نشرة كنيستي- الأحد (12) بعد العنصرة- العدد 35
الأحد 31 آب 2025
كلمة الرّاعي
بدء السَّنة الكنسيَّة الأرثوذكسيَّة: تجديد الخليقة وعيد البيئة
في الأوَّل من أيلول، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسيَّة ببدء السَّنة الكنسيَّة، المعروف باسم الأنديكتي، وهي كلمة يونانيَّة تعني “الإعلان” أو “الحدّ”، وقد ارتبطت تاريخيًّا بجباية الضَّرائب في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة، لكنَّها في الكنيسة أصبحت رمزًا لبداية زمنٍ مقدّس جديد، زمن نعمة وتجديد، فالزَّمن يأخذ قيمته من ثمار القداسة الَّتي يجتنيها الإنسان خلال مسيرته إلى الملكوت. الزَّمن هو زمن الملكوت منذ الآن، في الكنيسة، وإلَّا لا يكون المسيح قد أتى ولا الخلاص قد تحقَّق، وتاليًا الرُّوح القدس لم يأتِ…
في هذا اليوم، تدعونا الكنيسة إلى التَّأمُّل في بداية الخليقة كما وردت في سفر التَّكوين، حيث يقول الكتاب: “في البدء خلق الله السَّماوات والأرض” (تكوين 1: 1)، ويتابع ليصف لنا كيف فصل الله النُّور عن الظُّلمة، واليابسة عن المياه، وزرع الحياة في الأرض، ثمَّ خلق الإنسان على صورته ومثاله (تك 1: 26) ووضعه في “جنّة عدن ليعملها ويحفظها” (تك 2: 15). هذا التَّرتيب الإلهيّ للخليقة يذكّرنا بأنَّ الزَّمن نفسه هو عطِيَّةٌ من الله، وأنَّ كلّ سنة جديدة هي فرصة لتجديد علاقتنا بالخالق، وللعودة إلى النَّقاوة الأولى الَّتي خُلق فيها الإنسان وإلى الحياة مع الله بالرُّوح القُدس الَّتي اُعطِيَتْ له عند الخلق بنفخة روح الله في أنف المجبول من الطِّين.
* * *
الآباء القدِّيسون رأوا في الإنسان كونًا مصغَّرًا (microcosmos)، إذ يجمع في كيانه بين المادَّة والرُّوح، بين الأرض والسَّماء. القدِّيس غريغوريوس النَّزينزيّ يقول: “الإنسان هو خليقة مزدوجة، جسد من الأرض وروح من السَّماء، وهو مدعو لأن يقدِّس الخليقة كلَّها من خلال حياته في الله.” في هذا السِّياق، يصبح بدء السَّنة الكنسيَّة دعوة للإنسان ليُعيد ترتيب حياته بحسب مشيئة الله، أي ليُقدِّس الخليقة بتقديس ذاته حين يصير هيكلًا للرُّوح القُدس أي هيكلًا للرَّبّ، كما يقول الرَّسول بولس: “أما تعلمون أنَّكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟” (1 كورنثوس 3:16). فالكَوْن يتقدَّس بالإنسان والكَوْن يُدمِّر بالإنسان، ولذلك كان لسقطة آدم وحواء أثرًا تقسيميًّا على الإنسان في نفسه وبين البشر وعلى الخليقة (راجع تك 3).
بناءً عليه، ومنذ عام 1989، خصّص البطريرك المسكونيّ برثلماوس الأوَّل هذا اليوم لِيَكُون أيضًا عيدًا للبيئة، في دعوة روحيَّة وأخلاقيَّة لحماية الخليقة الَّتي أودعها الله بين أيدينا. فالخليقة ليست مجرَّد موارد تُستغلّ، بل هي أيقونة إلهيَّة تُحتَرم وتُصان، وهي مرتبطة بطبيعة الإنسان ووجوده ارتباطًا جوهريًّا، كيانيًّا وروحيًّا. فما وصيّة الرّبّ للإنسان بأن يعمل في الأرض ويستثمرها لتُنتج غلَّات وخيرات وأن يحفظها من أي أذًى أو ضرر (راجع تكوين 2:15) سوى وصيّة وأمانة ورسالة مطلوب من الإنسان الالتزام بها لتقديس حياته وهي تعبير عن حبّه لله وطاعته وشكره، وهذه هي صورة عيشه لسرّ كهنوته الملوكيّ حين يتقبّل الخليقة عربون حبّ من الخالق ويردَّها له ثمارًا عربون شكر وتمجيد وذبيحة تسبيح. من هنا، “العمل” و”الحفظ” للأرض هما دعوة دائمة للإنسان ليكون وكيلًا أمينًا على الأرض، يرفعها من جمال إلى جمال ومن حُسن إلى حُسن، لا مستغلًّا لها ومدمِّرًا إيّاها.
* * *
يا أحبَّة، ترى الكنيسة في السَّنة اللِّيتورجيَّة ليس فقط تذكارًا لأحداث الخلاص، بل خبرة اتِّحادٍ روحيّ وكَوْنيّ في المسيح تجعل كلّ عضو جزءًا من مصير الخليقة والكَوْن لأنَّ الكنيسة هي جسد المسيح، وهي الكَوْن الجَديد وملكوت السَّماوات الآتي والحاضر في آن… لذلك، فالاحتفال في رأس السَّنة الكنسيَّة هو لتذكير الإنسان في مكانه الصَّغير (البيت، الرَّعِيَّة، العمل، إلخ.) أنَّه كَوْنٌ صغير مَدعو في المسيح وبه أن يُحوِّل العالم إلى “خليقة جديدة” (2 مو 5: 17) بحسب دعوة الرَّسول بولس: “اخلعوا الإنسان العتيق مع أعماله والبسوا الإنسان الجديد الَّذي يتجدَّد للمعرفة على صورة خالقه” (كو 3: 9-10).
يُلاحَظ في خدمة رأس السَّنة الحضور المميَّز للرُّموز الزِّراعيَّة والبيئيَّة مِنْ خلال تقديم البخُّور، طلبات المطر، ذكر المواسم والأثمار والأشجار والحصاد، ما ينعكس في التَّسابيح والتَّرانيم بلغة شكرٍ لله وطلب البركة للمواسم والأجيال القادمة. هذه الصَّلوات ليست “تراثًا فولكلوريًّا”، بل شهادة على مدى اتِّحاد العبادة بالحياة اليوميَّة والطَّبيعة وأنَّ الحياة الحقيقيَّة هي ليتورجيا مستمرَّة.
فلنبدأ هذه السَّنة الجديدة بالصَّلاة والتَّوبة، طالبين من الله أن يبارك أيَّامنا، ويجدِّد فينا صورة الإنسان الجديد، ويمنحنا نعمة أن نحيا في انسجامٍ مع الخليقة، حاملين في قلوبنا سلامَ المسيح، ومجدِّدين عهدنا مع الله، خالق الزَّمن والحياة.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما