Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (2) من الصَّوْم (القدِّيس غريغوريوس بالاماس)- العدد 10

الأحد 08 آذار 2026

كلمة الرّاعي 

القدِّيس غريغوريوس بالاماس

الصَّلاة الهدوئيَّة وخبرة الحياة الأبديَّة

ليست الصَّلاة الهدوئيّة في تراثنا الأرثوذكسيّ وكما يوضحها القدِّيس غريغوريوس بالاماس، عمليَّة تقنيَّة روحيَّة منفصلة عن الحياة اليوميَّة، بل طريقٌ إلى خبرة الحياة الأبديَّة منذ الآن. هي دخولٌ تدريجيّ في النُّور الإلهيّ غير المخلوق، كما عاشه الرُّسُل على جبل التَّجَلِّي، وكما شرحه الآباء النُّسَّاك واللَّاهوتيُّون، من آباء الصَّحراء إلى القدِّيس مكسيموس المعترف والقدِّيس غريغوريوس بالاماس وإلى أيَّامنا هذه… هي خبرة واحدة مستمرَّة منذ البَدء وإلى الأبد… فالصَّلاة الهدوئيَّة سكونٌ يفتح الكيان الإنسانيّ على الحُضور الإلهيّ، فهي (أي الهدوئيّة – (الهيزيخيا) بحسب القدِّيس غريغوريوس بالاماس ليست انسحابًا من العالم، بل دخول إلى القلب بالتَّوبة والصَّلاة المستمرَّة والسُّكون والصَّوْم، لمُعاينة الله السَّاكن في الدَّاخل، إذْ يُعَلِّم بأنّ “النِّعْمَة الإلهيَّة ليست بعيدة عنَّا، بل هي في داخلنا، لكنَّنا نحتاج إلى تنقية القلب لنُعايِن نورها”. هذا التَّعليم يلتقي مع خبرة آباء الصَّحراء الَّذين شدَّدوا على أنَّ الصَّلاة ليست كلمات، بل وُقوف القلب أمام الله كما يعبِّر عن ذلك القدِّيس مكاريوس الكبير: “القلب هو مركز الكيان، وهناك يجب أن يشتعل نور المسيح”.

*             *             *

إنَّ مُعاينة نور الله غير المخلوق هي خبرة أصيلة في الكنيسة منذ البدء، وليست فكرة أو فلسفة أو وَهْمًا، والكتاب المقدَّس يشهد عليها بعهديه القديم والجديد. ميَّز القدِّيس بالاماس بين جوهر الله (ousia) الَّذي لا يُدرَك، وطاقاته (energies) الَّتي تُعطى للإنسان كنعمةٍ ونور والَّتي لا تنفصل عن الجوهر وهي تاليًا سرمديَّة وغير مخلوقة. هذا النُّور هو نفسه الَّذي أشرق على جبل ثابور في المسيح يسوع، وهو الَّذي يختبره المصَلّي الهدوئيّ عندما ينفتح قلبه على حضور الله. في هذا الإطار يقول القدِّيس بالاماس: “النُّور الَّذي يراه القدِّيسون ليس مَخلوقًا، بل هو إشعاع لاهوت المسيح نفسه”. وهذا ما يشرحه القدِّيس مكسيموس المعترف حين يقول إنَّ غاية الإنسان هي “الاتِّحاد بالله بالنِّعْمَة”، أي المشارَكة في حياة الله دون أن يصبح الإنسان إلهًا بالجَوْهر. هذا يفسِّر ما قاله الآباء قديمًا بأنَّ “الله صار إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا”. للوصول إلى هذا التَّألُّه، يجب سلوك طريق الصَّلاة الهدوئيَّة للتَّطهير والاتِّحاد بالله. وتقوم الصَّلاة الهدوئيّة على ثلاث حركات مترابطة:

–  تطهير القلب من الأهواء، عبر التَّوْبة واليقظة (nepsis) أي السَّهَر الرُّوحيّ؛

–  اِستنارة الذِّهن (نوس) – nous بنعمة الرُّوح القدس، حيث يصبح الفكر بسيطًا وخاليًا من أيّ تشويش؛

–  الاتِّحاد بالله بواسطة النِّعْمَة الإلهيَّة، حيث يدخل الإنسان في النُّور الإلهيّ غير المخلوق ويتذوَّق حياة ملكوت السَّماوات والمحبَّة والفرح والسَّلام الَّذي يَفوق كلَّ وصف.

وهذا ما عبَّر عنه القدِّيس اِسحَق السُّوريّ بقَوْلِه “حين يصمت الجسد، يتكلَّم القلب. وحين يصمُت القلب، يتجلَّى الله”. هذا الصَّمْت ليس فراغًا، بل امتلاء من حُضور الله الَّذي يَهبُّ على النَّفس كَنَسيمٍ لَطيف ونار مُلْهِبة للكَيان بالحُبِّ الإلهيّ لكلِّ الخليقة…

*             *             *

تتمحور الحياة الهدوئيَّة حول “صلاة يسوع” أي “صلاة القلب”، إذ تُعتَبَر صلاة يسوع “يا ربّي يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ” التَّعبير العمليّ الأبرز للهدوئيَّة. وهي ليست تكرارًا آليًّا، بل استدعاءً لاسم الرَّبّ يسوع المسيح ليَمْلُك على القلب. فاستدعاء اسم الرَّبّ هو وقفة في حَضْرَتِه، وللإسم قوَّة وفعل لأنَّ دُعاء اسم الرَّبّ يسوع هو تعبير عن حضورِه الحَيّ والفاعِل. ويعتبر القدِّيس غريغوريوس بالاماس بأنَّ “اسم يسوع، حين يُذْكَرُ بإيمان، يصبح في القلب ينبوعًا للسَّلام والنُّور”. إنَّها صلاة تُعيد الإنسان إلى بساطة الإنجيل، وتجعله يَعيش حضور المسيح في كلِّ لَحظة، هذا في البَدْء وهي امتلاء من النُّور الإلهيّ غير المخلوق ومُعاينة لله في كمالها…

*             *             *

يا أحبَّة، الهدوئيَّة دعوة لِتَذَوُّق الحياة الأبديَّة منذ الآن في القلب وفي مُعاينة النُّور الإلهيّ غير المخلوق. فالحياة الأبديَّة ليست حَدَثًا مستقبليًّا فقط، كما يعلّم القدِّيس غريغوريوس بالاماس بل خبرة تُعاش في الزَّمَن، إذْ يقول: “من يتطهَّر بنعمة الرُّوح يَرى نور الله، وبهذا يدخُل منذ الآن في عربون الحياة الأبدِيَّة”. فحين ينفتح القلب على نور الله، يبدأ الإنسان بتذوُّق ما سيَعِيشه في الملكوت أبديًّا، فيصير هو نورًا من النُّور بالنِّعْمَة المتَّحِدَة به، أي وهو في الزَّمان والمكان يدخل إلى اللَّازمان واللَّامكان، إلى حياة الدَّهر الآتي. وهذا ما يُعَبِّر عنه القدِّيس مكسيموس حين يَصِف الإنسان المتألِّه بأنَّه “يَصير كلّه نورًا، لأنَّ الله يسكن فيه”.

أيُّها الأحبّاء، تذكّرنا الكنيسة اليوم في هذا الأحد المبارَك، من خلال القدِّيس غريغوريوس بالاماس ودعوة الهدوئيَّة في هذا العالم السَّريع والمضطَرب، بأنَّ الخلاص مُعْطَى لنا بالنِّعْمَة الإلهيَّة السَّاكنة فينا بالأسرار  (sacraments) وأنّه يبدأ من الدَّاخِل. تدعونا الكنيسة، خاصَّةً نحن العائشين في العالم، ليس إلى الهروب من العالم أي تركه جسديًّا، بل أنْ نَعود إلى الله عبر التَّوْبَة وندخل إلى القلب بالصَّلاة الهدوئيَّة (يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ) حيث نلتقي مع الله السَّاكن فينا بالنِّعْمَة الإلهيَّة المُعطاة لنا. فهذه الصَّلاة  هي نبع السَّلام الدَّاخليّ وطريق لاقتناء عطيَّة التَّمييز الرُّوحيّ وعَيْش اللِّيتورجيا في الحياة اليوميَّة. فالإنسان الَّذي يتدرَّب على عَيْش الهدوء في صلاته واختبار الصَّلاة في السُّكون، يحمل سلام النِّعْمَة الدَّاخليّ إلى بيته، وعمله، وعلاقاته. إنَّ الصَّلاة الهدوئيَّة، كما يعلِّمنا القدِّيس غريغوريوس بالاماس، ليست امتيازًا للرُّهبان فقط، بل دعوة لكلِّ مؤمنٍ يريد أن يعيش الإنجيل بِعُمْق. هي طريق إلى نور المسيح، وإلى خبرة الملكوت منذ الآن.

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة