Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد العنصرة – العدد 29

20 تمّوز 2025

كلمة الرّاعي 

إيليَّا النَّبيّ: الإيمان النَّاريّ

“قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ…” (1 مل 19: 10)

النَّبيّ إيليّا الغيُّور، كما يدلُّ لقبه عليه، امتاز بغيْرَته على ما لله أي بتألّمه من تَرْكِ شعبه لعبادة الله واتِّباعِهم البَعل. هذه خيانة للرَّبّ. هذا كان يُحرِقُهُ من الدَّاخل بسبب حُبِّهِ لله وأمانته له، وما هذه النَّار الَّتي في داخله إلَّا صورة عن النَّار الإلهيَّة الَّتي نزلتْ وأحرَقتْ “وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالْحَطَبَ وَالْحِجَارَةَ وَالتُّرَابَ، وَلَحَسَتِ الْمِيَاهَ الَّتي فِي الْقَنَاةِ” (1 مل 18: 38)، هذه هي نار الحُبّ الإلهيّ الَّتي تُحرق أشواك الأهواء وحجارة الأصنام الَّتي في قلب المؤمن. إيليّا تميَّز بهذا الحبّ النَّاريّ لله الَّذي جعله لا يقبل ولا بِذَرَّةِ انحرافٍ عن الإيمان بالإله الحَيّ الَّذي كان يعبده ويعرفه، وهذا كان اعتراف إيليّا الإيمانيّ الدَّائم “حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذي وَقَفْتُ أَمَامَهُ” (1 مل 17: 1).

*             *             *

إيمان إيليَّا كان اِنْدِفاعيًّا ونبوَّتَه كانت في مُواجهةِ أسياد هذا العالم، آخاب الملك وزوجته إيزابيل، لكنَّه لم يَخَفْ بل واجَهَهُم دون تراجُع، لكنَّه حين انتشى بانتصاره وقتل كهنة البَعْل دَخَلَهُ الخوف إذْ ارتعب من تهديدات إيزابيل، فهرب… فقط بقوّة الله نغلب وننتصر، ولكن حين نفقدها بسبب هنّة كبرياءٍ نصير لا حَوْلَ لنا ولا قُوَّة. روحُ الرَّبّ لا يَسكُن في القلوب المتكَبِّرة أو الدَّيّانة والقاسية وهو يَهرب سريعًا ويترك الإنسان عند مَيَلَانِ هذا الأخير إلى هذه الأهواء. لكنَّ، الرَّبّ لا يُهمل أحبّته بل يستردّهم سريعًا إذا أدركوا ضعفهم، وهكذا كشف الرَّبُّ نفسه لإيليّا لا بعناصر القوّة، الرِّيح والزَّلْزَلَة والنَّار بل بقوّة الحنان والرِّفق والسَّلام في النَّسيم العَليل (راجع 1 مل 19: 11 – 13). الرَّبُّ هو إلهُ الرَّحمة والخلاص وليس إله القتل والبَطْش، هو كَرَّمَ الإنسان بصورته وخلقه ليصير مثله أي أن يتقدَّس، لكنّ البشر، كما نرى في هذه الأيَّام الَّتي تُحيطنا فيها الحروب والقتل والإجرام، يعبد النَّاس إلهًا شيطانًا يدفعهم إلى التَّنكيل بالأبرياء والعُزَّل وهدر الدِّماء والأعراض باسمه. ليس هذا إله إيليَّا، إنّه إله العالم، إنَّه الشَّيطان الَّذي يعبدونه مَخْدُوعين ويتبعونه ظانِّين أنَّه الخالق، هذه الخديعة الكبرى للماكِرِ وأبو الكذب إبليس الَّذي صار له اتباع كثيرون مثل عبدة البَعْل الَّذين تَحَدَّاهُم إيليَّا وكشف لهم الله من خلال إيمان نبيّه ضلالتهم. عالم اليوم هو تحت سلطان إبليس… لكن ليس كلّه…

*             *             *

يا أحبّة، دَيْدَن المؤمن بالرَّبِّ يسوع تسبيحه لله قائلًا: “بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ أَعْمَالِهِ، فِي كُلِّ مَوَاضِعِ سِيَادَتِهِ. بَارِكِي يَا نَفْسِيَ الرَّبَّ” (مز 103: 22)، وهو مُدرِكٌ أنَّه حيث يكون المسيح فهناك الحَقّ والسَّلام والرَّحمة، ولذا صار حُضورُ الإنسان المسيحيّ المؤمن حضورًا للمسيح وبثًّا للحَقّ والسَّلام والرَّحمة. الكنيسة هي جسد الرَّبّ، وكلٌّ منَّا عضو في هذا الجسد، وتاليًا كلُّنا كجماعَةٍ وكأفراد مدعوُّون لنكون مطرحًا لسيادة الله أي مكانًا تكون فيه مشيئة الله محقَّقَة ومُطاعَة وفاعِلة ومُثمرة، وهكذا الرَّبُّ بنا يريد أن يجعل العالم مكانًا أفضل لأنّنا امتداد حضوره السّرّي أو الأسراريّ في هذا العالم. نحتاج أن تكون لنا غيرةَ إيليَّا وحرارة إيمانه الَّتي تُحرِق فينا كلّ أدران الخطيئة وأشواك الأهواء مُطَهِّرةً قلوبَنا وضمائرَنا من كلِّ شبهِ شرٍّ لِنَصير حاملينَ نورَ المسيح إلى هذا العالم التَّائه والمتألِّم والمُستَلَب من إبليس وأتباعه بوسائل متعدِّدَة ومتنوِّعة من التَّرهيب إلى التَّرغيب… حين نعرف ضعفنا ونلمس محبَّةَ الله وحنانِهِ علينا ورحمته، حينها نستطيع كإيليَّا أن نصير شهودًا للحَقِّ من دونِ خوفٍ حتَّى وَلَوْ كانت حياتنا على المِحَكّ، وأن نُحدِث تغييرًا في هذا العالم بقوّة المحبَّة الإلهيَّة النَّاريَّة في قلوبنا… فلنتمسَّك بالإيمان بالرَّبِّ، ولنتَّحِد، ولنتعاون ونتشارك لِنَصير واحدًا بالقلب والقَوْل والفِعل، فتصير صلاتَنا فاعلةً ومُحَقَّقةً ومستجابةً كصلاةِ إيليَّا لأجل سلام العالم وحُسْنِ ثَباتِ كنائس الله المقدَّسة واتّحاد الجميع ونجاتنا من كُلِّ حزنٍ وخِزيٍ وضَرَرٍ وشِدَّةٍ ومن الحروب الأهليَّة والموت الفُجائيّ وهُجوم القبائل الغريبة…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة