نشرة كنيستي- الأحد (4) بعد الفصح (السَّامريَّة)- العدد 19
الأحد 10 أيَّار 2026
كلمة الرّاعي
مياه العبادة الحَسَنة
“مَن يشرب مِن الماء الَّذي أنا أُعطيه فلَن يعطش إلى الأبد،
بل الماء الَّذي أعطيه له يصير فيه ينبوعَ ماءٍ ينبع إلى حياةٍ أبدِيَّة” (يو 4: 14)
في إنجيل الأحد الرَّابع بعد الفصح، نلتقي بالمرأة السَّامريَّة الَّتي طرحت سؤالًا جوهريًّا: أين تكون العِبادَة الحَقّة؟ هل على جبل جرزيم أم في أورشليم؟ هذا السؤال لم يكن مجرَّد جدل محلِّيّ، بل يعكس صراعًا دينيًّا عميقًا بين السَّامريِّين واليهود حول المكان الشَّرعيّ لعبادة الله.
يُذكَر جبل جرزيم في سفر التَّثنية (11:29-30؛ 27:12-13)، حيث أوصى موسى أنْ تُعلَن البركات عليه، فيما تُعلَن اللَّعنات على جبل عيبال. ومن هنا ارتبط جرزيم بالبركة والطَّاعة، في مقابل عيبال الَّذي ارتبط بالعصيان واللَّعنة. وقد شَيَّد السَّامريُّون هيكلهم على جبل جرزيم في القرن الرَّابع قبل الميلاد، خلال الحُكم الفارسيّ، مُعتَبرين إيَّاه الموضع المقدَّس للعبادة. أمَّا اليهود فتمسَّكوا بالهيكل في أورشليم، وظلَّ الخلاف قائمًا بين الفريقَيْن.
لكنَّ يسوع المسيح لم يدخل في هذا النِّزاع التَّاريخيّ. بل أعلن أنَّ العبادة الحَقّيقيَّة لا تُحدَّد بجبلٍ أو مدينة، وإنَّما بالرُّوح والحَقّ: “تأتي ساعةً وهي الآن حين السَّاجدون الحَقّيقيُّون يسجدون للآب بالرُّوح والحَقّ” (يوحنَّا ٤:٢٣).
بهذا التَّعليم، رفع المسيح العبادة من حدود المكان إلى علاقةٍ حَيَّةٍ مع الله، علاقة تتجاوز الجغرافيا والطُّقوس لتُصبح خبرةً روحيَّةً يعيشها المؤمن في كلِّ زمانٍ ومكان. فالعبادة الحَقّة ليست في اختيار جبل أو هيكل، بل في انفتاح القلب على الله، وفي السُّجود له بالرُّوح والحَقّ.
* * *
ما معنى كلام الرَّبّ بأنَّ العبادة للآب تكون بالرُّوح والحَقّ؟ كلام الرَّبّ عن العبادة “بالرُّوح والحَقّ” هو دعوة إلى أنْ نرتفع من الجَدَل حول الأماكن والطُّقوس إلى خبرةٍ حَيَّةٍ مع الله نفسه. فالرُّوح القدس هو الَّذي يفتح أعماق القلب ويُحَوِّل صلاتنا إلى لقاءٍ صادِق مع الآب، والحَقّ هو المسيح الَّذي يكشف لنا وجه الله ويقودنا إلى معرفةٍ صحيحةٍ به. وعندما يجتمع الرُّوح والحَقّ، تُصبح العبادة ينبوعًا حَيًّا يَفيض بالنِّعْمَة، لا مجرَّد ممارسة خارجيَّة أو شعورٌ عابر. فالرُّوح دون الحَقّ ليس من الله، والحَقّ دون روح الله يصير ناموسًا جامدًا. وهنا يُظهِرُ الرَّبُّ صورة الماء الحَيّ: كما أنَّ الماء يَروي عَطَشَ الجسد، كذلك الرُّوح والحَقّ يَرويان عَطَشَ النَّفْس، فيَصير الإنسان ممتلئًا من الدَّاخل، لا يعطش إلى الأبد. مَن يَشْرَب مِنْ هذا الماء الحَيّ الَّذي يُعطيه المسيح، تتحوَّل حياتَه كلَّها إلى سجودٍ دائمٍ أي عبادةٍ مستمرَّة، حيث كلّ لحظة وكلّ عمل يصبح صلاةً حيَّةً، وكلّ قلبٍ يصير هيكلًا لله. إنَّها دعوة لأن نترك المظاهر ونغوص في العُمق، فنجد في المسيح وحده الشَّبَع الحَقيقيّ والرَّاحة الأبديَّة.
* * *
يا أحبَّة، إنَّ الرَّبَّ يسوع يدعونا إلى أن نجعل حياتنا كلَّها نبعًا من “مياه العبادة الحَسَنة”. فكما قال: “مَن يشرب مِن الماء الَّذي أنا أُعطيه فلَن يعطش إلى الأبد، بل الماء الَّذي أُعطيه له يصير فيه ينبوعَ ماءٍ ينبع إلى حياةٍ أبدِيَّة“ (يو 4:14). هذه المياه ليست مجرَّد صورة شعريَّة، بل هي خبرة روحيَّة يوميَّة، حيث يتحوَّل كلُّ عملٍ نَقوم به إلى صلاة، وكلُّ كلمةٍ إلى شهادةٍ، وكلُّ لحظةٍ إلى لقاءٍ مع الله. العبادة بالرُّوح والحَقّ ليست محصورة في الكنيسة أو في زَمَنٍ مُحدَّد، بل هي أسلوبُ حياةٍ يَروي عَطَشَ القَلْب ويَملأه بالسَّلام. عندما نفتح قلوبَنا للرُّوح القُدس ونَثْبُتْ في الحَقِّ الَّذي هو المسيح، نُصبح نحن أنفسنا ينابيعَ ماءٍ حَيّ، نَفيض بالنِّعْمَة على مَن حَوْلنا، ونَحيا منذ الآن عُربونَ الحياة الأبديَّة. هكذا تتحوَّل العبادة إلى ماءٍ يَروي عَطَشَنا ويَجعلُنا شهودًا للفرح والبركة في العالم.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما