Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد بعد عيد الميلاد- العدد 52

الأحد 28 كانون الأوَّل 2025

كلمة الرّاعي 

الميلاد والزَّمن الجديد: ملء الزَّمان وزمان الملء

“لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمان، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ…” (غل 4: 4 – 5)

الأعياد في الكنيسة محطّات فرحٍ ورجاء وتغيير، هذا ما نتوخّاه منها على كلِّ حال، وهي ذكرى تستجلب علينا نعمة الله وخلاصه. إنَّها نوافذ إلى الماضي والتَّاريخ وفي نفس الوقت إلى الأبديَّة وملكوت السَّماوات… نعيشها في الزَّمن وهي تحققت فيه لكنّها ليست محصورة بحدوده إذ حين دخل الله الزَّمان في “ملء الزَّمان”، صار هذا الزَّمان موضعًا لحضور الأبديَّة وتجسيدها في الآن… كلّ عيد في الكنيسة هو “ملء الزَّمان”، لأنّ يسوع هو محوره ومركزه وغايته وهو يُحقِّق للزَّمان ملئه…

*             *             *

يأتينا  عيد ميلاد الرَّبّ بالجسد من البتول كلّ سنة لنأتي به إلى حياةٍ جديدة بطفل المغارة الَّذي هو ” مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ” (حجي 2: 7). هو يأتي لأجل كلّ البشر، هو ليس محتَكَرًا من جماعة أو مِلَّةٍ أو شعب، هو مخلِّص العالم… به يتجدَّد الزَّمان لأنّه خالقه، وهو الَّذي يمنح المؤمنين به أن يصيروا على غراره أبناء الله… بالنِّعْمَة لا بالطَّبيعة والجوهر، لأنَّه يمنحهم روحه القدُّوس الصَّانع الحياة ومصدر كلّ تجديد وقداسة…

حين وُلدَ المسيح يسوع من البتول مريم صار هذا الميلاد “لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً” (1 كو 1: 23)، لأنّ صورة الله في عقولهم لم تُطابق إله يسوع المسيح، فأرادوا قتله. الإله المتأنّس أتى متواضعًا وَديعًا، فقيرًا مسكينًا، تلبَّس ضعفنا دون أن يكون ضعيفًا وفقرنا وهو الكنز ومسكنتنا  وهو الممجَّد… لم يأتِ ليُرضي أفكار البشر عن الله وتوقّعاتهم منه، بل أتى ليكشف لنا حقيقة الله… أنّه نور وحياة، وفرح وسلام، ومحبَّة وحنان… لأنّه لم يشأ أن تبقى خليقته خاضعة للموت ولسلطانه عليها… وما يستتبع ذلك من أهواء وشهوات وخطايا… بدخوله زمن العالم أدخل العالم في زمن الأبديَّة… في اللَّازَمَن… فيصير به الزَّمان جديدًا وللإنسان تجديدًا… بالإيمان أي بطاعة الكلمة…

*             *             *

الزَّمن الجديد أي زمن الملكوت الَّذي حضر بتجسُّدِ ابن الله الوحيد لا يتحقَّق فينا بزيادة أرقام السِّنين ولا بالتَّمنيات الَّتي نرجو الحصول عليها، بل بالعمل والحَقّ. أن نتغيَّر هذه ليست مسألة حظّ بل هي إرادة وتصميم وسعي دؤوب في الصَّلاة والصَّوْم والخدمة… والبركات لا تأتي بالانتظارات بل بنعمة الله وتعب الإنسان. لن يتغيّر العالم بتغيُّر السِّنين بل بجِدّ المجتهدين وتعاون  المؤمنين بالمولود الطِّفل الإلهيّ  الَّذي هو إنساننا الجديد وعالمنا الجديد…

يا أحبَّة،  لا نطلبنَّ الأفضل لحياتنا من الغيب بل من الله، وتقادُم السِّنين لا يجلب الخير أو الشَّرّ على المؤمنين بل أفعالهم، لإنَّه إنْ لم يكن إيماننا فاعلًا بالمحبَّة فهو ميت، وتاليًا لا ننتظرنّ حياةً أفضل إن لم نبذل دمًا وأعراقًا لأجل اقتنائها… القداسة هي غايتنا وهي حياتنا، وطريقنا إليها أن نخرج من فكر العالم وخرافاته وتفاهته إلى إيمان الصَّحراء وصحراء الإيمان حيث اكتشف العبرانيُّون قديمًا أنَّ الإنسان حين يترك أي يتعلَّم أن يتخلَّى عن مشيئته ويُطيع الله يبصر عجائبه ويتلقَّى كلمات الحياة الأبديَّة من عنده، “لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ…” (2 كو 6: 17 – 18)… ملء الزَّمان يسوع المسيح وزمان الملء هو الآن …

ومن استطاع أن يفهم فليقل هذا لكلِّ إنسان…

ميلاد مجيد وعام سعيد في الرُّوح القدس…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة