نشرة كنيستي- الأحد (17) بعد العنصرة- العدد 40
05 تشرين الأوَّل 2025
كلمة الرّاعي
أحِبُّوا أعداءكم لكي تصيروا أبناء العليّ
نحن، بعامّةٍ، كثيرًا ما نشعر بالرَّاحة عندما نُعامل الآخَرين كما يُعاملوننا، فنرُدّ المحبَّة بالمحبَّة، والإساءة بالإساءة. لكنَّ المسيح، الَّذي أحبَّنا حتَّى الصَّليب، يدعونا أن نرتقي إلى ما هو أسمى: أن نحبَّ كما يحبّ الله، بلا شروط ولا حدود. إنجيل هذا الأحد يضع أمامنا طريقًا صعبًا للإنسان الطَّبيعيّ، لكنَّه مليء بالنِّعْمَة لمن يثق بالرَّبّ: طريق محبَّة الأعداء والرَّحمة غير المحدودة.
في إنجيل هذا الأحد (لوقا 6: 31–36) يكشف لنا الرَّبُّ يسوع سرَّ الحياة المسيحيَّة: أن نرتفع فوق مقاييس البشر الضَّيِّقة والمحدودة في التَّعامُل مع بعضنا البعض، لندخل في رَحابَة محبّةِ الله اللَّانهائيَّة.
المبدأ البشريّ المنطقيّ عند إنسان هذا العالم هو: “أحبّ مَن يحبّني، وأحسن إلى مَن يُحسن إليّ”، لكنَّ الوَصيَّة الإلهيَّة تطلب ما هو غير منطقيّ لمنطق العالم وما هو أسمى: أن نُحبَّ الأعداء، أن نصنع الخير لمن يُسيء إلينا، أن نُعطي دون أن ننتظر شيئًا في المقابل. هنا يظهر وجه الإنجيل الجديد وجدَّة الحياة الَّتي يدعونا إليها الرَّبُّ والاختلاف مع منطق العالم، إنّه وجه الأبديَّة في هذا الدَّهر…
* * *
يضع لنا الرَّبُّ يسوع في إنجيل اليوم قاعدةً ذهبيَّةً للتَّعامُل فيما بين البشر، وهي: “كما تريدون أن يفعل النَّاس بكم، كذلك افعلوا أنتم بهم”. هذه القاعدة ليست مُجرَّد نصيحة اجتماعيَّة أو حكمة أخلاقيَّة، بل هي قاعدة سماويَّة أي هي تُعاش بقوَّةِ النِّعْمَة الإلهيَّة. القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم يفسِّر ذلك قائلًا: “إنْ أردت أن تُعامَل بالوِدِّ والرَّحمَة، فبادر أنتَ أوَّلًا بذلك، ولا تنتظِر الآخَرين”. فالمسيحيّ ليس متلقِّيًا سلبيًّا للمحبَّة، بل مُبادِرًا بها، ليعكس حضور الله في العالم.
هذه المحبَّة الَّتي يدعونا إليها الرَّبُّ تتجاوز ردّ الجميل في مفهوم النَّاس وهي مختلفة عن اللَّباقة واللَّياقة في التَّعامُل، هي ليست أمرًا اجتماعيًّا بل تعبير عن حقيقة كيانيّة مختلفة تُعاش بروح الله. المسيح يذكّرنا بأنّه حتَّى الخطأة يعرفون كيف يحبُّون من يحبّهم، ويُحسنون إلى من يُحسن إليهم. لكنَّ المسيحيّ مَدعو إلى ما هو أبعد من المحبَّة البشريَّة الطَّبيعيَّة، إنَّها محبَّة إلهيَّة تُعطى لنا حين نتوب وتكشفها كلمة المسيح: “أحبُّوا أعداءكم وأحسنوا وأقرضوا غير مؤمِّلين شيئًا”. القدِّيس باسيليوس الكبير يوضِح: “مَن يُعطي ليأخذ مقابلًا، ليس كريمًا بل تاجرًا. أمَّا الَّذي يُعطي دون انتظار، فهذا يشبه الله الَّذي يغدق خيره على غير الشَّاكرين”. المسيحيّ مَدعو إلى تحوِّل القلب من قلبٍ مقيَّد بالأهواء والشَّهوات الَّتي تُعيق انطلاقه نحو الآخَر وامتداده الكيانيّ نحوه إلى قلب حُرٍّ من كلّ تعلُّقٍ وقلب مضحٍّ أي مُفرغ من الأنا، وليس إلى “كرم الأخلاق” والحسابات البشريَّة. وهذا الحبّ المعطاء لا يُقاس بما في اليد، بل بما في القلب من نقاوة…
* * *
يدعونا يسوع في هذا الإنجيل ليس فقط إلى الانتصار على الكراهية بل إلى تغيير طبيعتنا. الحبّ للأعداء ليس سهلًا، بل هو صراعٌ روحيّ داخليّ طالما الأهواء معشِّشة في القلب. القدِّيس أنطونيوس الكبير يعلِّمنا أنَّ “العدوَّ الحقيقيّ للإنسان ليس من يظلمه، بل روح الحقد الَّذي يزرعه الشَّيطان في قلبه. إنْ غلبت هذا الرُّوح بالمحبَّة، فقد غلبتَ العالم”. فالحبّ هنا ليس ضعفًا، بل قوَّة جبَّارَة تنتصر على الشَّرِّ لأنَّه ثمرة النِّعْمَة في قلب الإنسان. من يُحبّ عدوَّه يكسر دائرة الانتقام والكراهية، ويفتح مجالًا لعمل النِّعْمَة ويَصير حُرًّا، أي تتجلَّى صورة الله فيه ناصعةً مُشرقة… ولذلك، يختم الرَّبُّ بالقَوْل: “كونوا رُحماء كما أنَّ أباكم هو رحيم”، لأنَّ الرَّحمة ليست عملاً إضافيًّا نختاره أو نتركه، بل هي علامة البنُوَّة لله، وتجسيدٍ لصورته فينا حياةً جديدة…
القدِّيس سلوان الآثوسيّ يُوضح ذلك بقَوْلِه: “إنْ لم تحبَّ أعداءك، فلن تعرف المسيح. لأنَّ المسيح محبَّة، ومِن الرُّوح القدس تُعطى معرفة الله. والرُّوح لا يَسكن في قلب يحمل الكراهيَّة”. إذًا، محبَّة الأعداء ليست فضيلة أخلاقيَّة، بل هي العلامة بأنّ الإنسان وجد الطَّريق إلى معرفة الله والاتِّحاد به.
* * *
يا أحبَّة، المسيح لا يطلب منَّا ما هو مستحيلٌ علينا بقوَّتنا البشريَّة، بل ما هو ممكن بنعمته علينا. هو نفسه أحبّ أعداءه وغفر لصالبيه قائلًا: “يا أبتاه، اغفر لهم”. ومن خِلال اتِّحاده بنا واتِّحادنا فيه بالإفخارستيَّا، يسكب في قلوبنا قوَّة روحه القدُّوس لنُحِبَّ كما أحَبَّ هو. نحن بقوَّتنا لا نستطيع أن نُطيع كلمته ونُحقّقها، فقط بروحه القُدُّوس يكتمل عمل مشيئتنا بطاعته، ونحقّق دعوتنا وحياتنا وتألّهنا بحسب مشيئته، ونَدخُلُ الخليقة الجديدة الَّتي هي حقيقة الدَّهر الآتي، ونُدخلها إلى هذا العالم بقعةَ نورٍ من ملكوت الله تصير سِرَّ رجاءٍ يسأل عنه أبناء هذا الدَّهر فينا…
لنُصَلِّ مع القدِّيس سلوان: “يا ربّ، علِّمني أنْ أحِبَّ أعدائي، لأن هذه هي العلامة الأكيدة أنَّ روحَكَ القدُّوس في داخلي”. حينئذٍ، نصبح حقًّا أبناء العَلِيّ، أبناء الرَّحْمَة والمحبَّة، أبناء النُّور.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما