Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (4) بعد العنصرة- العدد 27

الأحد  06 تمّوز 2025

كلمة الرّاعي 

الحُرِّيَّة في البِرّ

” يَا إِخْوَةُ بَعْدَ أَنْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الخَطِيئَةِ أَصْبَحْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ” (رو 6: 18)

يقول الكتاب أنَّ بِرّ إبراهيم حصل له بالإيمان لا بالنَّاموس، “آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا” (رو 4: 3 وتك 15: 6)، في حين يقول أنَّ النَّاموس وُضِع ليكشف الخطيئة ويدينها، “لِأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ” (رو 3: 20). إذًا، النَّاموس لا يُخلِّص بل يوضح لنا حالة الخطيئة الَّتي نحن فيها، أمّا الخلاص فهو بالإيمان وببرِّ الإيمان في النِّعْمَة الَّتي بطاعة يسوع المسيح. صحيح أنَّ المسيح خلَّصنا من الموت والخطيئة ومنحنا الحياة الأبديَّة والغَلَبة على الموت، لكن شرط اقتنائنا لهذه النِّعْمَة هو سلوكنا في البِرّ الَّذي بيسوع المسيح أي حملنا لصَليب الجهاد ضِدَّ أهوائنا وغلبتنا إيَّاها بالنِّعْمَة الإلهيَّة عبر صلب إنساننا العتيق مع شهواته. إنْ لم نُمِت ما فينا من عتيق لا تَدخُلُنا الحياة الجديدة، إنْ لم نقتبل تجديد فكرنا وكياننا بالرُّوح القُدس لا نستطيع أن نَصير خليقةً جديدةً ولَوْ مارسنا الأسرار الكنسيّة، لأنَّ هذا التَّحوُّل يتطلَّب رغبةً وإرادةً وفعلًا منّا، فتجديدنا يتحقَّق بقبولنا للنِّعْمَة الإلهيَّة غير المخلوقة الَّتي تخلقنا من جديد على صورة يسوع المسيح في عمليّة مستمرَّة من الموت والقيامة عبر التَّوْبة…

*             *             *

ما هي علامات عبوديّتنا للخطيئة؟ كبرياؤنا، أنانيّتنا، عُجْبُنا، يأسنا، حزننا، غضبنا، بخلنا، تعلُّقنا بشهوات الجسد ومحبَتنا للملذَّات… كيف أعرف أنَّ هذه موجودةٌ فِيَّ وأنا عَبْدٌ لها؟ حين لا أستطيع أن أعيشَ التَّواضُع والمحبَّة غير المشروطة والابتعاد عن الظُّهور والرَّجاء بالله والتَّعزية في الصَّلاة والوَداعة والعطاء والعِفَّة وضبط النَّفْس والجسد. عبوديَّة الخطيئة هي تعوُّدُها، العادة هي الدَّوامة أو الحلقة المفرَغَة الَّتي تُكبِّل الإنسان وتجعله يدور في مكانه لاهثًا وراء راحةٍ كاذبة ووَهْم سعادة لا تدوم إلَّا لحظات… مُخلِّفة وراءها مرارةً وربَّما لامبالاةٍ بأيِّ شيءٍ أي فقدان لمعنى الحياة الَّذي لا يمكن أن يكتمل إلَّا بالمحبَّة الإلهيَّة أي الوَحدة مع الله… إنسان الخطيئة منغلق على ذاته وحاجاته ونزواته ولا يهمُّه إلَّا نفسه، بينما إنسان البِرّ فهو منفتح على الكلّ بالمحبَّة والخدمة في تواصلٍ خَلَّاق بنعمة الله، ينطلق فيه من علاقته بالله ويمتدُّ منها إلى العالم في رؤية تعاكس منطق العالم الَّذي هو الاستهلاك لأنّ مبدأ وجوده ينطلق من محبَّةِ الله ويتحقَّق في محبَّةِ القَريب ويكتمل في الوَحدة بالمسيح يسوع مع الخليقة كلّها…

*             *             *

يا أحبّة، ثمرة الخطيئة موت عن الحياة الحقيقيَّة هنا وفي الدَّهر الآتي، وثمرة البِرّ موت عن العالم وشهواته وقداسة وحياة أبديَّة. من لا يؤمن بالحياة الأبديَّة لا يطلب بِرّ الله بل يعتبر السَّعي إليه حماقةً وغباوةً لأنَّه حين يَصير معنى الحياة في زوالِها يصير هدف الحياة الإشباع من متعها وملذَّاتها والاكتفاء بالذَّات كمِحوَر للوُجود. أمّا من يؤمن بالحياة الأبديَّة فهو يبحث عن اقتنائها منذ الآن، وهذا يقوده إلى معرفة الله، وحين يعرف الله بيسوع المسيح يحبّ حياته لأنَّه يُحبّ خالقه، ويحبّ القريب لأنّ محبَّة الله تُحرِّره من عبادة ذاته وحينها يعبد الله في سرّ الأخ الَّذي هو عيش كلمة المسيح الَّتي هي “أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا” (يو 13: 34). هذه المحبَّة النَّقِيَّة الطَّاهرة لا تُقتنى بدون تطهيرٍ للقَلب في طاعَةِ الحَقِّ بالرُّوح القُدس، فبدون هذه التَّنقِيَة لِنُفوسِنا وكياننا بالتَّوبة والاعتراف والمصالَحَة والمسامَحَة وتفضيل الآخَر على ذاتي لا نستطيع أن نُحِبَّ محبَّةً بدون رياء، لأنّ المصلحة الخاصَّة تبقى حاضرة، المحبَّة المجّانِيَّة هي عربون حرّيتنا الَّتي تكتمل بالتَّحرُّر من مشيئتنا الخاصَّة وطاعة مشيئة الرَّبّ يسوع بالكُلِّيَّة…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة