Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (25) بعد العنصرة – العدد 48

الأحد 30 تشرين الثَّاني 2025

كلمة  الرَّاعي 

القدِّيس نيقولاوس العجائبيّ

مرآة المسيح في المحبَّة والعطاء

نُعيِّد في السَّادس من كانون الأوَّل من كلِّ سنة للقدِّيس نيقولاوس العجائبيّ، أسقف ميرا، شفيع الكاتدرائيّة وهذه الأبرشيّة المحروسة بالله، وإذْ نتأمَّل في سيرته نكتشف أنَّه لم يكن مُجرَّد رجل يصنع أعمال رحمة، بل كان أيقونة حيَّة للمسيح  الرَّاعي الصَّالح الَّذي قال عن نفسه: “أنا هو  الرَّاعي الصَّالح، و الرَّاعي الصَّالح يبذل نفسه عن الخراف” (يوحنَّا 10 :11). لقد جَسَّد القدِّيس نيقولاوس هذا القَوْل في حياته، فبذل ذاته في خدمة شعبه، ووقف إلى جانب المظلومين، واحتضن الفقراء والمحتاجين بمحبَّةٍ لا تعرف حدودًا، لذلك مجّده الله أيضًا بلا حدود…

القدِّيس نيقولاوس لم يكن رجلَ عملٍ اجتماعيّ أو خدمة مجتمعيَّة بل كان راعيًا حقيقيًّا أي أبًا روحيًّا، لقطيع المسيح الرَّبّ، يلدهم بكلمة الإنجيل في نعمة الرُّوح القدس من خلال تجسيده لها حياةً ومحبَّةً وبذلًا، ببساطة ووداعة وتواضع، في أعمال الحَقّ الَّتي كان يتمِّمها بطريقةٍ طبيعيَّةٍ في يوميّاته، كما نرتِّل في طروباريَّته: “لقد أظهرتكَ أفعالُ الحَقِّ لرعيَّتِك قانونًا للإيمان وصورةً للوَداعة ومعلِّمًا للإمساك… فلذلك أحرزتَ بالتَّواضع الرِّفْعَة وبالمسكَنَةِ الغِنى…”. القدِّيس نيقولاوس كان أيقونة للإيمان الحَيّ الفاعل بالمحبَّة الإلهيَّة… عاش متشبّهًا بمعلِّمِه…

*             *             *

جسَّد قدِّيسنا المحبَّة الإلهيَّة عمليًّا، كما أوصى الرَّسُول يوحنَّا: “يا أولادي، لا نُحبّ بالكلام ولا باللِّسان، بل بالعمل والحَقّ” (1 يوحنّا 3:18)، هكذا أحبَّ نيقولاوس بالأفعال الَّتي أتمَّها في الخفية حين أنقذ الفتيات الفقيرات من العبوديَّة – على سبيل المثال – مقدِّمًا لهُنَّ المهر سرًّا.  لقد كان عطاؤه سخيًّا لأنّه لا قيمة للعطاء ما لم يكن من القلب وبفرحٍ كما أوصى الرَّبُّ يسوع: “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أعمال 20:35)، فكان عطائه عملًا مجّانيًّا لأنّه سُرًّ بفرح الآخرين إذْ مَجَّدوا الله المعطي.

أمّا تواضعه ووداعته في عمله السِّرِّيّ والخَفِيّ لخدمة أبنائه فقد عاشهما على مثال المعلِّم الَّذي أَوْصانا قائلًا: “تعلَّموا منِّي، لأنّي وديعٌ ومتواضع القلب” (متّى 11:29)، فلم يسْعَ إلى مجدٍ بشريّ، بل إلى رضا الله وحده.

كذلك، تجلَّت غَيْرَتُه على الإيمان القويم والتَّعليم بوضوح في المجمع المسكونيّ الأوَّل (نيقية 325 م.)، حين وقف ضِدَّ بدعة آريوس مدافعًا عن ألوهيَّة المسيح وصفع آريوس على فمه لأنَّه غار “غيرة لربِّ الجنود” (1 مل 19: 14)، محقِّقًا قول الرَّسول بولس إذ “جاهد جهاد الإيمان الحَسَن وحفظ الإيمان” (1تيموثاوس 6 :12).

*             *             *

القدِّيس نيقولاوس معروف في كلّ العالم، وربّما هو أكثر قدِّيس تعرفه جميع الشُّعوب والأمم، وهو في الكنيسة صورة  الرَّاعي الصَّالح على مثال معلِّمه المسيح، لا يترك إنسانًا يستنجد به إلَّا أسرع إلى نجدته، وهو سريع الاستجابة وشفيعٌ حارّ. فهو شفيعٌ لكلِّ ظرف وحاجة، إذْ صار شفيعًا للأطفال، البَحَّارة، المظلومين، والمسافرين، إلخ. وتدعوه الكنيسة عجائبيًّا لكثرة ما صنع من عجائب الرَّحمة. هو أبُ الفقراء وطبيب النُّفوس الأجساد، لذلك تدعونا سيرته إلى أن نكون نحن أيضًا شهودًا للمسيح في هذا العالم فنقتدي به، بأن نحبَّ بلا حدود، كما أحبَّ هو المسيح في العطاء بسخاء، والتَّواضع في الخدمة، ووَضْع الآخَرين قبل الذَّات، وفي الدِّفاع عن الحَقِّ والإيمان، بثباتٍ وغيرة مقدَّسة.

*             *             *

يا أحِبَّة، إذْ نُعَيِّد للقدِّيس نيقولاوس فنحن لا نتعاطى عيده كذكرى تاريخيَّة بل كدعوةٍ لنا اليوم والآن لنتعلَّم منه كيفيَّة اقتناء صفات الإنسان الجديد والدُّخول في “الخليقة الجديدة” على صورة المسيح، إذ نتوب عن قساوة قلوبنا وعدم رحمتنا طالبين شفاعته ليغيِّر الله قلوبنا ويطهّرها، حتّى نعيش الإنجيل بالفعل لا بالكلام في أعمال الرَّحمة والمحبَّة. وكما صار نيقولاوس نورًا في زمنه، يمكن لكلِّ واحدٍ منَّا أن يكون نورًا في عائلته وكنيسته وبيئته بنعمة الله الَّتي تسكن المتواضعين والودعاء.

لنتعلَّم من القدِّيس نيقولاوس أن نحبَّ المسيح في إخوتنا، ونبذل ذواتنا في سبيلهم، فنكتشف عجائب الله فينا حين تتجلَّى محبَّةً ورحمةً وعطاء وبذلًا مع تواضع ووداعة ليتمجّد الله في كلّ شيء نصنعه…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة