Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد العنصرة (آباء المجمع المسكونيّ الرّابع)- العدد 28

13 تمّوز 2025

كلمة الرّاعي 

آباء المجمع المسكونيّ الرَّابع: نور الإيمان

” فليُضِئ نورُكم قُدَّام النَّاس لِيَرَوْا أعمالَكم الصَّالحة ويُمَجِّدوا أباكم الَّذي في السَّماوات” (مت 5: 16)

في العالم حرب قائمة بين الحَقِّ والباطل، بين النُّور والظُّلمة، بين الخير والشَّرّ… هذه الحرب ليست بين مفاهيمٍ وأفكارٍ وفلسفات بل بين أشخاصٍ مؤمنون بالحَقِّ والنُّور والخير وآخَرين هم في الباطل والظُّلمة والشَّرّ. هذه المفاهيم ليست قائمة بذاتها أو هي مبادئ موجودة في عالم مُثُلٍ بل هي صفات أشخاص يجسِّدونها، فلا وجود للحَقِّ أو النُّور أو الخير إلَّا في الله لأنَّ هذه هي من صفاته، وكذلك لا وجود للباطل والظُّلمة والشَّرِّ إلَّا مِنْ خِلال إبليس ومن يتبعونه. المفاهيم الفلسفيَّة لا قيمة لها بدون من يطبِّقها، وكذلك فلا وُجود للشَّرّ والظُّلمة والباطل إلَّا في الَّذين يسلكون فيهم. الصَّلاح مِنْ صفات الله والطَّلاح من صفات الشَّيطان، وهنا نحن لا نضع الشَّيطان بإزاء الله فهو مخلوق لكنَّه يوسوس للإنسان لكي يفسده، أمَّا الله فهو الحياة ومصدر كلّ فرح لأنّه محبَّة، وتاليًا صفات الله تعبّر عنه ولا يمكننا أن نفصلها عن كينونته فهي التَّعبير عن سرِّه ونحن نعرفها بقدر ما نعرفه وبحسب ما يكشف لنا في خبراتنا معه عبر الصَّلاة والتَّأمُّل وعيش كلمته بنعمة روحه القدُّوس.

*             *             *

“مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟” (مت 7: 16)، هكذا يُعرف البشر من ثمارهم، فمن كانت ثماره صالحة بحسب كلمة الله فهذا من الله، ومن كانت ثماره فاسدة بحسب فحص كلمة الله فهو ضدّ الله. حياتنا عبارة عن حرب روحِيَّة تدور رحاها في القلب بين مشيئة الله الصَّالحة ووسوسات الشِّرّير وأهوائنا وشهواتنا الفاسدة، وفي هذه الحرب لا نستطيع أن نغلب إلَّا بالتَّواضع كما يعلّمنا القدِّيس أنطونيوس الكبير: “رأيت كلّ فخاخ العدوّ ممدودةً على الأرض، فقلت متنهّدًا: ترى من ينجو منها؟ فسمعت للحال صوتًا يقول: التَّواضع”. بالتَّواضع يقتني الإنسان فضيلة التَّمييز الَّتي من دونها لا يستطيع أن يسلك في الطَّريق دون أن يتأذّى من السَّقطات أو مِنْ شبه البِرّ، وفي هذا يعلِّمنا القدِّيس أنطونيوس الكبير أيضًا: “ثمّة أناس أفنَوا أجسادهم بالنُّسْك، لكنّهم ظلّوا بَعيدين عن الله لكونهم لم يقتنوا فضيلة التَّمييز”. فالشَّيطان يهاجم المجاهد الرُّوحيّ عن اليمين وعن اليسار لأنَّه إن لم يوقعه في التّهاون يوقعه في التَّشدُّد، كلاهما عمًى للبصيرة والقلب لأنّ المتحكِّم في الإنسان يكون مشاعره وعواطفه الَّتي هي المصيدة لدماره، فالمشاعر كاذبة ولا يُتَّكلُ عليها في الحياة الرُّوحيَّة الأصيلة لأنَّ تعزية الرُّوح القُدس وزيارة النِّعْمَة تختلف بطبيعتها عن حركة المشاعر الإنسانيَّة الَّتي تزول بسهولة وتتغيَّر بينما تعزية النِّعْمَة ثابتةً لأنّ مصدرها ثابتٌ وهو الله.

*             *             *

آباء الكنيسة، بالعُموم، هم المُختَبَرون الَّذين استناروا بنور النِّعْمَة الإلهيّة بطاعتهم للوَصيَّة لأنَّهم يُحِبُّون الله (راجع يو 14: 21 و23)، أي التَزَموا كلمته حياتًا وأسلموا ذواتهم له بالكليّة. طبعًا، هي مسيرة شاقّة وكبيرة الصُّعوبة لا بل مُستَحيلة بقوَّة الإنسان، لكنَّها ممكنة ومُحقَّقة بقوّة الله. الآباء هم الَّذين اختاروا المسيح لا العالم، وهم الَّذين عرفوه بالرُّوح القدس الَّذي أنارهم بنور المعرفة الإلهيَّة فصاروا حصونًا للإيمان ومعلِّمي المسكونة. ليس كلُّ معلمٍ أبًا، فالأبوّة تفترض الإخصاب بالرُّوح القدس لولادة أبناءٍ لله في المسيح يسوع ربّنا بالكلمة (راجع 1 كو 4: 15)، وهذا يفترض أن يكون الوالد قد أفرغ نفسه (في 2: 7) لِيَصير المسيح فيه “الكلّ في الكلّ” (1 كو 15: 28). الآباء أحرار يَلِدون للمسيح أبناء أحرارًا، فالعبد لا يستطيع أن يعلّم الحُرِّيَّة أو يصفها لأنّه لم يختبرها، وهذه الحرِّيَّة في المسيح هي تحقيق صورة الله فينا بالرُّوح القُدس. هذا هو إيمان المجمع المسكونيّ الرَّابع الَّذي اختبره الآباء الَّذين أعلنوه ولذلك دافعوا عنه وأثبتوه في وجه هرطقة أوطيخا. فالمسيح ضمّ طبيعتنا البشريّة إلى أقنومه الإلهيّ بدون أن تذوب في الألوهة، إذا حافظت على كينونتها في تمايُزٍ من دون انفصال أو انقسام أو امتزاج أو اختلاط، لكنَّها صارَتْ متَّحدةً مع الطَّبيعة الإلهيَّة وتاليًا مشتركة فيما للألوهة لأنّ الأقنوم واحدٌ وهو يضمّ الطَّبيعتين، فصار كلّ ما للطبيعة البشريَّة يُنسَب لشخص الابن المتجسِّد الواحد، وكلّ ما يختصّ بالطّبيعة الإلهيَّة يُنسب إلى نفس الشَّخص من دون أن تختلط الطَّبيعتَيْن، فمثلًا يقول الرَّسول بولس: “اِحْتَرِزُوا إِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع 20: 28)، فهل لله دم وجسد، كلّا ليس للطَّبيعة الإلهيَّة الَّتي للمسيح دمًا ولكن للإنسان يسوع المسيح جسد ودم، وهذا صار ما يُسمَّى بتبادل الخصائص إذْ يمكنك أن تتكلَّم عن الخصائص الإنسانيَّة الَّتي للمسيح وأنت تتحدَّث عن أقنوم الكلمة-المسيح، كما يمكنك أن تتكلَّم عن الخصائص الإنسانيَّة وأنت تُشير إلى الكلمة-المسيح، فهو الشَّخص نفسه. نتيجة هذا علينا نحن البشر هي أنّ اتِّحادنا بيسوع المسيح عبر دخولنا في جسده-الكنيسة يمنحنا أن نشترك في ألوهيَّته بالنِّعْمَة لا بالجوهر فنقتَني حياةَ الله وصفاته ونتّحِد بها وهكذا نصير آلهةً بالنِّعْمَة أي مُشابهين لله رغم كوننا مخلوقين، وهذا هو التَّألُّه والحياة الأبديَّة وميراث ملكوت السَّماوات…

ومن له أذنان  للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة