نشرة كنيستي- الأحد بعد عيد رفع الصَّليب- العدد 38
الأحد 20 أيلول 2026
كلمة الرّاعي
القدِّيس سلوان الآثوسيّ وكلمة الخلاص:
“احفَظ ذِهنَكَ في الجحيم ولا تيأس“
في عام ١٨٦٦، وُلِدَ في قرية شوفسكويه الرُّوسيَّة الصَّغيرة شابٌّ اسمه سمعان أنطونوف، من أسرة فلَّاحين بسيطة. في شبابه، عاش سمعان حياةً وَصَفَها هو نفسه بأنَّها كانت مُثْقَلَة بالخطايا والشَّهوات. غير أنَّ مُعايَنَتَه للرَّبِّ في النُّور الإلهيّ في شَبابِهِ قَلَبَ حياته رأسًا على عَقب، ودفعه إلى ترك العالم والانطلاق إلى جبل آثوس في اليونان حيث أمضى فوق الأربعين عامًا راهبًا في دير القدِّيس بندلايمون الرُّوسيّ، حتَّى وَفاته عام ١٩٣٨. لم يكتب سلوان كتبًا لاهوتيَّة بل تركَ صفحات متواضعة من اليوميَّات والتَّأمُلات، جمعها تلميذه الأرشمندريت صفروني ساخاروف ونشرها بعد وفاته. ومع ذلك، أحدثت هذه الصَّفحات هَزَّة روحيَّة في العالم الأرثوذكسيّ وما وراءه — لأنَّها لم تكُن كلامًا عن التَّجربة الرُّوحيَّة، بل كانت التَّجربة ذاتها موثَّقةً بلُغَة القلب. أعلنت الكنيسة قداسته عام ١٩٨٨ في احتفالات الألف سنة على معموديَّة روسيَّا، ويُعيَّد له في 24 أيلول من كلِّ عام.
* * *
في بداية حياته الرُّوحيَّة في الدَّير منحه الله نعمة نادرًا ما يحصل عليها المبتدئون، ولكنَّه خسرها بسبب عدم الخبرة، فدخل في أزمة روحيَّة بالغة العُمق. كان يُجاهد ضدَّ الأفكار والأهواء، لكنَّه كان يشعر بأنَّ الله قد ابتعد عنه، وأنَّ أبواب السَّماء مُوْصَدَة في وَجْهِه، وأنَّ صَلاتَه لا تجد طريقها إلى الله، فكان يجد نفسه في ظلامٍ كثيفٍ لا نهاية له. في خِضَمِّ هذا الصِّراع، ظهر له الرَّبُّ وقال: “احفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس.”
هذه الكلمة القصيرة كانت الجواب الإلهيّ على أعمق أزماته. وقد أمضى بَقيَّة حياته يتأمَّلها ويعيشها ويُعلِّمها لمن يأتي إليه.
* * *
ماذا تعني هذه الكلمة؟
للوَهلة الأولى، تبدو الكلمة متناقضة — بل قد تبدو مخيفة. كيف يطلب الله من إنسان أن يحفظ ذهنه في الجحيم؟ أليس الجحيم مكان العذاب والهلاك والبُعد الأبديّ عن الله؟ في فهمنا الأرثوذكسيّ، ليس الجحيم حالةً يعيشها الإنسان بعد الموت فقط، بل هو حالة نفسيَّة وروحيَّة يدخلها الإنسان حين يتغرَّب عن الله فيبتعد عن المحبَّة والنُّور الإلهيّ بسبب الخطيئة والأهواء. القدِّيس سلوان لم يكن يعيش وَهْم البِرِّ الذَّاتيّ. كان يعرف ذاته إنسانًا خاطئًا، ضعيفًا، لا يملك من الخير إلَّا ما يهبه الله. وهذه الرُّؤية الصَّافية لحقيقة الذَّات هي ما يُسمِّيه آباء الكنيسة “التَّواضع الحقيقيّ”.
كلمة الرَّبّ إليه هي دعوة إلى معرفة ذاته أنَّه خاطئ، أنَّه ضعيف، أنَّ سقوطه هو سبب بعده عن الله، وأنْ يثبت على هذه المعرفة دون أن ييأس من نفسه مُثابرًا على الصَّلاة والتَّوبة والبِرّ. هذه المعرفة واقعيَّة وشفّافة، وهي عكس حالة الوَهم الرُّوحيّ حيث يظنُّ الإنسان أنَّه قد بلغ درجات روحيَّة رفيعة، فيطلب خبرات تفوق قدرته بينما لا يزال مُكبَّلًا بالكبرياء. الدَّواء الوَحيد لهذا المرض هو ما سمعه القدِّيس سلوان من الرَّبّ: “احفظ ذهنك في الجحيم”، أي ابقَ في معرفة ضعفك، ولا تطلب أعلى ممَّا تستطيع، ولا تتوهَّم أنَّك قد وصلت. لكن، إنْ لم تكتمل هذه الفكرة مع “لا تيأس” نصل إلى نتيجةٍ خاطئة، إذْ هنا الجوهر، هنا قلب المقولة كلّه.
الفارق بين التَّواضع الحقيقيّ والإحباط المُهلِك هو كلمة واحدة: الرَّجاء. الإنسان الَّذي يعرف أنَّه خاطئ ويبقى في هذه المعرفة دون يأس — هذا هو الإنسان الَّذي يعيش في المحبَّة الإلهيَّة حقًّا. لأنَّه يعلم أنَّ الله لا يُحبُّ الكاملين فحسب — بل يُحبُّ الخطأة أيضًا، بل إنَّ المسيح جاء “لأجل الخطأة لا الأبرار” (مر ٢: ١٧). فاليأس هو الخطيئة الوحيدة الَّتي تُغلق الباب من الدَّاخل. لأنَّ اليأس يقول: “رحمة الله لا تكفيني”. وهذا في جوهره كبرياء مُقنَّع بصورة التَّواضع، وكأنَّ الإنسان يعتبر أنَّ خطيئته أكبر من محبَّة الله، وأنَّ ضعفه يتجاوز قدرة الله على الشِّفاء، وهذا عكس ما يعلِّمه الآباء من أنَّ لا خطيئة بدون مغفرة إلَّا الَّتي بدون توبة”. فحياة القدِّيس سلوان تقول: عِش في معرفة ضعفك، لكن لا تُغلق نافذة الرَّجاء. لأنَّ الله ينظر إلى القلب المنكَسِر وينزل إليه “فالذَّبيحة لله روحٌ مُنسحق. القلب المتخشِّع والمتواضع لا يرذله الله” (مز ٥٠: ١٧).
* * *
ما اكتشفه القدِّيس سلوان في هذه المقولة هو الجَمع، المستحيل ظاهريًّا، بين التَّواضع الأقصى والرَّجاء المطلَق، وهو في الواقع ليس تناقضًا بل تَوْليفةً روحيَّة كاملة (une synthèse spirituelle complète). التَّواضع الأقصى يقول: أنا لا أستحقّ. أنا في حالة الجحيم بسبب عبوديَّتي لأهوائي. الرَّجاء المطلَق يقول: لكنَّ الله يُحبُّني، ليس لأنَّني أستحقّ، بل لأنَّه هو محبَّة، وهو “أحبَّني أوَّلًا” (راجع 1 يو 4: 19). وبين هاتَيْن الحقيقتَيْن يُولد الإنسان من جديد كلَّ يوم بالتَّوبة. لا يصعد إلى السَّماء بجناحَي كبريائه وعُجْبِه، ولا يغرق في الأرض بثقل يأسه — بل يقف في المكان الوَحيد الصَّحيح: أمام الله، كما هو، بكلِّ ضعفه وكلِّ رجائه، “أنا واقفٌ أمامك وتراني” (راجع مزمور ١٣٩) .
هذه المقولة لم تكن للقدِّيس سلوان مجرَّد آية للتَّأمُّل فيها، بل كانت الأساس الَّذي بنى عليه أعمق تعليمه: محبَّة الأعداء، إذْ يقول “من يُحبُّ أعداءه يعلم أنَّ الله موجود”. وهذا الرَّبط ليس اعتباطيًّا. فمن يعرف أنَّه هو نفسه في موضع الجحيم بذاته — أي من يعيش التَّواضع الحقيقيّ — لا يستطيع أن ينظر إلى “عدوِّهِ” بعيون الكبرياء والدَّينونة. لأنَّه يعلم أنَّه هو والآخَر سواء أمام الله — كلاهما محتاج، كلاهما ضعيف، كلاهما يحيا بالرَّحمة لا بالاستحقاق. التَّواضع يُسقط موانع المحبَّة تجاه الآخَر فتتَّسِع المحبَّة لتشمل الجميع حتَّى مَن يُسيء إلينا.
* * *
يا أحبَّة، نحن نعيش في عالم يمجُّ التَّواضع. ثقافة زمننا تتمحور حول عبادة الأنا: “أنت تستحقُّ الأفضل. أنت متمِّيز. أنت لست مذنبًا. أنت حرّ في أن تصنع ما تشاء بحياتك…”.هذا الخطاب يحمل إيجابيَّة كاذبة هي مِن أصعب العوائق أمام وُلوج الحياة الرُّوحيَّة الحقيقيَّة، لأنَّه يُبعد الإنسان عن معرفة ذاته الحقيقيَّة ويُغذّي العُجبَ الرُّوحيّ. في المقابل، ثمَّة نزعة أخرى يفرزها العالم المعاصر أيضًا: اليأس. اليأس من التَّغيير، من المعنى، من الآخَر، من الله. الشُّعور بأنَّ الحياة عبثيَّة وأنَّ الخطأ لا يُغفَر وأنَّ الجرح لا يُشفى وأنَّ التَّوبة غير ممكنة أو مستحيلة… ونصيحة الرَّبّ للقدِّيس سلوان تخاطب كلتا الحالَتَيْن، فتقول للمتكبِّر: احفظ ذهنك في الجحيم — اعرف حقيقتك؛ ولليائس: ولا تيأس — رحمة الله غير محدودة. الجحيم، في نهاية المطاف، هو أن يُغلق الإنسان بابه على ذاته ويرفض محبَّة الله. والفردوس هو أن يفتح قلبه — بكلِّ ضعفه وكلِّ سقوطه — لمن قال: “تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثَّقيلي الأحمال وأنا أُريحكم”(مت ١١: ٢٨). سلوان لم يطلب أن يرى نورًا، ولم يطلب أن يشعر بحضور الله. طلب شيئًا واحدًا بقي يتوق إليه حتَّى آخر نَفَس من حياته: أن يعرف كيف يُحبّ. وكان جوابه دائمًا هذه الكلمة البسيطة الغامضة العميقة: “احفظ ذهنك في الجحيم — ولا تيأس.” لأنَّ مَن عاش هذه الكلمة حقًّا، اكتشف أنَّ الجحيم الَّذي ظنّه نهايةً كان في الواقع مدخلًا إلى الحياة الحقيقيَّة بالتَّواضع، والتَّواضع مدخل إلى المحبَّة، والمحبَّة هي الله الَّذي هو الحياة…
“إن كنت تعرف الله، ستعرف كيف تُحبّ”(القدِّيس سلوان الآثوسي).
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما