نشرة كنيستي- الأحد (23) بعد العنصرة – العدد 46
الأحد 16 تشرين الثّاني 2025
كلمة الرّاعي
عيد دخول السَّيِّدة إلى الهيكل
بحسب التَّقليد الشَّريف، كان يواكيم وحنَّة عاقِرَيْن، وقد منحهما الرَّبّ ثمرة البطن مريم والدة الإله وهما عجوزَين. اتّفق يواكيم وحنّة أن يكرِّسا مريم لهيكل الرَّبّ، وأدخلاها الهيكل في عمر الثَّلاث سنوات. هذا يذكِّرنا بصموئيل النَّبيّ الَّذي كانت أمُّه “حنّة” عاقرًا وقد نذرت أنّه إذا أعطاها الله ولدًا فسيكون مكرَّسًا لهيكل الرَّبّ (١ صموئيل ١: ١١)، وهذا ما حصل، إذْ بعد عطيّة الله لها أحضرت ابنها في عمر الثَّلاث سنين ليكون نذيرًا ومقدَّسًا للرَّبّ (١ صموئيل ١: ٢٠ – ٢٨). الرَّبّ طلب من موسى في الشَّريعة أنَّ كلَّ بِكْرٍ هو مقدَّس للرَّبّ لخدمة بيته (راجع: خروج ١٣: ٢ وعدد ٣: ١٢). إذًا، كان تكريس الأبكار لهيكل الرَّبّ أمرًا مألوفًا عند اليهود، ما كان غير مألوف هو أن توضَع فتاة في هيكل الرَّبّ.
في كلِّ الأحوال، التَّقليد حول نذر مريم للهيكل ودخولها إليه يرجع إلى القرن الثَّاني ميلاديّ، وهو منسوب إلى القدِّيس يعقوب أخي الرَّبّ. يعود التَّقليد اللِّيتورجيّ حول هذا العيد إلى تدشين “كنيسة العذراء الجديدة” في أورشـليم في تـشــرين الثَّاني من سنة ٥٤٣ م. وقد عمَّ الشَّرق كلَّه في القرن السَّابع. وأدخله البابا غريغوريوس الحادي عشـر في أفينيون في أواخر القرن الرَّابع عشر، إلى أن شمل الغرب كلّه سنة ١٥٨٥م. في عهد البابا سيكستوس الخامس.
* * *
مريم أُدْخِلَت إلى الهيكل بِوَحي من الله لأنَّ الرَّبّ شاءَها أن تصير هي هيكله. هي تربَّت على الكلمة الإلهيَّة تغتذي بها لتنمو في القامة والرُّوح. “الكلمة الإلهيّ” اللُّوغوس (ΟΛόγος) وَلَدَهَا منه أوَّلًا بكلمة ”موسى والأنبياء“ (لوقا ١٦: ٢٩ و٣١) لكي تصير إناءً يسكن هو فيه، وليولد منها في “ملء الزَّمان” (غلاطية ٤: ٤). مريم هي رمز التَّكريس والمكرَّسين للرَّبّ. عيد دخولها إلى الهيكل هو عيد تكريسها وتقديسها وفرزها لتكون أمة لله صانعة مشيئته. في تراثنا كان الأهل يقدِّمون أبكارهم للكنيسة عبر إيداعهم إيّاهم الأديار ليتربّوا فيها ويَنشَأوا على محبَّة الله ويتكرَّسوا له. اليوم، هذه العادة قد زالَت تقريبًا.
* * *
أيُّها الأحبَّاء، علينا كمسيحيِّين أن نشجِّع أولادنا على التَّكرُّس لخدمة الرَّبّ في كنيسته. لا شكَّ أنَّ كلَّ من وُلِد من رحم الكنيسة بالمعموديَّة كُرِّس وقُدِّس للرَّبّ، أي أنَّنا كلّنا لله ولسنا لغيره، وكلّنا مطلوب منّا أن نكون شهودًا وخدَّامًا للبشارة السَّارّة، أي القيامة والغلبة على الموت والخطيئة، الَّتي هي أساس إيماننا. لكن، مطلوبٌ منَّا أيضًا أن نقدِّم للرَّبّ خدَّامًا لهيكله، وهيكله ليس فقط البناء الحجريّ بل هو أنتم (راجع: ١ كورنثوس ٣: ١٧ و٢ كورنثوس ٦: ١٦).
في الكنيسة مواهب، فلنشجِّع أولادنا ليُنَمُّوا مواهب الرُّوح القدس فيهم بالخدمة والتّكرُّس، فيتجاوبوا مع دعوة الرَّبّ لهم من خلال الكنيسة المحَلِّيَّة بملاحظة أسقفها والكهنة لِيَصيروا كهنةً وشمامسة، ورهبانًا وراهبات ومكرَّسين ومكرَّسات، لخدمة حقّ الإنجيل في الإنسان ولميراث الحياة الأبديَّة.
كلُّنا مدعوُّون للخدمة في الكنيسة، وعلينا كلُّنا أن نشدَّ بعضنا البعض إلى الالتزام بإيماننا، بالمشاركة في الخدم الإلهِيَّة، لا سِيَّما القدَّاس الإلهيّ، لأنَّنا بهذه الطَّريقة نصير أبناء الله إذ نتّحد بالمسيح ومن خلاله فيما بيننا. وفي اتّحادنا قوّة لتحويل العالم إلى مكانٍ أفضل، علينا أن ننير العالم بنور المسيح الَّذي فينا. لذلك، علينا أن نجاهد روحيًّا في الصَّلاة والصَّوم (وها نحن قد دخلنا صَوْمَ الميلاد) والعطاء، وهذا الجهاد لا يستقيم من دونِ توبةٍ واعتراف حيث نغتسل ونتنقّى ونسترشِد.
* * *
فلنكن، يا أحبّتي، حارِّين بالرُّوح لا بارِدين ولا فاتِرين لأنَّنا أبناء الرَّجاء. العالم يغيّره الله بواسطتنا إذا تجاوبنا معه ليغيِّرَنا أوَّلًا بطاعتنا لكلمته حتّى نصير مسكنًا لله بنعمة روحه القدُّوس فنصير نحن هيكل الله وحضوره المعزّي في هذا العالم البائس والحزين.
هذه رسالتنا، هذه شهادتنا، هذا تكريسنا، هذه دعوة الله لنا جميعًا. القداسة دعوة الكلّ في المسيح، “اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَـرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ …” (مزمور ١٤: ٢ و٥٣: ٢).
ها إنّ مريم والدة الإله نموذج لنا فَلْنَقْتَدِ بها كما هي بالمسيح…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما