Menu Close

نشرة كنيستي- أحد الفرّيسيّ والعشّار (تقدمة عيد الدُّخول)- العدد 5

الأحد 01 شباط 2026

كلمة الرّاعي 

التَّكريس لله

“لأجلهم أقدِّس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحَقّ” (يو 17: 19)

في الثَّاني من شباط تعيّد الكنيسة المقدَّسة لعيد دخول السَّيِّد إلى الهيكل (راجع لوقا 2: 22-40). فبعد ولادة يسوع، وفقًا للشَّريعة اليهوديَّة، كان على العائلة تقديم الطّفل إلى الله في الهيكل بعد 40 يومًا من الولادة (حسب شريعة التَّطهير في سِفر اللَّاويِّين (12: 2-8). في الهيكل، قابله الشَّيخ الصَّالح سمعان الَّذي كان ينتظر “تعزية إسرائيل”، وأعلن أنَّ يسوع هو المسيح المنتظَر. كما قابلت مريم ويوسف، أيضًا، النَّبيّة حنَّة الَّتي كانت تخدم في الهيكل وتبشِّر بقدُوم المسيح. كانت الشَّريعة تحدِّد أن يؤتى “بِخَرُوفٍ حَوْلِيٍّ مُحْرَقَةً، وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ”، ولكن “إِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهَا كِفَايَةً لِشَاةٍ تَأْخُذُ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، الْوَاحِدَ مُحْرَقَةً، وَالآخَرَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ”. وتقول الشَّريعة أيضًا، “لِي كُلُّ فَاتِحِ رَحِمٍ، (…). كُلُّ بِكْرٍ مِنْ بَنِيكَ تَفْدِيهِ، وَلاَ يَظْهَرُوا أَمَامِي فَارِغِينَ” (خر 34: 19 – 20). المفارقة أنّ مريم ويوسف حضرا إلى الهيكل، لكن لا يذكر الإنجيليّ ماذا أحضرا معهما ممّا تأمر به الشَّريعة للتَّقدمة وللتَّطهير. فقط يذكر الإنجيليّ أنَّ الشَّريعة تطلب تقديم: “زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ”، مشيرًا بذلك إلى أنّ مريم ويوسف كانا من الفقراء…

*             *             *

واضع الشَّريعة الَّذي وُلد من مريم ووُضِع في مذود البهائم يأتي بتواضع الفقير ليتمّ الشَّريعة، لكنّه هو الغنيّ الَّذي افتقر طوعًا ليُغنينا نحن الفقراء. في الهيكل كان فرخا الحمام ينتظران واضع النَّاموس باستعداد ولكن لا ليُقدِّما ذبيحة خطيَّة، بل لينالا التَّطهير من الحمل الآتي ليُذبَح ليرفع الخطيّة عنهما وعن العالم أجمع ويحرّر البشريَّة من سلطانها ومن الموت. مريم ويوسف أحضرا الحمل الحَوْليّ ليُقدّم إلى الهيكل حملًا فصحيًّا لخلاص البشريَّة جمعاء. بحسب الشَّريعة البكر مقدَّس للرَّبّ، لكن لأنَّ الله اختار سبط لاوي ليكون مقدّسين لخدمة الهيكل لذلك طلبت الشَّريعة أن يُفدى كلّ بكر بتقدمة. قدّم مريم ويوسف إلى الهيكل النَّاموسيّ الهيكلَ الحَيّ الحقيقيّ لله الَّذي هو الهيكل الطَّاهر والنَّقيّ. الَّذي قُدِّس لله بحسب الشَّريعة صار هو المُقَدِّس للبشريّة أجمع. لقد قدَّس العليّ مسكنه بدم حمل الله المذبوح لأجل حياة العالم. هو أتى إلى الهيكل ليُقدَّس لله ويُقدِّس الهيكل الأبديَّ للرَّبّ أي الكنيسة-جسده بدمه.

التَّقديس هو التَّخصيص والتَّكريس والإفراز لله. يسوع الَّذي هو ابن الله بالطَّبيعة واللَّاهوت وابن العذراء بالجسد، تنازل أن يأتي إلى الهيكل الَّذي دُعي باسمه عليه ليجعله من جديد هيكلًا لله بعد أن جعله اليهود “مغارة لصوص” (إر 7: 11). لا بُدَّ من دمار الهيكل القديم بسبب إظلام اليهود (راجع إر 7: 1 – 14) وحتَّى يقوم الهيكل الجديد، وهذا ما حصل مع يسوع-هيكل الرَّبّ الَّذي “نقضه” اليهود على الصَّليب وأعاد الرَّبُّ بناءه وتشييده (راجع يو 2: 19) هيكلًا أبديًّا غير قابل للدَّمار في ما بعد…

*             *             *

يا أحبَّة، يسوع دخل الهيكل طفلًا ذي أربعين يوما ليُقَدَّس لله بدم نفسه، فصار هو هيكل الله الَّذي يُقدِّس الخليقة الَّتي جمعها في هيكل جسده ووحَّدها بالألوهة الَّتي لأقنومه، حتّى يُقَدِّم لله “مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً” (خر 19: 6؛ راجع 1 بط 2: 9). كلّنا في يسوع صرنا مقدَّسين لله وعلينا أن نتبعه في تقديسه لذاته. يسوع قدَّس ذاته في طاعته لله “حتّى الموت موت الصَّليب” (في 2: 8)، ونحن لنكون مثله مُقدَّسين للرَّبِّ علينا أن نحمل صليبنا وراءه ونكرِّس حياتنا لطاعة “الكلمة”. هذا يعني أنّنا مفروزون لله ومنه لإتمام مشيئته وإرادته، وأمّا إرادته فهي قداستنا (راجع 1 تس 4: 3) أي طهارتنا وحرِّيّتنا ومحبَّتنا لبعضنا البعض كما أحبّنا هو…

كُلّنا الَّذين اعتمدنا للمسيح قُدِّسنا لله وفُرزنا وخُصّصنا له، لكنَّ هذا التَّقديس يبقى إمكانيّة طالما لم نختر أن يكون الله “الكلّ في الكلّ” (1 كو 15: 28) في حياتنا، وهو الواحد بروحه الواحد يصنع فينا وبنا كلّ أعماله من كَلاَمِ حِكْمَةٍ، أو كَلاَمِ عِلْمٍ، أو إِيمَانٍ أو مَوَاهِبُ شِفَاءٍ، أو عَمَلِ قُوَّاتٍ، أو نُبُوَّةٍ، أو تَمْيِيزِ الأَرْوَاحِ … “وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ” (1 كو 12: 11). لاقتناء مواهب الرُّوح لا بُدَّ من بذل الدَّمّ أي حمل صليب الطَّاعة للكلمة الإلهيَّة وسلوك درب التَّوبة بالدُّموع وتغيير الفكر والحياة فتصير حياتنا تقدمة حيَّة وذبيحة يوميَّة على مذبح محبَّة الله ومحبَّة القريب حتّى يتمجَّد الله فينا وفي مَنْ نُحِبّ إذْ نتعلَّم تقديس ذاتنا لأجلهم كما قدّس هو ذاته لأجلنا…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة