Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (10) بعد العنصرة- العدد 33

الأحد 17 آب 2025

كلمة الرّاعي

الأبوّة في المسيح… الأبوّة الرُّوحيّة…

“لِأَنَّهُ وَلَوْ كَانَ لَكُمْ رُبْوَةٌ مِنَ الـمُرْشِدِينَ فِي الـمَسِيحِ، لَيْسَ لَكُمْ آَبَاءٌ كَثِيرُونَ، لِأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الـمَسِيحِ یَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” (1 كو 4: 15)

الإرشاد الرُّوحيّ للمؤمنين حاجة وضرورة، وهو يُمارَس عبر الوَعظ والتَّعليم. أمَّا الأبوَّة الرُّوحيّة، فهي امتدادٌ حَيّ لعمل المسيح الرَّاعي الصَّالح في كنيسته، حيث يلتقي المؤمن بأبٍ في المسيح يرافقه في مسيرة التَّوْبة والنُّموّ الرُّوحيّ، ويَلِده ولادةً جديدة، ويُدخِله في سِرِّ الخليقة الجديدة بالمسيح يسوع الرَّبّ.

وبحسب تعليم الرَّسُول بولس (أنظر 1 كورنثوس 4: 15) يظهر أنَّ الأبوَّة الرُّوحيَّة ليست مجرّد إرشاد، بل هي ولادة جديدة في المسيح بالإنجيل، أي بكلمة الله وبالبشرى السَّارَّة أنَّ الموت قد أُبيد، والخطيئة غُلِبت، وإبليس قُهر إلى الأبد، وأنَّ الخليقة الجديدة قد استُعلِنَت بالرَّبِّ يسوع المسيح القائم من بين الأموات، الَّذي صعد إلى السَّماوات وجلس عن يمين الآب. وهذا كلّه يشترك فيه المؤمنون في المسيح بنعمة الرُّوح المعزّي الَّذي يُرسله الآب دائمًا على كنيسته في الأسرار المقدّسة.

الإنسان يحتاج إلى إرشادٍ ممَّن يملك خبرة أعمق منه، وهذه الخبرة لا تُكتسَب إلَّا عبر التَّجارب الشَّخصيَّة، ومعايشة الحياة مع الله، ومواجهة الشِّرير والأهواء والشَّهوات، من جهة؛ ومن جهةٍ أخرى، من خلال نعمة الله، وتعلُّم الكلمة الإلهيَّة، ومعرفة عقائد الإيمان. فلا إرشاد صحيح مِنْ دون إيمانٍ صحيح، أي مِنْ دون عقيدةٍ قَويمَة مستقيمة الرَّأي.

مِن هنا، ينبغي أنْ يكون المرشِد مُختبَرًا، أي صاحب معرفة عمَلِيَّة مُعاشَة لكلمة الله. أمّا الأب الرُّوحيّ، أو الأب في المسيح، فهو المُستنير الَّذي تطهّر قلبه وفكره وذهنه وكيانه بالتَّوبة، حتّى صار شفّافًا لنعمة الله، الَّتي تتجلّى فيه نورًا يضيء للآخرين.

*             *             *

يعلّمنا آباء الكنيسة، وفي طليعتهم القدِّيس يوحنّا الذَّهبيّ الفَم والقدِّيس غريغوريوس بالاماس، أنّ الأب الرُّوحيّ يَلِدُ النُّفوس للمسيح ولادةً سِرِّيَّةً روحيَّة، ويُغذّيها بِلَبَن كلمة الحَقّ، ويرشدها إلى التَّوبة الصَّادِقَة لا بِبَلاغَةِ اللِّسان فحسب، بل بقداسة الحياة الَّتي تشهد لما يعلّم.

فالأبوّة الرُّوحيّة، في جوهرها، هي شَرِكَة حَيَّة في المسيح، وعلاقة محبَّة أبوِيَّة وبَنَوِيَّة، لا سلطة استعلاء ولا تسلُّط. وأساسها التَّمييز الرُّوحيّ الَّذي يُعين المؤمن على الإصغاء العميق لصوت الله. وهي تُعاش بحمل الأب الرُّوحيّ أبناءه في قلبه، رافعًا إيّاهم أمام العرش الإلهيّ بالصَّلاة الحارّة والتَّضرُّع، وببذل الذَّات حتَّى يصير هو نفسه خبز حياة في المسيح يقدّمه لأبنائه، فيأكلون وينمون في معرفة الله والقداسة.

وهذا البذل يتجلّى في ما عبّر عنه الرَّسُول بولس بقوله: «فإنِّي أنا الآن أُسكَب سكيبًا» (٢ تي ٤: ٦)؛ إذ يصير الأب الرُّوحيّ سكيبًا حياتيًّا، يقدِّم حياته بأسرها لله من أجل أبنائه، كتقدمةٍ نهائيَّةٍ لا رُجوع عنها، واتِّحادٍ كامِلٍ لشهادة حياته بذبيحة المسيح. وكما كان السَّكيب في العهد القديم يُراق بجانب الذَّبيحة العظمى على المذبح (عدد ٢٨: ٧؛ يوئيل ١: ٩)، رمزًا للشُّكر والوَلاء، هكذا تصير حياة الأب الرُّوحيّ سكيب حُبٍّ وشكرٍ في بناء المولودين للرَّبِّ بكلمة الإنجيل ونعمة الرُّوح القدس.

*             *             *

يا أحبَّة، في زمن تعدَّدتْ فيه الأصوات الَّتي تُحارِبُ الإيمان الحَقّ وتدفع بالإنسان نحو حياة تتناقض مع حقيقته الأنطولوجيّة، وفي عالم ازدادت فيه التجارب والصُّعوبات في عيش الإيمان والسَّعي إلى القداسة، يبقى الأب الرُّوحيّ الباني الأمين للنُّفوس في المسيح الَّذي يُعيد النَّفْس إلى حضن الكنيسة ويقودها نحو القداسة. فالأبوَّة الرُّوحيّة في تقليد الكنيسة ليست ترفًا روحيًّا أو خدمةً ثانويَّة، بل هي دعوة إلهيَّة ورسالة خلاصيَّة، تواصل عمل المسيح الرَّاعي الصَّالح في وسط شعبه. فهي الضَّمانة أن يبقى الإيمان حيًّا، والنِّعمة فاعلة، والنُّفوس ثابتة في شركة القدِّيسين.

الأب الرُّوحيّ الحقيقيّ هو الَّذي يستهلك ذاته ليحيا أولاده في المسيح، ويصير معهم ولأجلهم أيقونةَ حُبٍّ لله الحَيّ، يفرح بنجاحهم الرُّوحيّ أكثر من فرحه بخلاص نفسه، ويحسب كلَّ جهدٍ وعناء سكيبَ شكرٍ وعبادة على مذبح الرَّبّ.

فطوبى للنَّفْس الَّتي تقتني أبًا في المسيح، يرشدها بتمييز، ويحتضنها بمحبَّةٍ، ويقودها نحو الحياة الجديدة، ويلدها بكلمة الإنجيل حتَّى تدخل — مع جميع القدِّيسين — فرح العريس في ملكوته الأبديّ، حيث يكتمل معنى الأبوَّة والبُنوَّة في حضن الآب السَّماويّ، الَّذي منه تُسمّى كلّ أبوَّة في السَّماوات وعلى الأرض.

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة