نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد الفصح (آباء المجمع المسكونيّ الأوَّل)- العدد 23
الأحد 09 حزيران 2019
كلمة الرَّاعي
أنا قد مُجِّدْتُ فيهم
تُعيّد الكنيسة المُقدّسة لآباء المجمع المَسكونيّ الأوّل الّذي انعقد في نيقية سنة ٣۲٥ م. التأم في هذا المَجمع ٣١٨ من آباء الكنيسة، عددٌ كبيرٌ منهم كانوا من المُعترفين الّذين عُذّبوا من أجل الإيمان وثبتوا في حفظه مُتحمِّلين الآلام ومُكابِدين التّنكيل بهم.
مِنَ القدّيسين الّذين شاركوا في هذا المجمع، نيقولّاوس واسبيريدون العجائبيَّين وأثناسيوس الكبير وغيرهم كثيرين من الّذين مُجِّد المسيح فيهم، في حياتهم، في تعليمهم، في خدمتهم.
***
مَن نَدعوهم آباءً في الكنيسة هم مُعلّمي الإيمان. قوّةُ التّعليم تأتي من روحِ الرَّبّ الّذي ينطقُ فيهم الكلمة مُجَسَّدةً في حياتهم أيقونةً للكلمةِ- الإله. مَن يغلبُ نفسَهُ عبرَ تسليمِ المَشيئة الذّاتيّة إلى طاعةِ إرادة الثّالوث القدّوس الآتية منَ الآب بالابن المُتجسّدِ في الرُّوح القُدُس،يَصيرُ مَطرَحًا لتجَلّي مَجدِ الله وحُبِّهِ وحَنانِهِ وحَقّهِ ونورِهِ وتَواضعِهِ…
الظّروف الّتي عاشها آباءُ المَجمع المَسكونيّ الأوّل مِن صراعٍ ضِدَّ الآريوسيّة كانت استمرارًا لزمنِ شهادةِ الدّم. إبليس إذ فَشِلَ من خلال الاضطهادات أن يُدمِّر الكنيسة تَحوَّلَ إلى حربٍ أخرى عليها بواسطةِ تشويهِ حقيقةِ الإيمانِ مِن خلالِ البِدَع والهرطقات الّتي كان يَبُثُّها في المُستَكبرين…
الحَربُ الأصعب الّتي يُواجهُها المؤمن ليست هي شهادَةُ الدّم بأن يُقتَلَ لأجلِ استقامةِ الإيمان، بَل أن يُستَشهَدَ كلّ اليوم لأجل المُحافظة على نَقاوَةِ إيمانِهِ والثَّباتِ فيه. هذه هي الحرب الأكثر شُيُوعًا واليوميّة الّتي يَعيشها المُؤمِن. يقول أحدُ الآباء: “أعطِ دَمًا وخُذْ روحًا”. المَقصود بهذه المَقولَة أنّ المؤمِنَ الحَقّ قادِرٌ أن يَسفُكَ دَمَهُ روحيًّا لكي يقتني الرّوحَ القُدُس. هذا يَعني أنّه مُستعدٌّ أن يَموتَ عن ذاتِه كلِّ مشيئاتِهِ طاعَةً للكلمةِ الإلهيّة بروحِ الرَّبّ.
***
آباءُ الكنيسةِ اختَبَروا حقيقةَ المَوتِ عن العالَم حُبًّا بالمَسيحِ قاتِلينَ فيهِم كلّ ما يُحارِبُ الكلمَة على صخرَةِ الكَلمة، أي أنَّهُم حارَبوا في ذَواتِهِم كُلَّ نِيَّةٍ و/ أو فِكْرٍ يُحارِبُ الله أي يُحاوِلُ أن يَدفَعَهم كثيرًا أو قليلًا بَعيدًا عن الرَّبّ.
الإنسان الّذي يُجاهِد روحيًّا يكونُ حازِمًا صارِمًا شديدًا عنيفًا مع ذاتهِ بإزاءِ أهوائهِ، لا يَتساهَل ولا يَتهاوَن في مُحارَبَةِ كُلِّ ما يُثنيهِ عن عَزمِهِ في السّلوك بحسبِ المشيئةِ الإلهيّة. المُجاهِد الحَقِّ لأجلِ الرَّبّ “يُخضِعُ كُلَّ فكرٍ لطاعَةِ المسيح” (۲ كو ١٠: ٥).
***
أيّها الأحبّاء، لم يَنتَهي زَمَنُ الآباء. الكنيسة ولّادَةٌ بِزرعِ الكلمة الإلهيّ في الرّوح القُدُس لمؤمنين على شبهِ صورةِ المسيح، حاملينَ في ذَواتِهم وتَعليمِهم وحياتِهِم لسِرِّ الإيمان بالإله المحبَّة المُثلّث الأقانيم في استعلانِ ابنِ الله المتجسّد، الإله التّام والإنسان التّام بنعمةِ الرّوح القُدُس الّذي يَنبُعُ من المسيح في المؤمن ليُرَوّي العَطشى إلى الحقّ في استقامَة العَقيدَة المُترجَمَة حياةً عَبرَ تَجَلّي الألوهَةِ في الإنسانِ المُتَّحِد بالرّبّ يسوع المسيح.
هذه غايةُ حياتِنا، أن نتألّه. لولا التّجسُّد لم يتألَّه الإنسان. المسيح يسوع الإنسان هو باكورة البشريّة الجديدة الّتي تسكُنُ فيها الألوهَةُ لمجدِ الله في خليقتِهِ ولخلاصِ العالم بِرُمَّتِهِ بحسب وَعْدِ الرَّبّ الإله الصّادِق.
ومَن استطاعَ أن يَقبَل فَليَقبَل!
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما