نشرة كنيستي- الأحد (21) بعد العنصرة- العدد 44
02 تشرين الثَّاني 2025
كلمة الرّاعي
عيد رئيسَيْ الملائكة ميخائيل وجبرائيل: خدَّام الله النَّاريُّون ومُرافِقو طريق الخلاص
“الصَّانع ملائكته أرواحًا، وخُدَّامَه نارًا تلتهب” (مز 103: 4).
في الثَّامن من تشرين الثَّاني، تحتفل الكنيسة المقدَّسة بعيد رئيسَيْ الملائكة ميخائيل وجبرائيل وجميع القوَّات السَّماويَّة غير المتجسِّدة. هذا العيد هو تذكار للجنود الرُّوحيِّين الَّذين، وإنْ لم تراهم أعيننا، فهم حاضرين دائمًا في حياة الكنيسة والمؤمنين، مُكَلَّفين بخدمة إرادة الله ومرافقة الإنسان في مسيرته نحو الخلاص. فمَن هم الملائكة؟!…
الملائكة هُم أرواح نَقِيَّة غير جسديَّة أو لاهَيوليَّة أي لا مادِّيَّة، خُلقَتْ من الله قبل خلق الإنسان، بهدف تسبيحه، تنفيذ إرادته، وخدمة مشروع الخلاص الإلهيّ. يقول عنهم الكتاب المقدَّس: “الصَّانع ملائكته أرواحًا، وخدَّامه نارًا تلتهب” (مز 103: 4). أي أنَّ طبيعتهم روحانيَّة ناريَّة، سريعة الطَّاعة، وقادرة على تنفيذ أوامر الله دون تردُّد. وقد أكَّد القدِّيس يوحنَّا الدِّمشقيّ في كتابه “الإيمان الأرثوذكسيّ” بأنَّ “الملائكة مخلوقات عقليَّة، غير جسديَّة، خالدة، خُلِقَتْ قبل العالم المنظور، تخدم الله وتساعد البشر في الوصول إلى الخلاص”.
الكتاب المقدَّس، بعهدَيْه القديم والجديد، غنيّ بالإشارات إلى الملائكة، الَّذين هم كائناتٌ حقيقيَّة، شخصيَّة، فاعلة، ومرافقة لشعب الله عبر القرون. هم خدَّام الله وطائعوه الكاملون، “باركوا الرَّبَّ يا جميع ملائكته المقتدرين بقوَّةٍ، العامِلين بكلمته عند سماع صوت كلامه” (مز 103: 20). يخضع الملائكة تمامًا لإرادة الله ويُظهرهم الوَحي كمثال للطَّاعة الكاملة. وهم يسبِّحون الله ليل نهار كما نقرأ في رؤيا يوحنَّا: “وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش… وسجدوا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله” (رؤ 7:11). كما أنَّهم خُدَّام اللِّيتورجيا السَّماويَّة، ويسبِّحون الله باستمرار، تمامًا كما نفعل نحن في عبادتنا الأرضيَّة. أيضًا، هم رسل إرادة الله، فقد ظهر ملاك الرَّبِّ لإبراهيم (تك 22: 11)، ويعقوب رأى الملائكة صاعدين ونازلين (تك 28: 12)، وجبرائيل بشَّر الفتاة البتول مريم بتجسُّد المسيح (لو 1:26–38). وهم حماة ومرافقو المؤمنين، “لأنَّه يُوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كلِّ طُرُقِك” (مز 91: 11)، كما أنَّ لكلِّ مؤمنٍ ملاك حارس، يرافقه ويحفظه، كما أكَّد الرَّبُّ يسوع نفسه: “ملائكتهم في السَّماوات ينظرون وجه أبي” (مت 18:10). هم كذلك شركاء في الدَّينونة الآتية كما يقول الكتاب: “سوف يأتي ابن الإنسان في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يُجازي كلّ واحدٍ حسب أعماله” (مت 16: 27). وفي نهاية الدَّهر، يجمع الملائكة مختاري الله من المشارق إلى المغارب (مت 13: 41).
* * *
اعتمدت الكنيسة الأرثوذكسيَّة التَّعليم التَّقليديّ حول رتب الملائكة من خلال كتابات القدِّيس ديونيسيوس الأريوباغي في عمله “المراتب السَّماويَّة”، حيث صنَّف الملائكة في تسع رتب ضمن ثلاث مراتب رئيسيَّة: (أ) المرتبة الأولى (الأقرب إلى الله): 1. السِّيرافيم – ملتهبون بمحبَّة الله (إش 6:2–3)، 2. الشِّيروبيم – الممتلئون معرفة (تك 3:24)، 3. العروش – حاملو عرش الله ومجده؛ (ب) المرتبة الثَّانية (وسطى): 4. السَّلاطين – منظِّمو النِّظام الكَوْنيّ، 5. القوَّات – منفِّذو العجائب والقوَّات، 6. القدرات – متسلِّطون على قوى الشَّرّ وتنفيذ مشيئة الله؛ (ج) المرتبة الثَّالثة (الأقرب إلى الإنسان): 7. الرِّئاسات – قادة الملائكة في المهام الرُّوحيَّة، 8. رؤساء الملائكة – مثل ميخائيل وجبرائيل، الموكَّلين بشؤون الشُّعوب و 9. الملائكة – الأقرب إلينا، ومن بينهم ملائكتنا الحارسون. وفي هذا الخصوص قال ديونيسيوس الأريوباغي: “التَّراتبيَّة السَّماويَّة هي مشاركة منتظمة في نور الله، وهي تنقل النُّور الإلهيّ من الأعلى إلى الأدنى، حتّى يصل إلى الإنسان”. فالملائكة هم حاملو نور معرفة الله إلى الخليقة، وهذه المعرفة تنتقل من الرُّتب الأعلى إلى الأدنى فالبشر.
أمّا بالنِّسبة لرئيسَي الملائكة ميخائيل وجبرائيل فهما رسولا الله الأقوياء. ميخائيل، واسمه يعني “من مثل الله؟”، هو قائد الجند السَّماويّ الَّذي حارب التِّنّين قديمًا أي الشَّيطان وزبانيَّته وطردهم من السَّماء (رؤ 12:7)، ووقف حاميًا لشعب الله (دا 12:1). أمّا جبرائيل، واسمه يعني “قوَّة أو جبروت الله”، فهو حامل البشائر العظيمة: بشَّر زكريّا بولادة يوحنّا، ومريم العذراء بولادة يسوع (لو 1). هما مثال للطَّاعة والغيرة الإلهيَّة، يُطيعان مشيئة الله دون تردُّد أو تَهاون. من هنا، فالملائكة في حياة الكنيسة والمؤمنين ليسوا مجرَّد رموز بل هم كائناتٍ حَيَّة حقيقيَّة لها حضورٌ فعَّال في الكنيسة. نراهم ممثّلين في أيقونات الهيكل، ونذكرهم في كلِّ خدمة ليتورجيَّة، فهم شركاؤنا في التَّسبيح، يحرسون المؤمنين ويعضدونهم في الجهاد الرُّوحيّ، ويرافقون الأرواح إلى الرَّاحة الأبديَّة بعد الموت كما يفرحون بتوبة الخاطئ (لو 15:10). إنَّهم يشاركون في حياة الكنيسة الأسراريَّة (sacramentelle)، حيث نقول في القدَّاس الإلهيّ: “مترنِّمين وصارخين، وقائلين…”. ويؤكِّد القدِّيس باسيليوس الكبير بأنَّ “لكلِّ مؤمنٍ ملاك حارس يُرشد نفسه، ويحفظه من كلِّ شرّ، ما دام لا يبعده بخطاياه”. فالملائكة ترافقنا وترشدنا وتنَبِّهنا بالرُّوح في القلب والضَّمير، لكنَّها تنكفئ إذا ما أبعدناها بعصياننا…
* * *
يا أحبَّة، نحن نُعَيِّد في الثَّامن من تشرين الثَّاني من كلِّ عام لكلّ الملائكة، وهذا ليس مجرَّد عيدٌ تَقَوِيّ، بل هو إعلان إيمانٍ بأنَّ الكنيسة تمتدُّ إلى السَّماء، وأنَّنا في شركة مع القوَّات غير المتجسِّدة، وتاليًا نرفض تعليم الَّذين ينكرون وجودهم. فالملائكة لا يغيبون عنَّا، بل يشتركون معنا في ليتورجيَّتنا وصلواتنا المختلفة، ويحملون أدعيتنا وتسابيحنا إلى فوق، ويقودوننا نحو وجه الله. إنَّهم شهود على خلاصنا، ومرافقو دربنا، وخدام الله الَّذين يسهرون على كنيسته. نحن مدعوُّون أن نتعلَّم منهم الطَّاعة والتَّسبيح لله، وأن نكون رسلًا حاملين كلمة الرَّبّ إلى العالم كما يحملون هم كلمته إلينا. علينا أن نتعلَّم منهم الطَّهارة والاستقامة الكلِّيَّة حتَّى نصير مملوئين من نور الشَّمس العقليَّة بالنِّعْمَة فنعكسه على عالمنا وواقعنا رجاءً وتعزيةً وفرحًا وحضورًا لله في عالمه. في هذا العيد، فلنرفع قلوبنا إلى السَّماء، حيث الجند الرُّوحيِّين يسبِّحون الله بلا انقطاع. لنطلب شفاعة رئيسَيْ الملائكة ميخائيل وجبرائيل، كي نحيا مثلهم في طاعةٍ كاملة لله، وبغيرة ناريَّة لمحبَّةِ الحَقّ، ونستعدّ لملاقاتهم يوم الدَّينونة في شركة النُّور الإلهيّ.
فبشفاعات رؤساءِ قوَّات خُدّام الله السَّماويِّين، أيُّها الرَّبّ يسوع المسيح إلهنا ارحمنا وخلِّصنا… آمين.
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما