نشرة كنيستي- الأحد (19) بعد العنصرة- العدد 42
19 تشرين الأوَّل 2025
كلمة الرّاعي
ضعف الإنسان وقوَّة الله
” تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ” (2 كو 12: 9)
ضعف الإنسان وهشاشته يشكِّلان أزمة له، لذلك يحاول الإنسان ويَسعى في حياته لكي يَقوى ويتحصَّن ليَحصل على الأمان، لكن في هذا العالم لا قوَّة مطلقة ولا أمان إذْ كلّ شيء معرَّض للزَّوال في لَحظة. المقطع من رسالة بولس الرَّسُول إلى أهل كورنثوس الَّذي رتّبته الكنيسة المقدسة لهذا الأحد غنيّ جدًّا، فيه مزيج من الشَّهادة الشَّخصيَّة، والاختبار الرُّوحيّ العميق، والتَّعليم اللَّاهوتيّ العمليّ. هو يدعونا بصراحة إلى التَّواضع، والثِّقة في نعمة الله، والافتخار لا بالقوَّة والإنجازات، بل بالضَّعف الَّذي فيه يُعلَن مجد المسيح وقوَّة الله تُستَعلن فينا.
* * *
شكَّك بعض المغرضين برسالة بولس، في محاولةٍ منهم لإبعاده عن قيادة الجماعة المسيحيَّة، لذلك يبدأ الرَّسُول كلامه بتأكيد صدقه: “يَا إِخْوَةُ، قَدْ عَلِمَ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ الـمُبَارَكُ إِلَى الأَبَدِ أَنِّي لا أَكْذِبُ…” هنا نسمع صوت بولس الَّذي يواجه من يشكِّكون في دعوته وخدمته، مُدافِعًا لا عن كرامته الشَّخصيَّة، بل عن أمانته في حمل إنجيل المسيح. ويُشير إلى حادثة هروبه من دمشق في زنبيل، مُشيرًا إلى بدايات خدمته المملوءة بالخطر والاتِّضاع. بولس تحمَّلَ الضِّيقات لأجل إنجيلِ الرَّبِّ والكنائس الَّتي أسَّسها، هو بذل دمًا وكان مستعدًّا للموت لأجل نقاوة الكرازة. المتكبِّر قد يفعل شيئًا من هذا، لكنَّه يفعله لمجده الخاص ولأجل الأوّليَّة والظُّهور وتمجيده من النَّاس. أمَّا مجدُ بولس فهو مختلف ومتضادّ، لأنَّه مجد الخدمة المتواضِعَة المضَحِّيَة.
أمانة بولس للرَّبِّ وتواضعه هما أساس كرازته، لذلك مَنَّ عليه الرَّبُّ بنعمةٍ خاصَّةٍ إذْ يقول: “إِنِّي أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الـمَسِيحِ… اخْتُطِفَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ… وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ سِرِّيَّةً…” هو لا يذكر نفسه مباشرةً، بل يتحدَّث عن “إنسانٍ في المسيح”، باتِّضاعٍ شديد. بدلًا من الافتخار بالرُّؤى والسُّموّ الرُّوحيّ، يُخفي هويَّته ليرفع المجد لله أوَّلًا وليُعلِّمَنا أنَّ المجد المُعطى للإنسان بالنِّعْمَة ليس سوى مِن تحنُّن الله، ويُحفَظ بالتَّواضع، إذْ بدون التَّواضع يخسر الإنسان كلَّ عطيَّةٍ إلهيَّة.
* * *
يحفظ الرَّبُّ الإنسان المحِبّ لله في التَّواضع بسماحه بالتَّجارب والآلام والضُّعفات، ليس أنّه يجلبها عليه بل يحوّلها فيه إلى فرصةٍ للثَّبات في الإيمان والنِّعْمَة، وهذا ما يقوله الرَّسُول بولس حين يعلنك أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الجَسَدِ، مَلاكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي لِئَلَّا أَسْتَكْبِرَ .لا نعرف بالتَّحديد ما هي هذه الشَّوْكة، مرض، ألم نفسيّ، اضطهاد، لكن نعلم ما تُنتج: كسر الكبرياء، والالتِجاء إلى الله. بولس صلَّى ثلاث مرَّات لكي تزول، فكان الجواب الإلهيّ: “تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ.” حين يتَّضع الإنسان يُدرك ضعفه، وحين يعرف الإنسان ضعفه يتَّضع، عندئذ يصير قابلًا للمعونة الإلهيَّة وقادرًا على أن ينفتح على النِّعْمَة الَّتي تجعل من ضعفه قوَّة… هذه قوَّة الإيمان والرَّجاء الَّتي يمنحها الله للَّذين يُطيعونه ويطلبونه، بها يغلبون كلَّ ضعفٍ ويسندون كلَّ ضعيف ويمجِّدون الرَّبّ. وعليه، من اختبر هذه القوَّة الإلهيَّة يتَّضع ويتحرَّر من الكبرياء، وهذا ما عبَّر عنه الرَّسُول بولس بقَوْلِه: “فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالحَرِيِّ بِأَوْهَانِي، لِتَسْتَقِرَّ فِيَّ قُوَّةُ الـمَسِيحِ.” لم يَعُد الفَخْر بالقوَّة لأنَّ قوَّته ليست منه بل من الله، وهذه القوَّة أخذها حين اتَّضع واعترف بأوْهانِه. تاليًا، هو يقول لأهل كورنثوس أنَّ كلَّ ما صنعه مهمّ من كرازةٍ وخدمةٍ هو مِن الله لا منه، وعليه فحين يشكّكون به يشكّكون بعمل الله وقوَّته، وهنا نرى قوَّةَ الحكمة الَّتي منحها الرَّبُّ لبولس حين اتَّضع وقبل أن يحمل شوكة الجسد كملاك شيطان يجرّبه على الدَّوام ليبقى في الاعتراف بضعفه والتَّيقُّن من عمل الله فيه إذ قبل إعلان الرَّبّ له “تكفيك نعمتي”… وهنا الرِّسالة الرُّوحيَّة العظيمة: مَنْ يَجرُؤ على أن ينسُب لنفسه شيئًا إذا أدرك كم مِن مَلاك شيطان يضربه وكم من شوكةٍ في الجسد ما زالت باقيةً فيه؟!…
* * *
أيُّها الأحبَّاء، هذه الكلمات ليست فقط لبولس، بل لكلِّ واحدٍ منَّا. فإنْ كنَّا نخدم، فلنتَّضِع. وإنْ اختبرنا عمقًا روحيًّا، فلنُخفه عن العيون. وإنْ وَضَع الله في طريقنا شوكةً، فلنطلب النِّعْمَة لا الإزالة. لأنَّ الله لا يُخطئ، وهو يعرف كيف يكمِّل قوَّتَه في ضعفنا.
فلنتعلَّم مِن بولس أنَّ المجد الحقيقيّ ليس في الرُّؤى، بل في الحياة الَّتي تُعاش بالاتِّضاع، وفي الإيمان الرَّاسخ بالله الثَّقة فيه، وخاصَّةً وسط الألم. وعندما ندرك أنَّه ليس لنا في أنفسنا ما نفتخر به سوى ضعفاتنا، فلننظر إلى المسيح، الَّذي قَبِل أن يُعلَّق على صليب ضعفنا، ليُعطينا قوَّةَ قيامَتِه، متيَقِّنين أنَّ قوَّة الله ستُستَعلن في ضعفنا…
“ومن استطاع أن يقبل فليقبل…”
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما