نشرة كنيستي- الأحد (13) بعد العنصرة- العدد 35
الأحد 30 آب 2026
كلمة الرّاعي
الرُّجولة في المسيح
“اسْهَرُوا اثْبُتُوا عَلَى الإِيمَانِ، كُونُوا رِجَالًا، تَشَدَّدُوا” (1كو 16: 13)
يستصعب الإنسان الجهاد الرُّوحيّ، لأنَّ النُّموّ في الحياة الرُّوحيّة يتطلّب نظامًا وانتظامًا وتصميمًا ومثابرة واجتهادًا، إذْ روح الكسل وروح الخطيئة يُحاربان السَّاعي إلى القداسة. نعم، غاية الجهاد الرُّوحيّ هي قداستنا، والقداسة لا تُقدَّر بثمن، ومهما بذل الإنسان من غالٍ فهو لا يستطيع أن يكون قد قدَّم ما يُوازي نعمة القداسة، أي الاتِّحاد بالله واقتناء الحياة الأبديَّة.
يختصر الرَّسُول بولس طريق القداسة بهذه الآية: “اسْهَرُوا اثْبُتُوا عَلَى الإِيمَانِ، كُونُوا رِجَالًا، تَشَدَّدُوا”. فمن لا يصير رجلًا في المسيح لا يتقدَّس، أي من لا يتشبَّه بالمسيح، أو بالأحرى من لا يتصوَّر المسيح فيه (راجع غلاطية 4: 19)، لا يبلغ ملء دعوته. فالمؤمن مدعوّ إلى أن تتَّخِذ حياته صورة المسيح ذاته وتتشكَّل بحسبه، أي أن يكتمل فيه تشكُّل المسيح، وتاليًا أن ينمو حتَّى يبلغ “قياس قامة ملء المسيح” (أفسس 4: 13)، أي يصير إنسانًا كاملًا (راجع متى 5: 48). وقد لَخَّص القدِّيس إيريناوس أسقف ليون هذا السِّرّ بقوله إنَّ ابن الله “صار ما نحن هو، لكي يجعلنا ما هو عليه” (ضدَّ الهرطقات، الكتاب الخامس، المقدّمة) — فتجسُّد المسيح غايته أن يتشكَّل هو فينا لنبلغ به قامتنا الحقيقيَّة.
* * *
أربعة أفعال على المؤمن أنْ يُمارسها في حياته لينمو في حياته الرُّوحيّة ويعيش جهادها باستقامةٍ: السَّهر، الثَّبات، أنْ يكون رجلًا، وأنْ يتشدَّد.
السَّهر هو سهر اللَّيالي في الصَّلوات، كما كان الرَّبّ يسوع يفعل (راجع متى 14: 23 و17: 1؛ مرقس 6: 46 و9: 2؛ لوقا 6: 12 و9: 28). وسهر الصَّلاة، خاصَّةً في الأوقات المفصلِيَّة والدَّقيقة من حياتنا وجهادنا وتجاربنا ومشاريعنا، أمرٌ جوهريّ وأساسيّ وضروريّ، إذْ الصَّلاة تُعطينا استنارةً وحكمةً وقُوَّة. وقد عرَّف القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ، في كتابه “السُّلَّم إلى الله”، الصَّلاة بأنَّها بطبيعتها محادثة الإنسان واتِّحاده بالله (الدَّرجة 28، في الصَّلاة)، فيما توسَّع القدِّيس إسحق السُّريانيّ في كتاباته النُّسكيَّة في بيان فضل سهر اللَّيل وقوَّته الخاصَّة في الصَّلاة، بوصفه زمن هدوء يُتيح للنَّفس أن تتنقّى من الأفكار وتُواجِه الحرب الرُّوحيَّة بثبات، وتاليًا سهر الصَّلاة يمنحنا سهر اليقظة ومحاربة الأفكار الشِّرِّيرة والأهواء.
الصَّلاة لا تنمو ما لم يكن الإنسان ثابتًا على الإيمان، إذْ الشُّكوك تُضعِف صلاته وتحرمه النِّعْمَة الَّتي تعلِّمه الصَّلاة وتجعله يصلّي. ولذلك يجرّبنا الشَّيطان في حقيقة الإيمان بالله وفاعليَّة الصَّلاة، فالإنسان كثيرًا ما يصلّي ولا يحصل على النَّتيجة الَّتي يتوقّعها، وهذا مدخل تجربة الشَّيطان لنا بالشَّكِّ في وجود الله وقدرة الصَّلاة، إذْ شرط الصَّلاة الوثوق بالله والتَّسليم له. من هنا فالثَّبات على الإيمان رغم التَّجارِب والِمحَن والضِّيقات والإغراءات مسألة جوهريَّة في جهادنا الرُّوحيّ، وضعفه يسرق منَّا الثِّمار المنتَظَرَة.
مَن يَثبُت على هذا الإيمان يكون رجلًا في المسيح، لأنَّ الرَّجل هو الثَّابت الَّذي لا يتزعزع إيمانه ولا يَتوانى في الأعمال الرُّوحيَّة المطلوب إنجازها بالتَّآزُر مع النِّعْمَة الإلهيَّة، فالنِّعْمَة لا تَعْمَل مكان إرادتنا، والرَّجل في الإيمان هو الثَّابت الإرادة والفعل. وهذا ما عَناه القدِّيس إغناطيوس الأنطاكيّ، إذْ كتب إلى تلميذه بوليكربوس ناصحًا إيَّاه: “كُنْ ثابِتًا كالسِّنْدان تحت المطرقة، واعْلَم أنَّ مِن شَيْم البطل العظيم أن يتلقَّى الضَّربات الموجِعَة ثمَّ ينتصر” (الرِّسالة إلى بوليكربوس 3: 1) — فالرُّجولة الحقيقيَّة في المسيح لا تُقاس بغياب الضَّربات والتَّجارب، بل بالثَّبات في مواجهتها حتَّى النُّصرة.
أمَّا أنْ نتشدَّد، أي أنْ نتقوَّى بنعِمَةِ الله، فهذه ثمرة صلاتنا وإيماننا وإرادَتِنا الصَّلْبَة والثَّابتة في الرَّبّ. فَمَن وَحَّد في جهاده الصَّلاة بالثَّبات على الإيمان ورجولة الإرادة والفعل، تشَدَّد وتعزَّى في الرَّبّ.
* * *
يا أحِبَّة، يتوقَّع مِنَّا الرَّبُّ أنْ نَصير رجالًا في المسيح، ناضجين في الرُّوح، أحرارًا في المحبَّة، قاطعين كلمة الحَقِّ باستقامةٍ في حياتنا (راجع 2 تيموثاوس 2: 15). فبِدُون هذه الرُّؤية لعَيْشِ الإيمان، لا نستطيع أن نتقدَّس وأن نصير مُسحاء للرَّبِّ في هذا العالم. ومَسيرتنا في الصَّلاة مُرْتَبِطَة بتَوْبَتِنا لِتَطْهير قلوبنا وسيرتنا أمام أنفسنا وأمام الله، فالتَّوبة بدون الصَّلاة غير ممكنة، والصَّلاة بدون توبة عقيمة. نثبت في إيماننا على الحَقِّ حين نتطهَّر بغسل الماء بالكلمة (راجع أفسس 5: 26)، أي حين نُعاشِر الكلمة الإلهيَّة باستمرارٍ فنغتسل بكلمات الرُّوح القدس في الكتاب المقدَّس وتعليم الآباء القدِّيسين والَّتي تُطهِّر ضمائرنا وقلوبنا وتُنير دربنا إلى عيش إيماننا بالرَّبِّ يسوع المسيح الغالب الموت. وقد شرح القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم، في عظاته على هذا الموضع من الرِّسالة إلى أهل أفسس، أنَّ الكلمة المقرونة بالماء تُشير إلى الدَّعوة الإلهيَّة الَّتي تُتْلَى على الماء في سِرِّ المعموديَّة، فيصير بها الماء أداة تقديس وتطهير للنَّفس، فعشرتنا لكلمة الله هي معمودِيَّة مستمِرَّة في حياتنا.
وهذه الطَّهارة لا يمكننا أن نحقِّقها ما لم تكن إرادتنا إرادة رُجوليَّة، أي صَلْبَة ثابِتَة لا تتزعزع في طاعةِ روحِ الرَّبّ وكلمته، ثابتة في جهاد النَّفْس والجسد، لتستقرَّ فينا نعمة الرُّوح بطاعة الكلمة. فالرَّجُل الحَقّ هو الَّذي يُطيع الكلمة الإلهيَّة رُغمًا عن أهوائه وشهواته، ودون خوفٍ من التَّجارب والمِحَن. جهادنا الرُّوحيّ مسيرة طويلة، بل هو حياتنا كلّها، إذْ لا يتوقَّف الإنسان عن جهاده طالما هو في الجسد. نتعب هنا لنرتاح هناك، نبكي هنا لنفرح هناك، نقطع أنفسنا هنا عن لَذَّاتِ الإنسان الجسدانيّ لنَرْبَح هناك لذَّاتِ الإنسان الرُّوحيّ. فمن يطلب أنْ يتألَّه عليه أنْ يُفرِغ ذاتَهُ هنا مِن كلِّ هوًى، ليمتلئ قلبه كلُّه بالله. وفي هذا ما يُذكِّرنا بالصِّيغة الشَّهيرة الَّتي يُنسَب مضمونها إلى القدِّيس أثناسيوس الرَّسُوليّ، “صار كلمة الله إنسانًا لكي يصير الإنسانُ إلهًا (بالنِّعْمَة)” (تجسَّد الكلمة) — فغاية جهادنا كلّه ليست إنجازًا بشريًّا نفتخر به، بل استعدادًا لعمل النِّعْمَة الإلهيَّةِ فينا.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما