نشرة الكرمة- الأحد 17 أيّار 2026
المسيح نور حياتنا
يقدّم لنا إنجيل يوحنا في الفصل التاسع حدثًا بليغ المعاني والمضامين عن لقاء المسيح بالأعمى منذ ولادته. لم تكن نتيجة هذا اللقاء مجرد شفاء جسدي، بل إعلان لاهوتي عميق أنّ يسوع هو نور العالم، الذي يفتح أعين القلوب قبل أن يفتح أعين الجسد.
الأعمى الذي عاش في ظلمة منذ طفولته، اختبر في لحظة نعمةً غيّرت حياته، فصار شاهدًا حيًا على عمل الله. الله هو المبادر، وهذا ظهر في أنّ “الأعمى لم يطلب شيئًا، لكن المسيح سبقه بالرحمة، ليُظهر أن الخلاص هو نعمة مجانية، لا ثمرة استحقاق بشري” (القديس يوحنا الذهبي الفم). ونلاحظ أيضًا أن الأعمى لم يكتفَ بالشفاء، بل دخل في مسيرة إيمان متصاعدة حتى اعترف بالمسيح ابن الله. أما الذين كانوا يرون جسديًا، لكن قلوبهم مغلقة، فقد بقوا في عمى روحي، لأنّ “العمى الحقيقي ليس في العيون بل في القلب. الذين رفضوا أن يروا المسيح بقلبهم، بقوا في ظلمة أعظم من ظلمة الأعمى منذ ولادته” (المغبوط أغسطينوس). وهنا يضع الإنجيل أمامنا مفارقة جوهريَّة روحيًّا: من يعترف بضعفه ينال البصيرة، ومن يتشبث ببرّه الذاتي يبقى في الظلام.
هنا أظهر المسيح سلطانه الإلهيّ كخالق، فهو “إذ فتح عيني الأعمى، أظهر أنه هو الخالق، الذي كوّن العينين في البدء، وهو القادر أن يجدّدها من جديد” (القديس كيرلس الإسكندري). الأعمى منذ ولادته كان مستعدًّا لتقبِّل الاستنارة ومتشوّقًا لها، لذلك، هذه “المعجزة ليست مجرد شفاء، بل هي إعلان أن النور غير المخلوق يشرق في قلب الإنسان، فيجعله يرى الله بالإيمان” (القديس غريغوريوس بالاماس).
* * *
يا أحبَّة، يوجّه إلينا هذا المقطع الإنجيلي نحن المؤمنين دعوة واضحة لنسمح للمسيح أن يفتح أعين قلوبنا على الحق، وأن نكون شهودًا للنور في عالم يزداد ظلامًا، وأن نواجه العمى الروحي بالحب والرحمة، لا بالجدال العقيم. إنّنا مدعووين، مثل الأعمى المبصر، أن نشهد بجرأة أن المسيح هو النور الذي يبدّد كل ظلمة، وأن نعكس هذا النور في أعمالنا وخدمتنا.
أيها الأحبّاء، هذا المقطع الإنجيلي ليس قصة شفاء فحسب، وليس عجيبة باهرة فقطن بل هو كشف بأنّ المسيح هو النور الذي يفتح أعين القلوب، هو نور السماوات والأرض. فهل نحن طالبون هذه الاستنارة، وأن يملآنا الرب من نوره غير المخلوق لنصير نحن نورًا من نوره، ولنقتني جميعًا البصيرة الروحية في الذّهن (Νοῦς) المستنير بالنعمة، فننتقل من الظلمة إلى النور، ومن التردّد إلى الشهادة، ومن الخوف إلى الجرأة، ومن الضعف إلى القوّة، ومن النجاسة إلى الطهارة، ومن الخطيئة إلى البِرّ، ومن العتاقة إلى الجِدَّة، فنكون كنيسة حيّة تشهد أن المسيح هو نور العالم، أمس واليوم وإلى الأبد. “أما نحن فنعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق” (1 يو 5:20).
* * *
يا أحبَّة، إن لقاء الأعمى بالمسيح يذكّرنا أن كل واحد منا يحتاج إلى شفاء عينيّ ذهنه، وعليه أن يعمل لتُفتح عيون قلبه يوميًا. ولكي نحقق ذلك، يمكننا، أقلّه، القيام بالتالي:
- طلب النور في الصلاة: لنخصّص ثلاث دقائق كل صباح ونصلي من كلّ القلب مع صلواتنا اليوميّة: “يا ربُّ أَنِرْ ظلمتي”.
- شهادة بسيطة: كما شهد الأعمى بما اختبره، فلنشهد بما فعله الله في حياتنا ولنشكره ولو بكلمة صغيرة: “أشكروا في كلّ حين”
- رحمة تجاه الآخرين: لننظر إلى من حولنا بعين المحبة، لا بعين الحكم والإدانة: “لا تدينوا لئلا تُدانوا”.
- تجديد الإيمان: لنجعل من كل موقف صعب نواجهه في حياتنا فرصة لنزيد إيماننا: “أؤمن يا رب، فأغث عدم إيماني.”
بالمثابرة على هذه الخطوات البسيطة، يصير المسيح في كلمته محور حياتنا، فنستنير بنعمة طاعة الوصية ونصيرحقًا أبناء النور في عالم يحتاج إلى نور شهادة الحقّ…
ومن استطاع أن يقبل فليقبل…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما