نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد الفصح (آباء المجمع المسكوني الأوّل)
العدد 22
الأحد 01 حزيران 2025
كلمة الرّاعي
الكنيسة والمجامع: المجمع المسكونيّ الأوّل
“لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ…” (أع 15: 28)
أوّل مجمع كنسيّ هو الَّذي الْتَأَمَ بحضور الرُّسُل ومَشايخ كنيسة أورشليم حوالي سنة 49 م.، وقد ترأَّس هذا المجمع يعقوب أخي الرَّبّ، وغايته كانت أخذ قرار فيما إذا كان الأمم يجب أن يخضعوا لشريعة موسى قبل قبولهم في المسيحيَّة أم لا، وكان الجواب: “لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلًا أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ: أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا، الَّتي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ” (أع 15: 28 – 29). نتعلّم مِنْ هذا أنّ الشُّورى هي أساس المجمَع وأنَّ المطلوب هو سماع كلمة الرُّوح القدس لتنطق الكنيسة كلمة الرُّوح المعْصُومَة. هذا هو عمل التَّآزُر بين الله والإنسان الَّذي هو أساسُ الحياةِ المسيحيَّة الشَّخصيّة والجماعيَّة. العِصْمَة للرُّوح القدس ومجمع الكنيسة يجب أن ينطق كلمة الرُّوح، النِّقاشات والحوارات مُرفَقَة بالصَّلاة هي لِسَماع كلمة روح الله ونطقها.
وُضِعَ هذا النِّظام في حَيِّزِ التَّطبيق اعتبارًا مِنْ أواسِط القرن الثَّاني مِنْ أجل مُقاوَمَةِ ضَلال الهَراطِقَة، وذلك بمقارَنَتِهِ مع تقليد الكنائس المحلِّيَّة المجاوِرَة المتناقِل عن الرُّسُل، وعلى هذا المثال جَرَتْ الكنيسة وأخذتْ، كلَّما دَعَتْ الحاجة، تعقد المجامع مِن مكانيّة ومسكونيّة. وفي هذه المجامع ثبّتتْ نهائيًّا عقائد الايمان القويم ووضعت قوانين عديدة لحِفْظِ النِّظام في الإدارة الكَنَسِيَّة ولتنظيم العلاقات بين الأبرشيَّات المتعدِّدَة أو بين فروع الكنيسة الواحدة المقدَّسَة الجامعة الرَّسوليَّة وبين أعضائها من إكليريكيّين وعوامّ.
* * *
بحسب هنري برسيفال، يمكن تحديد المجمع المسكونيّ، بأنَّه “مجمع حازَتْ تحديداته وقوانينه القُبول في المسكونة كلِّها”. بالنِّسبَة للكنيسة الأرثوذكسيَّة يجب أن يَضُمَّ المجمع المسكُونيّ ممثِّلينَ عن الكنائس كلِّها في الشَّرق والغَرب، واستمرَّتْ الكنائس الأرثوذكسيَّة على هذا المبدأ حتَّى بعد الانشقاق الكبير بين الغرب والشَّرق، ولم تَدَّع بعد ذلك عقد مجمع مسكونيّ، ولكن للأسف أضفت الكنيسة الغربيّة على مجامعها لقب المسكونيَّة كونها تعتبر أنّ كنيسة روما هي الكنيسة الوحيدة والَّتي إنْ لم تخضع لها الكنائس الأخرى لا تكون كنائس، وبالتَّالي تعتبر بأنَّ كنيسة روما هي كنيسة المسكونة…
بناءً عليه، تعترف الكنيسة الأرثوذكسيَّة بسبعَةِ مجامعٍ مسكونيَّة، ولهذه المجامع سلطة على كلِّ الكنائس في تحديداتها العَقائديَّة وفي قوانينها. بالنِّسبَة للكنيسة الأرثوذكسيَّة ما صدر عن هذه المجامع من تحديداتٍ عقائديَّة ليس إعلان حقيقة جديدة بل هو تحديد ثابت لا يتغيَّر للإِيمَانِ “الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه 1: 3). بشكلٍ عام، سببُ عَقْدِ المجامع هو تحدِيَّاتٍ إيمانيَّةٍ وعقائديَّة نشأت بظهور هرطقات أي تعاليم تخالف خبرة الكنيسة في معرفةِ الله وعيش إيمانها؛ أمّا الجهة الَّتي تدعو إلى المجامع المحلِّيَّة فهي كنسيَّة وأمَّا المجامع المسكونيّة فالأرجح أنَّ الدَّاعي لها كان الأباطرة الرُّومان، لأنّه وخاصَّةً بعد انتشار المسيحيَّة صارَ أيُّ انقسامٍ في الكنيسة يهدِّدُ أمْنَ الإمبراطوريّة واستقرارها، وهذا ممّا يُحبِّذ فكرة أنَّ الأباطرة هم الَّذين كانوا يدعون إلى عقد هذه المجامع. في كلّ الأحوال كلّ مجمع مَسكونيّ لاحِق صادق على عقائد وتعاليم وقوانين المجمع السَّابق، وهذا ما يؤمِّن استمراريَّة التَّقليد الكنَسيّ وصِحَّتِه.
* * *
المجمع المسكونيّ الأوَّل، الَّذي نُعَيِّد له في هذا الأحد، عُقِدَ في نيقية وابتدأت جلساته في العشرين من أيَّار عام 325 م. وحضره حوالي الـ 318 أُسقُف معظمهم من الشَّرق (يعود عدد الأساقفة ال 318 إلى ما بعد السَّنة 360، وربَّما وصلنا تأثُّرًا بـ”غلمان ابراهيم المتمرّنين” (راجع: تكوين 14: 14). أهمّ ما حقَّقه هذا المجمع هو أنَّه أدانَ بِدْعَة كاهن ليبيّ عاش في الإسكندريَّة اسمه آريوس الَّذي تتلْمَذ على لوقيانوس الأنطاكيّ. أنكر آريوس ألوهِيَّة ابن الله وكلمته فاعتقد بأنَّه كان هناك وقت لم يكن الابن مَوْجُودًا فيه، واعتبره رفيعًا بين مخلوقات الله ومِنْ صُنْعِهِ، كما أنَّ الرُّوح القُدس مِنْ صُنْعِ الابن أيضًا. دَعا إلى هذا المجمع الإمبراطور قسطنطين الكبير وحضر افتتاحه، وترأَّسه على الأرجح إفسطاثيوس بطريرك أنطاكية. بعد أن رذل هذا المجمع هرطقة آريوس وحكم عليه وضع دستور الإيمان حتّى عبارة “وبالرُّوح القُدس”، وكان مِنْ أهمّ تحديداته العقائديّة في هذا الدُّستور أنَّ الرَّبَّ يسوع المسيح هو “ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلِّ الدُّهور، نورٍ من نور، إلهٍ حَقّ من إلهٍ حَقّ، مَوْلودٍ غير مَخلوق، مُساوٍ للآبِ في الجَوْهَر (Homoousios) أي هو من جوهرٍ واحِدٍ مع الآب. وهذه الكلمة كانت من اقتراح الشَّمَّاس أثناسيوس، الَّذي صار بطريركًا على الإسكندريَّة لاحِقًا، وهو فسَّر هذه الكلمة قائلًا: “إنَّ الابن ليس هو كالآب فحسب، ولكنَّه، وهو صورته، هو نفس الشَّيء الَّذي هو الآب (…) وإنَّ الابن هو كالآب وليس ذلك فحسب بل هو غير منفصل عن جوهر الآب. وإنَّه هو والآب واحد والجوهر هو ذاته كما قال الابن نفسه إنَّ الكلمة هو دائمًا في الآب، والآب هو دائمًا في الكلمة (راجع يو 14: 11) كما أنَّ الشَّمس وبهاءها هما غير منفصلَين” (كتاب مجموعة الشَّرْع الكنَسيّ، ص. 44).
حدَّد مجمع نيقية، أيضًا، قاعدة احتساب تاريخ عيد الفصح، فأقَرَّ القاعدة الَّتي كانت كنيسة الإسكندريَّة تحتفل بموجبها بالعيد، وهي الَّتي تجعل عيد الفصح يقع بعد أوَّل بَدِر بعد الاعتدال الرَّبيعيّ في 21 آذار. كما عني المجمع بتنظيم الكنيسة الإداريّ فَسَنَّ عِشرين قانونًا، منها تثبيت رفعة مكان كَراسٍ ثلاثة كبرى وهي رومية والإسكندريَّة وأنطاكية (قانون 6)، وقرَّر أن يحتَلَّ كرسيّ أُورشليم مكانة الشَّرَف الرَّابعة على أن يبقى خاضِعًا لمتروبوليت قيصريَّة فلسطين. لم يأتِ مجمع نيقية على ذكر القسطنطينيَّة لأنَّ مدينتها دُشِّنَتْ بعد المجمع بخمس سنوات.
هكذا صار المجمع المسكونيّ الأوّل نموذجًا للمجامع المسكونيّة اللَّاحِقَة في طريق الدَّعوة إليها وما يصدر عنها من تحديدات عقائديّة وقوانين لحُسْنِ سَيْرِ الكنيسة وتنظيمها. ونظرًا لأهميّة هذه المجامع نُعَيِّدُ لها ثلاث مَرَّات في السَّنَة، لأنّها حَدَّدَتْ عقائد الكنيسة وإيمانها بحيث لا يجوز أنْ يُزاد عليها أو يُنَقَّص منها، فما تَمّ تحديده هو كافٍ للخلاص ولمعرفة حَقِّ الله…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما