Menu Close

نشرة كنيستي- أحد مرفع الجبن (الغفران)- العدد 8

الأحد 22 شباط 2026

كلمة الرّاعي 

جهاد الصَّوْم: أعمال الظُّلمة وأسلحة النُّور

فَلْنَدَعْ عَنَّا أَعْمَالَ الظُّلمة وَنَلْبَسَ أَسْلِحَةَ النُّور. لِنَسْلُكَنَّ سُلُوكًا لائِقًا كَمَا فِي النَّهَارِ” (رو 13: 12 – 13)

الظُّلمة لم تكُن في الإنسان عند خلقه، كانت في نظام الكَوْن صورة عن إمكانيَّة تحرُّكه بين النُّور والظُّلمة إلى أن جعل الإنسان هذا الأمر محقَّقًا بسقوطه حين خسر نعمة الرُّوح القدس. اليوم، نتذكَّر خروج آدم وحوَّاء من فردوس النَّعيم وتاليًا خروج الكَوْن عن نظامه الطَّبيعيّ إلى الفَوْضى أي سيادة الظُّلمة بواسطة الأهواء والشَّهوات على الإنسان. أَظْلَمَ قلبُ الإنسان بتركه وصيَّة الله، ومعه أظلمتْ البشريَّة فكانت أوَّل جريمة بين الإخوة: قايين يقتل هابيل حسدًا… وهذا ما فعله اليهود حين صلبوا الرَّبَّ، وهو مستمرٌّ إلى اليوم، وعلى الأرجح، إلى أنْ يأتي يوم الرَّبّ الرَّهيب حين يَدين الأحياء والأموات… لكنَّ، الله أشرَق من الظُّلمة نور حين “خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.  وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.  وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ…” (تك 1: 1 – 13)

*             *             *

ندخل اليوم زمن الصَّوْم الكبير بروح الانسحاق متذكِّرين خروجَنا من حَضْرَةِ الله وفردوس النَّعيم، لكي نطلب أن  نعود إليهما، متذكِّرين سلامنا الفردَوْسيّ لكي نسعى لاقتنائه، مختبرين بالخطيئة خسارتنا سُكْنَى روح الرَّبّ فينا لكي نجاهد لاقتنائه بالصَّلاة والصَّوْم والتَّوبة… لا نستطيع أن نصلِّي أو أن نصوم أو أن نتوب حقًّا إلَّا إن تعلَّمنا أن نتَّضِع، أي أن نَعِيَ بالمطلَق أنّنا بحاجة إلى المخلِّص ليُحرِّرنا من أهوائنا وقيود خطايانا… زمن الصَّوْم فرصة للجهاد، تساعدنا فيها الكنيسة من خلال الصَّلوات الخاصَّة بهذا الموسم المبارَك، هذه الصَّلوات الَّتي تشدُّنا إلى التَّوبة من خلال فضح الخطايا والأهواء الَّتي يتعرَّض لها المؤمن وكشف أسبابها وإيضاح سُبُل مواجهتها وغلبتها. لا بدُّ، أوَّلًا، مِن قرارٍ حازمٍ نتَّخذه بأن نعيش الصَّوْم في العمق الرُّوحيّ وليس في الشَّكل الخارجيّ فقط. أعمال الظُّلمة نُحاربها بالصَّوْم والصَّلاة والتَّوبة الَّتي هي أسلحة النُّور، لكن لا بُدَّ من اجتهادٍ في التَّدريب ومن مُدَرِّب مُخْتَبَر ليقتني الإنسان الخبرة الكافية في استعمال هذه الأسلحة الَّتي صمَّام الأمان في استعمالها هو التَّواضع، لأنّه يَقِي صاحبها من إيذاء نفسه وغيره بالكبرياء حين يَصيرُ خبيرًا في استخدامها شكليًّا وليس روحيًّا أي في المظاهر وليس في القلب… زمن الصَّوْم هو موسم إزهار إنسان القلب الخَفِيّ في روح الوداعة والهدوء والتَّأمُّل والصَّلاة… (راجع 1 بط 3: 4) عبر وُلُوجِه من خلال أبواب التَّوبة بالمسامحة والاعتراف بالخطايا السَّمِجَة ودَنَس الرُّوح والجسد بالأهواء… والتَّوبة عنها…

*             *             *

يا أحبَّة، فلنهرب من أعمال الظُّلمة ومن الخطيئة، ولنسارع بجهاد الصَّوْم إلى اقتناء الفضائل، فنطرد عنَّا الشَّراهة بالإمساك، واللَّذَّة الرَّديئة بالعَفَّة، والبخل بالإحسان والعطاء، والغضب بالوداعة، واليأس بالرَّجاء، والحزن بالفرح الرُّوحيّ، والعُجب بالاعتراف بأنَّ الله هو الممجَّد وحده، والكبرياء بالتَّواضع، وهذه الأهواء كلِّها مصدرها الأنانيَّة ودواؤها المحبَّة الإلهيَّة… أي محبَّة الله أوَّلًا من كلِّ القلب والذِّهن والقوَّة، وثانيًا محبَّة قريبنا كأنفسنا… هذا يفترض أنَّنا في مُصالَحَة مع أنفسنا ومع الله ومع الآخَر، وإنْ لم نَكُن، فاليوم هو يوم الغفران وزمن تطهير القلوب من كلِّ رفضٍ للآخَر وحقدٍ وكره وعداوة، إنّه زمن المسامحة والمصالحة والاستغفار، وعلينا جميعًا أن ندخل هذا الموسم البَهيّ بسلام غير تاركين في قلوبنا أيّ شرّ أو سلبيّة تجاه أيّ إنسان، وإلَّا نكون كمن يُريد أن يبني بيتًا على رمالٍ متحرِّكة وهذا البناء لن يقوم أبدًا. هكذا من يريد أن يَصوم ولا يُسامِح مَن أساؤا إليه، ولا يطلُب المغفرة ممَّن أساء إليهم، فهو كَمَن يُريد أن يبني بيتًا في أرض غير صالحة وغير مؤهَّلة لتحمل أيّ بُنيان… هذا صوم محكوم بالفشل ولا معنى له وممجوج من الله… لا نستطيع أن نقتني أسلحة النُّور إلَّا بنور الرُّوح القدس، “بنوركَ نُعاين النُّور” (المجدلة الكبرى)، ولا نقدر أن نطرد عنّا أعمال الظُّلمة إلَّا بقوَّة الله وبطاعة وصيَّة رحمته، فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ. وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ...” (لو 6: 36 – 37).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة