في هذا اليوم تُقيم الكنيسة المُقدَّسَة تَذكار:
*تذكار وضع ثوب والدة الإله في كنيسة بلاشيرن. *أبينا الجليل في القدّيسين جوفينال بطريرك أورشليم. * القدّيس البارّ بيوس الإسقيطيّ. *الشُّهداء ثاون وإيرن وبولس وإبلو. *الجديد في الشُّهداء لامبروس ماكري. *أبينا الجليل في القدّيسين فوتيوس الكييفي. *القدّيس استفانوس الكبير المولدافيّ. *الشّهيدان بروكيسوس ومرتينيانوس الرّومانيّان. *القدّيسة البارّة مونيغونديس تورز الفرنسيّة. *القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش أسقف شانغهاي.
✤ القدّيسون الشُّهداء ثاون وإيرن وبولس وإبلو (القرن 4 م)✤
لا أثر لهؤلاء القدّيسين الأربعة في التراث البيزنطي اليوناني. استقينا خبرهم من المخطوط السينائي العربي 440 العائد إلى السنة 1251. ذكرهم موفور أيضاً في الجيورجية. قديماً، عندنا، كانوا يُذكرون في 3 تموز فيما جعلهم الجيورجيون في الثاني منه، وهذا الأدق (راجع الحاشية 2 و 3 من كتابنا “القدّيسون المنسيّون” في الثالث من تموز ص 431 – 432.
استشهد هؤلاء الأربعة – وقيل إنّهم إخوة – في زمن الإمبراطور الروماني مكسيميانوس (286 – 305 م). جاء في سيرتهم أنّ كثيرين من المؤمنين، في أيّام هذا الإمبراطور، خرجوا إلى البرّية أو التجأوا إلى الجبال هرباً من الاضطهاد ويأساً من الحياة الدنيا وصوناً للأمانة لله. أمّا الذين بقوا في المدن فتعرّضوا للملاحقة وأُوقف بعضهم وسيقوا أمام القضاة فعذِّبوا وقُطعت أجسادهم، فكانوا للمسيح ذبائح ناطقة مقدّسة مرضية.
تفصيل ذلك أنّه لمّا كان مكسيميانوس في مدينة تسالونيكي أصدر مرسوماً حظّر فيه عبادة المسيح وشدّد على السجود للآلهة آمراً الولاة بأن لا يتورّعوا عن استعمال العنف والقتل في حقّ المخالفين.
وكان في مصر وال طاغية اسمه انبليانوس، أذاق المؤمنين فيها عذاباً مريراً ونكلّ بهم نكالاً شديداً. ولكن بدل أن توهن تدابيره عزائمهم شحذتها فتحدّاه بعضهم واستفزّوه وجاهروا بإيمانهم لديه غير عابئين بتهويلاته وعذاباته. فأثارت جسارتهم حفيظته وأمر بضربهم بلا هوادة. فانهال عليهم الجلاّدون بالعصي حتّى خارت قوى الجلاّدين وما خار المؤمنون.
ولكي يبرهن الوالي عن غيرته لأوامر مكسيميانوس، أمر بأن يُساق عدد من المؤمنين إلى تسالونيكي ليمثلوا أمامه. فلمّا وصلوا إلى هناك كان التعب وما لحقهم من تعذيب انبليانوس لهم قد أضنى أكثرهم. فأمر مكسيميانوس بقتل المرضى بالسيف وسجن وتعذيب الباقين. فكان عدد الذين قتلوا اثنين وثلاثين رجلاً. وإنّ رجلاً نصرانياً اسمه أفسافيوس سمع باستشهادهم فأخذ أصدقاء له، في الخفية، وذهب فدفنهم. أما الذين أبقي عليهم فكانوا أربعة. هؤلاء هم القدّيسون الذين نعيِّد لهم اليوم: ثاون وإيرن وبولس وإبلو.
جلس الملك، في الغد، وأرسل في طلب المخالفين. فلمّا وقفوا أمامه سألهم من أين أنتم وما هي أسماؤكم؟ ففتح بولس فاه – ولعلّه مقدّمهم – وأجاب: إسمي بولس وصحبي هم ثاون وإيرن وإبلو، ونحن من جزيرة اسمها تنيس. فقال لهم: أما بلغكم ما أمرنا به أنّ كلّ مَن يؤمن بالمسيح يُعذَّب ويُعدم الحياة؟ فقالوا: بلى سمعنا ونعجب لجهلك وقلّة عقلك! فقال: أتجرؤون على التفوّه بمثل هذا الكلّام الوقح أمامي؟! لأذيقنكم، للحال، أصناف العذاب! فقالوا: هيّا بعذاباتك ولا تبطئ لأنّنا مستعدّون لقبول كلّ عذاب من أجل ربّنا يسوع المسيح! فقال: أما علمتم بما أصاب أنتيموس وأصحابه؟ قالوا: سمعنا وعلمنا أنّهم غلبوا العذاب من أجل حبّهم للمسيح! وهذا الشيخ، أنثيموس، ما هاله أمرك ولا صغرت نفسه بل تقوّى بفرح عظيم وبذل جسده للموت بأمانة. فإن كان، وهو الشيخ، قد فعل كذلك، فكيف بنا نحن الشباب؟! أما نتقوّى ونصبر على الشدائد لنرث إكلّيل الفرح الدائم؟! فلمّا رأى مكسيميانوس أنّه لا ينتفع شيئاً من الكلّام معهم أمر بتعليقهم وتمشيط أجسادهم بأمشاط من حديد وكيّ سوقهم وآباطهم.
فلمّا باشر الجلاّدون بتعذيب الأبرار القدّيسين رفع هؤلاء عيونهم إلى السماء وقالوا: أيّها الربّ يسوع المسيح، يا مَن أعان الفتية الثلاثة القدّيسين في أتون النار أعنّا نحن الخطأة أيضاً وأعطنا هبة الشكر لنغلب باسمك القدّوس. فتراءى لهم الربّ وشدّدهم. للحال انطفأت النار واسترخت أيدي الشرط. فلمّا نظر الملك ما كان تعجّب وقال: بأية حيلة فعلتم هذا؟! فقالوا: لم نفعل هذا بحيلة بل بقوّة المسيح! فقال: حسناً، سترون أي تعذيب ينالكم واصمدوا إن كنتم تقدرون! فقالوا: سيّدنا يسوع المسيح يعيننا على شدّة عذابك بقوّته العظيمة! فأمر الملك جنده بسوق الموقوفين إلى خارج المدينة. فلمّا وصلوا إلى هناك، وكان كثيرون من أهل البلد يرافقونهم، أعطى الملك الكلّمة أن تطلق على القدّيسين سباع ونمور ووحوش أخرى ففعلوا. فما كان من السباع سوى أن مسحت وجوه الشُّهداء بأذنابها ولحس النمور أقدامهم واحتفّت الوحوش بهم كما لتتبرّك منهم، ثمّ انصرفت عنهم. فلمّا رأى الحاضرون ما كان اندهشوا وصاحوا: عظيم هو إله النصارى! أطلقْ أيّها الملك هؤلاء القدّيسين ولا تمسّهم بسوء! فاغتاظ الملك وأحسّ بالمهانة لأنّ كلّام الملوك لا يرد وأمر الجند بالفتك بالناس فقتلوا منهم ألفاً وألقوا بأجسادهم للوحوش، فأبت الوحوش أن تدنو منهم، فأمر الملك بقتل الوحوش أيضاً. فكان أن حفر العسكر خندقاً عميقاً وألقوا فيه الشُّهداء، من الرجال والوحوش.
واحتار الملك في أمر الشُّهداء الأربعة كيف يواجه سحرهم وبماذا يردّهم فأشار عليه جلساؤه بقطع رؤوسهم بالسيف فيستريح. وهكذا كان، استاقهم الخدام إلى موضع الإعدام لتنفيذ الحكم. وفي الطريق أبدى الشُّهداء فرحاً وكأنّ جلجلتهم أشرفت على نهايتها. وقد كانوا يسبّحون الله ويشكرونه لأنّه أهّلهم لتحقيق رغبتهم وإتمام شهوتهم؛ وطلبوا منه أن يقبل أرواحهم بسلام. فجاءهم صوت من السماء يقول لهم: قد تمّت شهادتكم وفتحت لكم أبواب السماء. وها أنا أعطيكم موهبة الإبراء ليشفى كلّ طالب باسمكم.
وقد كان تمام شهادة ثاون وإيرن وبولس وإبلو في اليوم الثامن من شهر أبيب وهو اليوم الثالث من شهر تموز.
أمّا رفاتهم فقد بذل رجل مصري اسمه يوحنّا، مؤمن بالمسيح مقتدر، مالاً وفيراً لاقتنائها. وإنّه أخذ الأجساد الطاهرة ولفّها بأثواب تليق بها وعطّرها وصيّرها في موضع سرّي لأنّ قلّة الأمانة يومذاك كانت كبيرة. ثمّ بعد سنين يسيرة، رفع رجل الله، هذا، الرفات ونقلها إلى موضع في مصر يُقال له تنيس.
من أجل ذلك نسبّح الآب والإبن والروح القدس الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين، ورحمته علينا أجمعين، آمين.