Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (1) بعد العنصرة (جميع القدِّيسين)- العدد 24

15 حزيران 2025

كلمة الرّاعي 

جهاد القداسة

” ولْنُسَابِقْ بالصَّبْرِ في الجِهادِ الَّذي أمامَنَا، ناظِرِين إلى رئيسِ الإيمانِ ومكمِّلِهِ يسوع” (عب 12: 2)

يعتقد الكثير من النَّاس أنّ القداسة ليست لجميع النَّاس، وأنَّ العوام من المؤمنين ليس مطلوبًا منهم أن يصيروا قدِّيسين، بل يكفي أنْ يقوموا بـ”واجباتهم” الإيمانيَّة من حضور القدَّاس وربَّما تقديم التَّبرُّعات وممارسة بعض الصَّلوات الشَّخصيَّة. هذه هي النَّظرة السَّائدة عند المؤمنين غير المطَّلعين على تعليم الكتاب والكنيسة، وهم غير الأتقياء البُسطاء الَّذين يعيشون بروح القداسة إيمانهم، وهم كُثُر ومخفيّون عن أعيُن الكثيرين. يكفي أنْ نَعرف وصيَّة الرَّبِّ الَّتي تقول: “وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ، وَقَدْ مَيَّزْتُكُمْ مِنَ الشُّعُوبِ لِتَكُونُوا لِي.” (لا 20: 26)، وأيضًا: “بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ».” (1 بط 1: 15 و 16). إذًا، القداسة هي دعوة الله لنا…

*             *             *

ما هو الطَّريق الَّذي علينا أنْ نَسْلُكَه لنتقدَّس؟ إنّه السَّيْر وراء يسوع المسيح، وهذا طريقٌ اختياريّ بمعنى أنَّ الله لا يفرضه علينا لأنّنا أحرار أن نقبله أو نرفضه، والرَّبّ يسوع يقول لنا صراحة: “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي” (لو 9: 23). طريق القداسة، إذًا، هو طريق جهاد كبير أوّله “إنكار” الذَّات ووسطه “حمل الصَّليب” وغايته السَّيْر وراء المعلِّم أيّ التَّشَبُّه به في كلِّ ما يفعل. في الحقيقة، هذه المراحل الثَّلاث هي واحدة، لأنّ من لا يُنْكِر نفسَه، أي يتحرَّر من حُبِّها وإرضائها، لا يستطيع أن يحمل الصَّليب الَّذي هو كمال المحبَّة، أي إخلاء الذَّات في طاعة الله وعيش وَصِيَّتِه، وتاليًا التَّحرُّر من المشيئة الذّاتيَّة لتَبَنِّي “فكر المسيح”، حتّى يستطيع أن يسير وراء يسوع في مشروعه الخلاصيّ للخليقة قاطبةً وعنوانه: “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” (يو 15: 13).

*             *             *

يا أحِبَّة، القداسة هي غاية حياتنا وهي تشبّه بالله “القدُّوس”، وهذا لا يمكن أن يتحقَّق إلَّا بنعمة الرُّوح القُدس الَّذي هو روح التَّقديس. الرُّوح القُدس يقودنا إلى يسوع وإلى طاعته، ويسوع يقودنا نحو الآب في مسيرةٍ لانهائيَّة. لكن، في هذا العالم علينا أن نُجاهِد لنُحافِظ على النِّعْمَة الإلهيَّة، وهذا الجهاد هو حفظ الوَصِيَّة، “الَّذي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذي يُحِبُّنِي، وَالَّذي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي” (يو 14: 21) وفي نفس الوقت، “الَّذي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي. وَالْكَلاَمُ الَّذي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذي أَرْسَلَنِي” (يو 14: 24). إدًا طريق القداسة أساسه محبَّة الله، وهذه المحبَّة هي فوق كلّ محبَّةٍ وقبل كلّ محبَّة أخرى، فـ “مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي. وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوْ بِنْتًا أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي. وَمَنْ لا يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلا يَسْتَحِقُّنِي”. محبَّة الله أوَّلًا تُحرِّرنا من النَّفْعيَّة والمصلحة ومن التَّعلُّق المَرَضِيّ وهي صليب لأنّها انسلاخ عن الإنسان العتيق الَّذي لا يصنع شيئًا إلَّا ليأخذ شيئًا مقابله والَّذي هو أسير التَّسلُّط وعبد لروح التّمَلُّك. لذلك، أعطانا يسوع العلاج: “كُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلادًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَيَرِثُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ”. لا خسارة في اتّباع الرَّبِّ يسوع وحمل الصَّليب وراءه مهما كانت الصُّعوبات لأنّ الحياة الأبديَّة لا تُقدَّر بثمن…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة