Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد الفصح (الأعمى)   

العدد 21

الأحد 25 أيّار 2025

كلمة الرّاعي 

اِفْتَحْ عينيَّ

” ٱذْهَبْ وٱغْتَسِلْ في بِرْكَةِ سِلْوَام” (يو 9: 7)

كثيرون مُبْصِرون ولا يُبْصِرون وكثيرون عُميان وهم مُبْصِرون. مِقياس الرُّؤيَة ليس عُيون الجَسَد بل عُيون القلب. القلوب القاسية لا تُبْصِر، القلوب المُحِبَّة تَرَى ما لا يُرى ما هو في الأعماق. قساوة القلب من أين تأتي؟ مِنْ تَعَوُّدِ الخطيئة!… ومن البِرّ الذَّاتيّ!… ومن الكسل!… وهذه الثَّلاث تُوَلِّد روح الدَّينونة، وروح الدَّينونة ابنة الكبرياء والعُجب. هل من مُبْصِر؟!… يُجيب الرَّبّ: لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَمَّا لِلْبَاقِينَ فَبِأَمْثَال، حَتَّى إِنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَفْهَمُونَ” (لو 8: 10). مَنْ هم هؤلاء الَّذين أُعطِيَ لهم أنْ يُبصِروا؟ المؤمنين بيسوع ربًّا وإلهًا، إنسانًا وربًّا، ميتًا وناهضًا من بين الأموات!… فمن لا يؤمِن بالقيامة أعمى وتاليًا هو غير قادرٍ على أنْ يسلُكَ في طريق الخلاص أي هو يرفض الصَّليب!… مَنْ يرفُضُ الصَّليب يرفُضُ القيامة ولا يؤمِن بها!…

*             *             *

القيامة أساس الإيمان المسيحيّ، بدون قيامة لا مسيحيَّة ولا مسيح ولا تجسُّد ولا صعود ولا عنصرة ولا تألُّه ولا تَشَبُّه بالله أي لا غلبة على الموت ولا حياة أبديَّة، أي لا إله!، وهذا هو الجَهْل، “قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». فَسَدُوا وَرَجِسُوا رَجَاسَةً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا” (مز 53: 1). لا قيامة أي لا معنى للتَّقوى وللبِرِّ والصَّلاح، هذه تَصيرُ أثقالًا يَحْمِلُها الإنسان عَبَثًا!… لذلك، “إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لاَ يَقُومُونَ، «فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ!»” (1 كو 15: 32). ما الفائدة حينها مِن صِنْعِ الخَيْر أو مُحارَبَة الشَّرّ، ما الفائدة مِنْ كُلِّ ما نعمله في هذه الحياة؟!… إذا كان المسيح لم يَقُم فلا معنى للحياة ولا للمَوْت!… حينها مِنْ أين يأتي الرَّجاء والفَرَح؟!… إذْ ذاك تَصيرُ الملذَّات غاية الوُجود والشَّهَوات حَلاوَتَه والأهواء مبادئ للحياة… ما معنى الحُبّ والتَّضحية؟ ما مَعنى الشَّراكة؟ حينها فلْيَعِشْ الإنسانُ لِنَفْسِه وفقط لِنَفْسِه، وليَصِر كُلُّ آخَرٍ وكُلُّ شيءٍ أداة لإسعاده، أي لا يوجد إنسانيَّة فيما بعد بل حيواناتٍ ناطِقَة تَقودُها الغرائز… عندها يَعيشُ الإنسانُ ليأكُلَ ويشرَبَ ويستمتعَ بكُلِّ ما يستطيع أن يستمتع به وتصير الحياة ضمن إطارِ المحسُوس والملمُوس فقط لا غَيْر… وهذا هو فَخُّ الشَّيطان المُهلِك للنُّفوس لأنَّ الإنسان حينها يَصير أسيرَ اليأس في كلِّ مَرَّةٍ يَفْشَلُ بتلبِيَةِ شهواتِهِ… يَصيرُ “ابن الهَلاك”!… (يو 17: 12).

*             *             *

يا أحبَّة، الرَّبُّ يأتي ليُعطينا البَصَر نحنُ مَنْ عَمِيَتْ قلوبنا وقَسِيَتْ جرَّاء عدم توبتنا وفتور صلاتنا وضمور محبَّتِنا واضطرام حسَدِنا وغلبة صِغَرِ نفوسِنا علينا. نحن لا نُبْصِر لأنّنا اقتلعنا أعينَ قلوبِنا بدَيْنُونَتِنا لإخوَتِنا فَصِرنا بِدُون عُيُون، الرَّبُّ يُرسِلُنا إلى بِرْكَتِه هو المُرسَل (سلوام) من الآبِ إلينا ليُقيمَنا مِنْ مَوْتِ أنانِيَّتِنا وكبريائنا وعنادِنا الشَّيطانيّ ويَمنحَنا بقيامته روحَ التَّضحِيَة والتَّواضُع والطَّاعة بمَسيحه الَّذي بَذَلَ نَفْسَهُ لأجلنا ليُخَلِّصَنا ويحَرِّرَنا من مَوْتِ الرُّوح والجسد… فلنسمع الكلمة ولنُطِعها ونذهب إلى بَرْكَة سلوام أي إنجيل الرَّبِّ وكلمته الماء الحَيّ المُنَقِّي والمُطَهِّر والمُجَدِّد… هناك حيث نَغْسِلُ أعْيُنَ ذهنِنا بكلمةِ الإنجيل يأتي روح النِّعْمَة ليَخْلِقَ لنا عيونًا جديدةً متنقِّيَةً على الدَّوام بدموع التَّوْبَة وجُرأة الشَّهادة لِحَقِّ الكلمة… السُّؤال المطروح علينا هو: هل كَرِهْنا خطايانا؟ هل نَفَضْنَا عن قلوبِنا روحَ الكَسَل والدَّينونة؟ هل اعترفنا بأنَّنا ساقِطُون ومَرْضَى نَحتاج إلى مَنْ يُنْهِضَنا من سقطتنا ويشفينا من آلامنا وأهوئنا؟

ليمنحنا الرَّبُّ استعدادًا للتَّوْبَة وقُوَّةً للتَّغيير ونعمةً للتَّجديد لكي يخلق لنا عيونًا جديدةً تُبصِرُ كلمةَ الحياة وتعيش بهُداها ومنها وفيها وإليها… وليُحَرِّكَ قلوبَنا إليه لنستقبله ونطيع كلمته الَّتي هي حياة أبديَّة ونور من نور وتمنحنا مجدًا فوق مَجْدٍ على مِقدارِ نُموِّنا إلى “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ” (أف 4: 13)…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع!…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة