Menu Close

نشرة كنيستي- أحد عيد رفع الصَّليب- العدد 37

14 أيلول 2025

كلمة الرّاعي 

الصَّليب في وسط المسكونة

الكنائس قديمًا كان يُرفع على رأس قبّتها الأساسيّة ما يرمز إلى الصَّليب المزروع في وسط المسكونة، وكان هذا عبارة عن صليب في وسط ما يشبه الهلال. هذا كان رمزًا للصَّليب المزروع في وسط هذا العالم الَّذي به صار الخلاص وعليه كُشف، ليكون رمزًا لخلاص العالم بصليب الرَّبِّ يسوع المسيح.

الصَّليب حاضر مع الإنسان منذ البدء في الجنّة ممثَّلًا بشجرة معرفة الخير والشّرّ التي كان على الإنسان أن يمتنع عن الأكل منها إلى حين ينضج في معرفة الله والحَقّ لئلَّا يموت. صارت هذه الشَّجرة رمزًا للمعصية والسُّقوط ورفض محبّة الله، بها خدع إبليس الإنسان الأوّل بوهم ألوهيّةٍ دون الله. بيسوع المسيح ابن الله المتجسِّد صارت شجرة معرفة الخير والشَّرّ طريقًا للخلاص لأنّ عليها، أي على الصَّليب، سمّر الله العالم السَّاقط وكذب وخداع إبليس واستُعلِنَ حقُّ الله ومحبَّته لخليقته وتحقَّق تألُّه الإنسان وظهرت الخليقة الجديدة.

*             *             *

الصَّليب في وسط المسكونة عثرة وجهالة، عثرة للَّذين إيمانهم وهميّ وخرافيّ ومبنيّ على الخوارق، وجهالة لأصحاب حكمة هذا العالم المبنيَّة على القوَّة والتَّسلُّط. الكثير من النَّاس يتعاطون الإيمان كالسِّحْر، ويظنُّون الإله دوره استجابة طلباتهم وتحقيق أمنياتهم، ومنهم مَن يريدون الله إله حرب يعينهم في “فتوحاتهم” وينصرهم على غيرهم ويحكِّمَهُم برقاب العباد. آخَرون يعتقدون بأنّ ذكائهم وخبراتهم وعلمهم يجعلهم يسيطرون على الأقدار ويتحكَّمون بالحياة والوجود. في الحالتين رغبة للتَّألُّه دون الله الحَقّ عبر اختراع إلهٍ على صورة أهواء البشر.

الله كما كشفه لنا يسوع المسيح على الصَّليب لا يَمُتُّ لآلهة هذا العالم بشيءٍ، هو على الصَّليب الجبّار في قمّة الضُّعف الظَّاهِر، والمحِبّ بلا حدود أمام شرّ الأشرار والَّذي حكمته تهب الإنسان حياةً أبديَّة. هذا كلّه أتمّه الله على الصَّليب بابنه الوحيد يسوع المسيح. من يعرف قوّة الصَّليب وحكمته يتألّه، لأنّ هذا يميت العالم القديم الَّذي فيه بصليب الوصيَّة الإلهيَّة ويقتني حكمة المحبَّة الإلهيَّة الَّتي هي خبرة وتذّوق الحياة الأبديّة.

*             *             *

يا أحبّة، لا مهرب من الصَّليب في هذا العالم، لكنّ الله أتى ليجعل من صليب كلّ إنسان في هذه الدُّنيا أداة خلاص وليس أداة موت. قبل يسوع كانت الآلام والتَّجارب والِمحَن صوَرًا للموت النِّهائيّ، أمَّا مع الرَّبِّ يسوع فصارت أكاليل مجدٍ لمن يحملها ويغلبها بقوّة الإيمان وعمل النِّعْمَة الإلهيَّة. يسوع حَوَّل بصليبه الموت إلى حياة والذّلَّ إلى مجدٍ والضّعف إلى قوَّة والحقد إلى محبَّة والإدانة إلى مغفرة والشَّرّ إلى خير والظُّلمة إلى نور… نقل الإنسان من المواتيَّة والفنائيَّة إلى الحياة الأبديَّة والخلود… صار الصَّليب رمَزًا لقوَّة الله وغلبته النِّهائيَّة على الشَّيطان. من يتمسَّك بالصَّليب وبرسم إشارة الصَّليب في حياته عبر الطَّاعة لله ولكلمته تصير له هذه الإشارة علامة حضور للغالب الموت وبها يبارك حياته وأعماله وأفكاره وكيانه.

على الصَّليب تغيَّر كلّ الوجود، ظهرت الخليقة الجديدة والمحبوسين في العالم السُّفليّ تحرّروا، دُمّرت مملكة إبليس إلى الأبد لأنّ الغلبة نهائيّة، المعارك مستمرّة على صعيد كلّ إنسان وعلى صعيد البشريّة إلى أن يأتي يوم الرَّبّ-يوم القيامة، لكنَّ الفوز تحقَّق. على المؤمنين في هذا العالم أن يحملوا الصَّليب كأداة غلبة. المسيح بنا يُريد أن يغيِّر العالم ليصير مكانًا أفضل. الخلاص مُعطى لمن يقبل يسوع مخلِّصًا ولمن يتمسَّك بالاعتراف بالرَّبّ. الخلاص حصل وتمّ في يسوع، كلّ إنسان بواسطة حمله للصَّليب وراء يسوع يستطيع أن يقتني هذه الغلبة وهذا الخلاص… “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرَّبّ…”، “هلّموا خذوا نورًا من النُّور الَّذي لا يعرُوه مساء…”، “لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا” (1 يو 5: 4).

ومن استطاع أن يقبل فليقبل…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة