نشرة كنيستي- الأحد قبل عيد رفع الصَّليب- العدد 37
الأحد 13 أيلول 2026
كلمة الرّاعي
الخلاص وسمات الرَّبّ يسوع
” فَلا يَجْلِبْ عَلَيَّ أَحَدٌ أَتْعَابًا فِيمَا بَعْدُ فَإِنِّي حَامِلٌ فِي جَسَدِي سِمَاتِ الرَّبّ يَسُوعَ” (غل 6: 17)
نحتفل في الرَّابع عشر من أيلول بعيد رفع الصَّليب المكرَّم الَّذي صُلب عليه الرَّبّ يسوع المسيح لخلاص البشريَّة والكَوْن من السُّقوط ونتائجه ولتجديد الخليقة كلّها بالنَّاهض من بين الأموات والغالب الموت والشِّرِّير. الخلاص بالمسيح تَمَّ واكتمل، فالشَّيطان غُلِبَ إلى الأبد، والموت أُبيدَ من الوُجود. المسألة مسألة وقتٍ، والوقت من صفات عالمنا ووجودنا الزَّائل والَّذي انتهى بقيامة الرَّبّ من بين الأموات. الخليقة الجديدة تحقَّقَتْ في يسوع المسيح، والمؤمنون به هم تجسيدها في هذا العالم. لكنَّ، الخليقة الجديدة هي حاضرة ومحقَّقة في المسيح، وهي ستأتي ومدعُوَّة للتَّحقُّق في كلِّ مؤمنٍ بيسوع. هي حاضرةٌ الآن وهنا، وهي ستأتي وتكتمل في آخر الأزمنة فينا. يسوع المسيح هو باكورة الخليقة الجديدة بغلبة إنسانِيَّتِه على الموْت بذات سلطانه، وهو يمنح المؤمنين به أن يصيروا هذه الخليقة الجديدة باتِّحادهم مع النِّعْمَة الإلهيَّة، أي بأقنمة النِّعْمَة غير المخلوقة كما أَقْنَمَ هو طبيعتنا البشريَّة المخلوقة (أي ضَمَّ إلى شخصه بدون أن يصير أي امتزاج أو اختلاط وبدون انقسام أو انفصام)، فهو “صار إنسانًا ليصير الإنسان إلهًا”.
* * *
أن نأقنم النِّعْمَة الإلهيَّة هي عطيَّة من الله توهَب لنا في المعموديَّة والميرون المقدَّس، وهي تتجدَّد فينا بالأسرار المقدَّسة، ولا سِيَّما في سِرِّ الإفخارستيَّا. هي هِبَة وهي تحقيق، إنَّها سيرورة وصيرورة. النِّعْمَة الَّتي نأخذها هي حقيقة جديدة على الإنسان أنْ يتعلَّم كيف يستثمرها في حياته ونموِّه الرُّوحيّ. المسألة ليست سِحْرًا، إنَّها وَعِي للموهَبَة المُعطاة لنا مِنَ الله وجِهادٌ لتثبيت حياتنا فيها. النِّعْمَة لا تُلغي مشيئتنا ولا ضعفاتنا بل تمنحنا القدرة الكُلِّيَّة على تحقيق تجديدنا إذا أسلمنا مشيئتنا لله بطاعة الكلمة الإلهيَّة الَّتي في الكتب المقَدَّسَة. النِّعْمَة تجعل كلمة الله فينا مُحَقَّقَة، لكن هذا يتِمُّ فقط عندما نُريد أن نتغيَّر لِتَصيرَ حياتنا مُطابقة للكلمة، وهذا هو جهاد إخلاء الذَّات من إرادة الشهوات والأهواء لاقتناء إرادة القداسة. التّخلّي هو الصَّليب بعينه الَّذي يعيشه المؤمن. لعيش الكلمة عليّ أن أتخلَّى عن فكر العالم لأقتني فكر المسيح، عليَّ أن أتحرَّر من حُبِّ لَذَّات الجسد وعبودِيَّة شهواته فأطلب حرِّيَّة القلب لأنال حرِّيَّة الكيان من كلِّ هوًى وخطيئة. وما هي شهوات الجسد يا ترى سوى الكبرياء والعُجْب واليأس والحزن والبُخل والغضب والفسق والزِّنى والشَّراهة؟!… مِن هذه تتفرع الرَّذائل وهي التَّجارب الَّتي على الإنسان أنْ يغلبها بصلب إرادة السُّقوط أي عالم الأهواء فيه بمؤازرة النِّعْمَة…
* * *
يا أحبَّة، سمات الرَّبّ يسوع في حياتنا هي الآثار الَّتي تَظهر في كياننا نتيجة صلبنا للعالم الَّذي فينا لنطلب حرِّيَّة أبناء الله. هذه الآثار تظهر جليَّة لأنَّها مملوءة بالنُّور ولو كانت في الظَّاهر علامات غريبة بالنِّسبة للاخَرين في حياتنا. فمن يصوم، مثلًا، في زمن لم يَعُدْ فيه للصَّوْم مِن مكانةٍ في حياة النَّاس أو حيث يُعتبر تخلُّفًا أو جهالة، هذا يحمل سمات الرَّبّ يسوع في جسده أي كيانه. ومَن يُصَلِّي ويُشارِك في صلوات الكنيسة والأسرار بانتظام والتزام، ومن يمتنع عن الفسق والزِّنى، ومَن يرفض السُّكر والمخدَّرات، ومَن لا يطلب مجدًا من النَّاس ولا يعتدُّ بإنجازاته أمام الآخَرين ليُظهِر تفوُّقَه عليهم، ومَن يكون كريمًا ومعطاءً في الخفية دون أن يظهر للنَّاس، إلخ. هؤلاء كلُّهم يحملون سمات الرَّبّ يسوع. أمّا الَّذين يتركون كلّ شي ليتبعوا المسيح فهؤلاء يصيرون كلّهم علامة إلهيَّة وعثرةً للرَّافِضين جَهالة الصَّليب والطَّالِبين عالم عبودِيَّة الأهواء ورِضَى النَّاس ومجدهم، وللَّذين يَعيشون ليأكلوا ويشربوا ويلبسوا ويترَفَّهوا غير مؤمنين بوجود خليقة جديدة وحياة أبديَّة…
فهل من طالب للحياة الجديدة بالمسيح؟!…
ومن له اذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما