Menu Close

نشرة كنيتسي- الأحد (2) بعد العنصرة- العدد 25

22 حزيران 2025

كلمة الرّاعي 

أنطاكية والقداسة المستمرَّة

” ودُعَيَ التَّلامِيذُ مَسيحيِّين في أنطاكِيَةَ أَوَّلًا” (أع 11: 26)

القداسة ليست حكرًا على فئة من النّاس أو على زمن معيَّن، هي دعوة الإنسان في كلّ الأزمنة والأماكن. مع ذلك، وعلى مَرِّ التَّاريخ، تطبع وجوهٌ قداسةَ بعض الأماكن والأزمنة دون أن تَستنفدها أو تَحُدّها، ومن هنا لأنطاكية منذ بدء انتشار المسيحيّة مكانة خاصَّة في التَّعبير عن قداسة الله من خلال كنيسته أي شعب الله والقدِّيسين الَّذي أثمرتهم، الَّذين هم جسد المسيح، إذ فيها دُعي أتباع يسوع المسيح “مسيحيِّين” أوَّلًا. وهذه الصِّفة ليست مجرَّد إلصاق اسم بجماعة بل هي هويّة هذه الجماعة. المسيحيّون هم المسيح الحاضر في العالم بقوّة روحه القدّوس الفاعل من خلال الَّذي تُسُمُّوا على اسمه.

للقداسة أساليب متعدِّدة لكنَّ الطَّريق واحد وهو طاعة المسيح والانفتاح الكيانيّ على روحه القدُّوس الَّذي يقود الإنسان في مسيرة الشَّهادة والاستشهاد هذه. لا قداسة بدون شهادة، ولا شهادة بدون تجارب، ولا غلبة بدون إيمان، ولا إيمان بدون تسليم، ولا تسليم بدون محبّة لله، ولا محبّة لله بدون طاعة يسوع المسيح وحفظ وصاياه… من هنا، البعض تقدَّسوا بموت الاستشهاد والبعض الآخر بالشَّهادة البيضاء والنُّسك، وغيرهم بواسطة الخدمة وآخرون من خلال رعاية شعب الله، وهذه كلّها لا تقوم بدون توبة وصلاة وصوم.

*             *             *

بطرس وبولس أسَّسا الكنيسة في أنطاكية، برنابا كان له دور كبير أيضًا في نشر المسيحيّة فيها بين الأمم، ومن تراثها الإيمانيّ والثَّقافيّ والفلسفيّ والنُّسكيّ خرج كثير من القدِّيسين والقدِّيسات منهم القدِّيسون أغناطيوس الأنطاكيّ والذَّهبيّ الفم وأفرام وإسحق السُّوريَّين وشربل الرَّهاوي ومارون النَّاسِك وسمعان العاموديّ وكيرا ومارانا ورومانوس المرَنِّم ويوحنَّا الدِّمشقيّ والشَّهيد الجديد إيليَّا البعلبكيّ واللَّائحة تطول. وفي أيَّام المماليك والصَّليبيِّين والعثمانيِّين كثيرون استشهدوا لأجل المحافظة على الإيمان القويم كالقدِّيسين يعقوب الحماطوريّ ورزق الله بن نبع اللَّذَيْن استشهدا في طرابلس والقدِّيس يوسف الدِّمشقيّ، القدِّيس رفائيل (هواويني) أسقف بروكلين ومؤخَّرًا أعلن المجمع المقدَّس قداسة الشَّهيدَيْن في الكهنة نقولا وحبيب خشّة… القداسة لم تتوقَّف يومًا في أنطاكية واليوم، أيضًا، لدينا الكثير من القامات الرُّوحيَّة، الَّتي مرَّت من قرنين أو ثلاثة إلى أيَّامنا هذه، هي مشاريع قداسة…

في كلّ الأحوال، لا نستطيع أن نُحيط إحاطةً تامَّةً بجميع القدِّيسين الَّذين تقدَّسوا في كرسيّنا الأنطاكيّ المقدَّس، لذلك، نُعَيِّد في الأحد الثَّاني بعد العنصرة لجميع القدِّيسين الأنطاكيِّين المعروفين منهم وغير المعروفين لكي نتشدَّد بهذه الذِّكرى ونتذكَّر بأنّنا كلّنا مدعوُّون إلى القداسة، إذ نقبل على المناولة المقدَّسة بعد أن نسمع الكاهن يعلن بأنّ “القدسات للقدِّيسين”، الَّذين يجب أن نكون نحن منهم لأنّ شركة جسد المسيح هي شركة القدِّيسين وأبناء بيت الله وورثة موعده…

*             *             *

يا أحِبَّة، نحن أبناءُ كنيسةٍ تحمل تراثًا غير محدود من القداسة والبشارة والشَّهادة لاسم الرَّبّ القدُّوس، ونحن سُلالَة يسوع المسيح الَّتي تَجَلَّتْ في هؤلاء القدِّيسين الَّذين لمَعوا ونبغوا على مَرِّ السِّنين، وعلينا أنْ نكون حاملين لهذا التُّراث الرُّوحيّ مِنَ القَدَاسة وشاهدين له بمحبّتنا ليسوع المسيح وطاعتنا لكلمته وخدمتنا لكِرَازَتِه، كلٌّ من الموقع الَّذي هو فيه وبحسب موهبة النِّعْمَة المُعطاة له: “أَنُبُوَّةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِيمَانِ، أَمْ خِدْمَةٌ فَفِي الْخِدْمَةِ، أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ،أَمِ الْوَاعِظُ فَفِي الْوَعْظِ، الْمُعْطِي فَبِسَخَاءٍ، الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ، الرَّاحِمُ فَبِسُرُورٍ…” (راجع رو 12). القدَاسة هي عَيْش خدمة النِّعْمَة الَّتي تُعطينا أوَّلًا أن نتوب ونعود إلى الله لكيما بخبرة تجديدنا بقوَّته نخبر بفضائل الَّذي دعانا إلى “مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ” (1 بط 2: 9)، هو الَّذي يفتقد مَنْ هم في “الظُّلمة وظِلال الموْت” (لو 1: 79). علينا أن نقدِّر سرّ النِّعْمَة الفاعل في كنيستنا الَّتي عاشت على مَرِّ القرون شهادة ممزوجة بالدَّم والنُّور وما زالت وهي باقية شهادة حبٍّ للَّذي سفك دمه على الصَّليب حبًّا بخليقته لينتشلها من براثن الموت والخطيئة وإبليس. اليوم، نحن مدعوُّون أن نتمسَّك بالإيمان مُتَحَدِّين الشَّدائد ومتحَمِّلينها بقوَّة إيماننا واتِّكالنا على الرَّبّ ورحمته وشفاعة قدِّيسيه، لكي بنوره المتساقط علينا والسَّاكن في أنقياء القلوب يستنير عالمنا بنورٍ جديد ليس من هذا العالم بل هو نور “الخليقة الجديدة” الَّتي بيسوع المسيح، نور الحبّ والفرح والسَّلام الَّذين يفتقدهم العالم والَّذين لن يجدهم إلَّا في يسوع وفي كنيسته المقدَّسة حيث الحَقّ والحقيقة تُستَعلن في القدِّيسين… الَّذين كلُّ واحدٍ منّا مَدعُوّ، اليوم، أن يكون واحدًا منهم في كنيسة أنطاكية وفي هذا الشَّرق والعالم أجمع… لكي يرى العالم مجدَّدًا أنّ “المسيحيِّين” في أنطاكية هم خميرة قداسةٍ وبِرٍّ وشهادة للإله المحبّ البشر له المجد إلى الأبد… آمين.

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة