Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (24) بعد العنصرة – العدد 47

الأحد 23 تشرين الثَّاني 2025

كلمة الرّاعي 

الغنى الحقيقيّ: الدَّعوة إلى قلب ممتلئ بالله

” فَهَكَذَا مَنْ يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ وَلا يَسْتَغْنِي بِاللهِ” (لو 12: 21)

في زمنٍ تُقاس فيه قيمة الإنسان بكثرة الممتلكات، وتُربط السَّعادة بتراكم الثَّروات، يأتينا صوت الإنجيل ليهزّ مفاهيمنا ويُعيد توجيه البوصلة نحو الغنى الحقيقيّ، عبر كلمة الرَّبّ يسوع في إنجيل لوقا: فَهَكَذَا مَنْ يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ وَلا يَسْتَغْنِي بِاللهِ” (لو 12: 21)، كاشفًا عن مأساة الإنسان الَّذي يظنُّ أن كنزه في الأرض يكفيه، بينما قلبه فارغ من الله.

*             *             *

الغِنى الحَقيقيّ لا يُقاس بما نملك على الأرض، بل بما نملك حين نكون واقفين في حضرة الله. فكم من غنيٍّ في المال فقيرٍ في الرُّوح، وكم من فقيرٍ في الدُّنيا فقير أيضًا في الرُّوح. الغنيُّ في الإيمان والمحبَّة يمكنه أن يكون صاحب أموال ومقتنيات أو عادمها، لأنَّ النّقطة المفصَل في هذه المسألة هي موقفه من المال وليس قنيته أو عدمها… وهنا نستذكر قول القدِّيس أنطونيوس الكبير: الغنى ليس طريقًا إلى الهلاك، والفقر ليس طريقًا إلى الخلاص، بل المهمّ كيف نستخدم ما لدينا بمحبَّة، فيكشف أنَّ المشكلة ليست في المال ذاته، بل في القلب الَّذي يتعلَّق به.

*             *             *

في إنجيل اليوم (مَثَل الغَنيّ الغبيّ)، نرى إنسانًا جمع كثيرًا، بنى مخازن، وخاطب نفسه قائلًا: “يا نفس، لكِ خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، استريحي وكُلي واشربي وافرحي!”، فجاءه صوت الله: “يا غبيّ، هذه اللَّيلة تُطلَب نفسك منك، فهذه الَّتي أعددتها لمن تكون؟” (لو 12: 19-20)، وهنا غباء هذا الغنيّ أنّه لا يطلب بِرَّ الله وخلاصه إذْ يظُنّ أنَّ له في ماله حياةً، وهذا ما يوضحه لنا القدِّيس أثناسيوس الكبير الَّذي يقول: “الله قادر أن يطعم الفقراء، لكنَّه يطلب منَّا ثمار البِرِّ والمحبَّة، مُشيرًا إلى أنَّ الغنى الحَقّ هو في العطاء لا في التَّكديس.

*             *             *

أيُّها الأحبَّاء، دعوتنا اليوم أن نراجع أنفسنا لنفحصها ونُحَدِّد ما هي الأمور الَّتي نعتبرها كنوزًا لنا؟ وهل نكنز لأنْفُسنا فقط؟ أم نغتني بالله؟ الغنى الحقيقيّ هو أن نكون في علاقةٍ حَيَّة مع الله، أن نعيش المحبَّة، أن نخدم الآخَرين، أن نكون نورًا في العطاء والتَّضحية ومشاركة الخيرات مع المحتاجين في عالمٍ يلهث وراء المادِّيَّات. وكما يعلِّمنا القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: “مثل لعازر يعلّم الفقير أن يحتمل فقره بتعقُّل، ويعلِّم الغنيّ أَّلا يتباهى بثرائه، بل أن يشرك الآخَرين في خيراته”.

فلنطلب أن يملأ الرَّبُّ قلوبنا بغناه، أن يجعلنا أغنياء في الإيمان، في الرَّجاء، وفي المحبَّة. ولنتعلّم أنَّ مَن يستغني بالله، لا يفتقر إلى شيء، بل يملك كلَّ شيء، لأنّه حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا” (مت 6: 21).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة