَّه كَتَبَ إليهم “بدموع” لتأديبهم ولرَدِّهم إلى صَوابهم في الإيمان حبًّا بهم.
أمانة الرَّسُول لرسالته الَّتي استلمها من المسيح شخصيًّا، ورصانة بولس واستقامته في حفظ البشارة ونقلها نقيَّة من كلِّ شِبْهِ زَيْغ عن حقِّ الرَّبّ دفعاه إلى أن يؤدِّب الجماعة لأنَّه مسؤولٌ أمام الله عنها وهي غمّه حين تبتعد عن الحَقِّ وهي فرحه حين تثبُت في ما سُلِّم إليها.
للرَّسُول سلطة في المسؤوليَّة الَّتي تولَّاها من الله، وفي المسؤوليَّة سلطة للحفاظ على نقاوة الإيمان واستقامة الأفراد والجماعة في المسيح، وهذا دور الرَّسُول أي الكِرازة بـ “الإيمان المسلَّم مرَّةً للقدِّيسين” والحفاظ على نقاوة هذا الإيمان من أيِّ ابتداعٍ أو تشويهٍ في التَّعليم أو في الحياة… وهذا هو دور الأسقف في الكنيسة الَّذي واجبه أن “يقطع باستقامَةٍ كلِمَةَ الحَقّ”…
* * *
يا أحبَّة، كنيستنا رسوليَّة أي هي مبنيَّة على أساس الرُّسُل وكرازتهم وشهادتهم للرَّبّ، وهي بشاريَّة أيضًا أي دورها أن تنقل البُشرى السارَّة (الإنجيل) إلى العالم لأجل خلاصه… الكنيسة شاهدة لإيمانها بحياتها مِن خِلال أبنائها، إكليروس وعلمانيِّين… لكن لا تستقيم الحياة في الكنيسة بدون البُعد الرَّسُوليّ الَّذي فيها، والَّذي يحمله الأساقفة بالنِّعْمَة في تسلسلِ وضع الأيدي مِن أيَّام الرُّسُل إلى يومنا هذا، وهذا ما يُعطي لدور الأسقف في الكنيسة موقعًا جوهريًّا في حفظ الإيمان وعَيْشِهِ، وهذا ما يمنحه بأبوَّتِه أن يمتحن الأرواح وأن يؤدِّب بحزمٍ وأن يحزم بمحبَّة لتقويم كلّ اعوجاجٍ ولإصلاح كلّ خلَلٍ في حياة جماعات الخراف النَّاطقة وخدَّامها. فالأسقف حين يؤدِّب لا يُجيب على استحقاق المذنب، بل يبادر بمحبَّةٍ لا تنتظر الاستحقاق — تمامًا كما أحبَّنا الله ونحن بعدُ خطأة. وهذا هو الفارِقُ الجوهريّ بين التَّأديب الأبَويّ والعقوبة القضائيَّة: العقوبة تأتي بعد الذَّنب جوابًا عليه، أمّا التَّأديب الأبَوِيّ فيسبق سقوط المذنب في هاوية اليأس، ويلتقطه قبل أن يبلغ القاع، لأنَّ المحبَّة الحقيقيَّة لا تنتظِر أن يستحِقَّ الآخَر العناية بل تُبادِر إليه في ضعفه ووهنه وانكساره.
* * *
أيُّها الأحبَّاء، إنَّ السُّلطة الرَّسُوليَّة الَّتي يحملها الأسقف لا تبلغ غايتها إلَّا حين تتحوَّل من سلطةٍ على الآخَر إلى مسؤوليَّة عن الآخَر — وهنا يكمُن الفارق الجوهريّ بين التَّأديب الأبويّ الَّذي يُحيي، والعقوبة القضائيَّة الَّتي تُقرِّر .ولهذا كتب بولس بدموعٍ لا بغضب. الدُّموع ليست ضعفًا بل هي دليل المبادرة: مَن لا يُبادِر بالمحبَّة لا يدمع، لأنَّ دموعه هي ثمن اهتمامه بِمَن أساء. الغاضب يُعاقِب لأنَّه أُهين، أمَّا المحِبّ فيؤدِّب لأنَّه يرى في المذنب ما لا يراه المذنب في نفسه: إمكانيَّة العودة، وقدرة النُّهوض، وبذرة الخير الَّتي لم تَمُتْ بعد — تلك القصبة المرضوضة الَّتي لم تُكسر، والفتيل الخامد الَّذي لم يُطفأ (راجع إش 42: 3). وهنا يتجلَّى البُعد الأعمق في دور الأسقف: ليس هو من يُصدِر حُكمًا على الخاطئ، بل هو من يحمل الخاطئ في قلبه قبل أن يواجهه بلسانه. فإنْ لم يكن التَّأديب مسبوقًا بهذا الحمل في القلب، صار قسوةً تُلبس ثوب الحَقّ، وسلطةً تختبئ خلف الحرص على الإيمان. أمَّا حين ينبع التَّأديب من هذه المحبَّة المبادِرة، يشعر المؤدَّب — حتَّى في ألم التَّأديب — بأنَّه محبوبٌ لا مُدان، ومطلوب لا مَرفوض، وهذا الشُّعور وحده هو الَّذي يفتح قلبه للتَّوبة ويجعل التَّأديب ثمرًا لا جرحًا. لأنَّ الله ذاته، حين أدَّبَ شعبه عبر الأنبياء، لم يفعل ذلك لأنَّ شعبه استحقَّ العِناية، بل لأنَّه أحَبَّه أوّلًا — قبل الاستِحقاق وفوقه وبعده. وهذا هو نموذج كلّ أسقفٍ حقيقيّ: أن يكون في تأديبه صدًى لمحبَّةِ الله المبادِرَة، لا مرآةً لاستحقاقات البشر المتبدِّلة.
فمن جهةٍ أولى، مَن هو الحكيم المتواضع الَّذي يقبل التَّأديب في المحبَّة والمحبَّة في الحَزم ليتمجَّد الله فيه؟!… ومن جهةٍ ثانية، مَن هو الرَّاعي القادر على التَّأديب بدموعٍ لا بغضب، وبحزمٍ لا بقسوة، وبمحبَّةٍ لا بسلطة؟!…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما