نشرة كنيستي- الأحد (16) بعد العنصرة- العدد 39
28 أيلول 2025
كلمة الرّاعي
زمن الرَّبّ
“هوذا الآن وقتٌ مقبول” (2 كو 6: 2)
رتَّبتْ الكنيسة في هذا الأحد قراءة المقطع الإنجيليّ من لوقا (5: 1 – 11) الَّذي يتحدَّث عن الصَّيد العجيب بناءً على كلمة الرَّبّ لبطرس. في هذا المقطع يدعو الرَّبُّ بطرس ورفاقه لاتِّباعه ليصيروا صيَّادي بشر. في المقابل، اختارت الكنيسة المقطع الرَّسائليّ من الرِّسالة الثَّانية إلى أهل كورنثوس (6: 1 – 10)، حيث يرشدنا الرَّسُول بولس إلى جوهر الخدمة الحقيقيَّة، ودعوة النِّعْمَة، ومعنى الجهاد المسيحيّ. يقول: “نطلب إليكم أنْ لا تقبلوا نعمة الله باطلًا… هوَّذا الآن وقتٌ مقبول، هوَّذا الآن يوم خلاص” (2 كو 6: 1-2). بحسب الرَّسُول بولس اللهُ يمنح نعمته بسخاءٍ، لكنَّ خطرًا عظيمًا يتربَّص بكُلِّ مَن يقبلها دون أن يثمر بها. لذلك يُحذِّرنا “لا تقبلوا نعمة الله باطلًا”، إنَّها ليست دعوة للخوف، بل للتنبُّه. فالنِّعْمَة لا تفعل فعلها في الإنسان إلَّا بواسطة التَّوبة، وجهادُ عَيْشِ الكلمة، وفَتْح القلب والكيان لله. وفي هذا السِّياق يقول القدِّيس إسحق السُّريانيّ: “كلُّ مَن لم يتعب في طلب الحَقّ، حتَّى ولو أُعطِيَ نعمةً، فإنَّه سيفقدها؛ لأنَّ النِّعْمَة لا تُعطى لكي تُهمل، بل لكي تُثمِر”. النِّعْمَة تُعين الإنسان على التَّغيُّر إلى الخليقة الجديدة، لكنَّها لا تعمل بالانفصال عن الإنسان ذاته ومشيئته وسَعْيِهِ، فالمسيرة الرُّوحيَّة هي تآزُرِيَّة (synergétique) بين نعمة الله ومشيئة الإنسان. نعم، النِّعْمَة تُعطى، لكنَّها لا تُفرَض. إنَّها تَقرع، لكنَّها لا تَقتحِم، وتاليًا لا تدخل قلب الإنسان ما لم يفتح الباب…
* * *
الإنسانُ كسولٌ، بعامَّةٍ، لأنَّه يُحاوِل التَّهرُّب من التَّعَب، ويَرْغَب لو بإمكانه أن يحصل على ما يُريدُه من دون جهد. طبعًا، في الحياة اليوميَّة لا يستطيع الإنسان أن يعيشَ بكرامَةٍ ما لم يعمل بجِدّ، ولا يقدر أن يتقدَّم في أعماله ما لم يجتهد. لكن، في الحياة الرُّوحيَّة كم من مرَّةٍ يُرجئ الإنسان توبته؟ يؤجِّل تغيير حياته؟ ينتظر ظروفًا “أفضل” لكي يبدأ رحلة الرُّجوع إلى الله؟. لكنَّ الرُّوح يصرخ في داخلنا: “هوَّذا الآن وقتٌ مقبول، هوَّذا الآن يوم خلاص“… في هذا الإطار، يعلِّق القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم قائلًا: “الله لا يتباطأ، لكن نحن الَّذين نتوانى عن الخلاص… اليوم هو لك، أمَّا الغد فليس في يدك”. هذا “الآن” هو لحظة الاستجابة، هو نعمة الوقت الحاضر الَّتي لا تعود. هو الوقت الَّذي فيه يُولد المسيح في القلب، إن كنَّا نفتح له. هو زمن الخلاص للتَّائب… الماضي مَضَى والمستقبل ليس مُحدَّدًا، فقط الآن هو وقت الحياة الحقيقيّ… وزمن التَّغيير والتَّجدُّد…
* * *
يكشف لنا الرَّسول بولس سِرَّ خدَّام الله الحقيقيِّين، أولئك الَّذين لا يكرزون بالكلام فقط، بل يُبشِّرون بأجسادهم المتألمِّة، وصبرهم الطَّويل، وطهارتهم، ومحبَّتهم غير الصَّادِقَة والأمينة. “في صبرٍ كثيرٍ، في شدائد، في ضروراتٍ، في ضيقات… في طهارة، في معرفة، في طول أناة… في الرُّوح القدس، في محبَّةٍ بلا رياء” (2 كو 6: 4-6)، هذه هي حقيقة خدَّام الرَّبّ إنَّهم على صورة معلِّمهم الرَّبّ يسوع المسيح المصلوب لأجل حياة العالم. بالنِّسبة للقدِّيس إسحق السُّريانيّ: “الخدمة ليست أعمالًا فقط، بل احتمالًا في صمت… مَن لا يحمل صليبه، لا يقدر أن يعلن المسيح”. الخادم الحقيقيّ للرَّبّ لا يُقاس بظهوره، بل بتواريه؛ لا بشهرته، بل بأمانته؛ لا براحة جسده، بل بتعب محبَّته في جسده الضَّعيف… في منطق عالم الخطيئة يسعى الإنسان للظُّهور وطلب المديح وأن يصير معروفًا من النَّاس ومنظورًا منهم، يطلب حياة الرّفاه والرَّاحة والغنى والمقتنيات. هكذا يكون خدّام مجد النَّاس في هذا العالم، هم يعملون ليطلبوا مجدًا بعضهم من بعض، ولهذا لا يستطيعون أن يؤمِنوا كما يقول الرَّبّ: “كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا، وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالمَجْدَ الَّذي مِنَ الإِلَهِ الوَحْدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟” (يوحنا 5: 44).
* * *
يا أحِبَّة، في رسالة اليوم، يعرض لنا الرَّسُول بولس سلسلة صفات رُسُل الرَّبّ وخُدّامه إذْ يُعَبِّر عن سرّهم قائلًا: “كأنَّنا حزانى ونحن دائمًا فرحون، كأنَّنا فقراء ونحن نُغْنِي كثيرين، كأَّننا لا شيء لنا ونحن نملك كلَّ شيء“. إنَّها ليست مفارقات منطقيَّة، بل أسرار روحيَّة. مَن يعرف الله، يعرف أنَّ الغنى لا يُقاس بما تملكه الأَيْمَان، بل بالقلب الممتلئ بالله. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: “مَن يملك الله، يملك كلَّ شيْء، حتَّى وإن بدا لا شيْءَ له. أمَّا من يتشبَّث بالأرض، فهو أفقر الفقراء ولو امتلك العالم كلَّه”.
هذا كلّه يجعل كلّ مؤمن جِدّيّ يتساءل: هل أنا أقبل نعمة الله بجديّة، أم بتهاوُن؟، هل أعيش في “الآن”، أم أُؤجل توبتي؟، هل أطلب حياة الرَّاحة، أم أقبل صليب التَّوبة والمحبَّة والخدمة؟، هل أفرح رغم الضِّيق؟ وهل أملك كلَّ شيءٍ لأنَّني أملك المسيح؟… هذه الأسئلة على كلِّ مؤمنٍ أن يُجيب نفسه، أوَّلًا عنها، وأن يحملها صلاةً أمام عرش الرَّبّ طالِبًا النِّعْمَة بالحَقِّ لا بالباطل، وأن يمنحه الرَّبُّ أن يعيش كلَّ لحظةٍ من حياته كأنَّها وقتُ الرَّبّ المقبول، وكلَّ يومٍ كأنَّه يومَ خلاصه. علينا أن نطلب من الرَّبّ تعليمنا أن نفرح في الضِّيق، وأن نمتلئ من غنى نعمته لكي نُغْني بها كثيرين، ونحن عالمِون أنَّنا وإنْ لم يكن لنا شيءٌ، نكون في الله نملك كلَّ شيء. حتَّى يصير الله فينا بالمسيح الكلّ في الكلّ…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما