شنشرة كنيستي- الأحد (7) بعد العنصرة- العدد 30
27 تمّوز 2025
كلمة الرّاعي
الجهاد الشَّرْعيّ
“إنْ كانَ أحَدٌ يُجاهِدُ فلا ينالُ الإكليلَ ما لمْ يُجَاهِدْ جِهَادًا شَرْعِيًّا” (2 تي 2: 5)
ينطلق بعض المفكِّرين من فكرة أنّ الإنسان لا يبلغ اختبار الإيمان الحقيقيّ إلَّا مِن خلال أداء فرائض معيّنة تتجلَّى في طقوسٍ وواجباتٍ خاصَّة، باعتبار أنّ الدِّين، كما يُعرَّف اصطلاحًا، هو منظومة تربط الكائن البشريّ بالمطلَق، وتوجِّه حياته نحو غايةٍ سامِيَة. هذه المنظومة قد تتَّخِذ مسارَيْن:
- شرعٍ إلهيّ يُحدِّد للإنسان عقائد وسلوكيَّات تنظِّم علاقته بالله وعلاقته بالمجتمع.
- إيمانٍ بخالق الكون يتجلَّى عبر عقيدةٍ وعبادة وأخلاق تهدي الإنسان إلى الخير في هذه الحياة وفي الآخِرَة.
لغويًّا، كلمة “الدِّين” تحمل دلالاتٍ متعدِّدة: الجزاء والمحاسبة، الطَّاعة والانقياد، السُّلوك والعادة، كما تُشير إلى الحكم والسُّلطة. ولهذا، غالبًا ما يُنظَر إلى الدِّين كجسرٍ يربط الحاضر بالأبديَّة مِن خلال شرائعٍ وطُقوس وفَرائِض، بل وقَد يُعتَمَد أساسًا في بناء الدُّوَل ونظام الحُكم على اعتبار أنَّه تجسيدٍ لحُكم الله في الأرض.
في هذا السِّياق، ليسَتْ المسيحيَّة دينًا بالمعنى التَّشريعيّ أو المؤسَّسيّ أو الطُّقوسيّ. فالمسيح لم يأتِ ليُعطينا منظومة قوانين تُحكم بها الأرض، ولا فرائض تُمارَس إرضاءً لله. بل جاء ليَهَبَنا ملكوتَ الله، ويجعلنا أبناءً له وورثة لمجده. أتى ليُتْحِدَنا به، ويجعلَنا “آلهةً بالنِّعْمَة”، أي “خليقةً جديدةً” لا تُحرِّكها الواجبات بل تُلهِمها وتحرّكها المحبَّة؛ محبَّة الله ومحبَّة القريب.
* * *
المسيحيَّة: سِرُّ الوِلادَةِ الجديدة والدُّخول في جسد المسيح
المسيحيَّة لَيْسَتْ مجرَّد انتماءٍ عقائديّ، بل هي سرٌّ عظيم، سرُّ الانخراط في عضويّة “جسد المسيح”، أي الكنيسة، الَّتي تُعدّ استباقًا لملكوت السَّماوات وبدءًا لحياة الدَّهر الآتي.
إنَّها سِرُّ الوِلادة الجديدة، وحدث الخلق المتَجَدِّد، الَّذي يتحقَّق بالمعموديَّة والتَّوبة المستمرّة، حيث يتَّحد المؤمن مع المسيح “بشبه موته، لكي يَصيرَ أيضًا في قيامته” (رو 6: 5). فالمسيحيّ هو إنسانٌ جديد، مولود ثانية من فوق (يو 3: 4)، من “الماء والرُّوح” (يو 3: 5). هو “مسيحٌ صغير”، لأنّه لبس المسيح في المعموديَّة (غل 3: 27)، وصار بالنِّعْمَة ابنًا لله، مُتَبنّى في المسيح يسوع، مدعوًّا ليحيا كمسيح في هذا العالم، حاملًا نور وقوّة وفرح الحياة الأبديّة ككائنٍ آتٍ من الدَّهر الآتي.
من اعتمد باسم الثَّالوث القدُّوس يصير إنسانًا إلهيًّا، يحمل في ذاته كلَّ الإمكانيّات الكامنة، بالنِّعْمَة، لتَحقيق بنُوَّتِه لله من خلال التَّشبُّه بالمسيح. وهنا يبرز دور المشيئة الشَّخصيَّة والجهاد الرُّوحيّ لتفعيل هذه النِّعْمَة السَّاكنة في القلب. ولكي تُثمِر، لا بُدَّ من معرفةٍ حَيَّةٍ وفهمٍ عميقٍ لكلمة الله، تُترجم بخبرة الطَّاعة، إلى أن يتّحد الإنسان بالكلمة اتِّحادًا يجعل منه شهادةً حيّةً، لا يقول إلَّا ما ينطق به “الكلمة” نفسه؛ المسيح الإله المتجسّد، شهادةَ حُبٍّ ومُصالَحَة وسلام.
* * *
الجهاد الشَّرْعيّ: طريق التَّوْبَة ومعرفَة النَّفْس
يا أحِبَّة، الجهاد الشَّرْعيّ هو مسيرةٌ روحيّة عميقة، جهاد معرفة النَّفْس والتَّوبة، وهو نزولٌ دائمٌ إلى أغوار القلب بانفتاحٍ على نور النِّعْمَة الإلهيَّة، ليُطَهِّر الله خفايا الإنسان برحمته وحنانه، وصولًا إلى كمال الشِّفاء الدَّاخليّ.
إنّه جهادٌ يعبّر عنه بولس الرَّسول بقوله: “أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ” (1 كو 9: 27)، وهو السَّعي إلى عدم الإدانة (لو 6: 37)، والمسامحة سبعين مرَّة سبع مرّات (مت 18: 22)، والتَّعلُّم من المسيح الوداعة والتَّواضع (مت 11: 29)، والصَّوْم عن شهوات الجسد والجوع إلى كلمة الله (مت 4: 2–4). هو أن نُحبَّ المسيح بحفظ وصاياه (يو 14: 21)، ونسهر ونُصَلِّي (مت 26: 41)، ونطلب “أوّلًا ملكوتَ الله وبرّه” (مت 6: 33).
فالجهاد الشَّرْعيّ ليس فرائض ولا طقوسًا جامدة، بل هو حياةُ طاعةٍ وتواضعٍ مِطواع أمام الله، تُهيّئ القلب لتفاعل النِّعْمَة فيه وتحوّل الإنسان إلى كائنٍ جديدٍ لا يُحرَّك بالجسد، بل يَحيا بالرُّوح كابن لله.
وبغَيْر الرُّوح القُدس، لا يعرف الإنسان كيف يُصلّي، ولا كيف ينكشف على ذاته، أو يدرك خطاياه وشهواته، وليس له قوّةً على أن يغلب حتّى أصغر مَيْل داخليّ. الجهاد الشَّرْعيّ إذًا هو جهاد التَّوبة والدُّموع على السَّقطات، هو أن نُوَجِّه أبصارنا إلى داخلنا لا إلى خطايا الآخَرين، فنَقْتَني الرَّحمة والمصالحة والمسامحة، ونطلب المغفرة بشعورٍ حقيقيّ أنَّنا “أوّل الخطأة” (1 تي 1: 15).
مَنْ أدركَ هذا الجهاد، حمل صليبه وسار وراء المسيح في الطَّريق، الَّذي هو الحَقّ والحياة (يو 14: 6)، ذاك الطَّريق الَّذي يقودنا إلى الآب.
ومن له أذنان للسَّمع، فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما