نشرة كنيستي- الأحد (7) بعد العنصرة- العدد 30
الأحد 26 تمُّوز 2020
كلمة الرَّاعي
المؤمن والدَّولة
”أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله“ (مرقس 12: 17)
إلهنا تجسَّد، دخل الزّمان والمكان، شاركنا حياتنا وظروفنا وأنظمتنا، وخضع للسّلطات في ما هو حقّ مشروع لها وقاومها في ما هو ظلم. هو مثَّل الإنسان كلّه بكلّ ما فيه، ما خلا الخطيئة، لذلك، هو حقّ وكلّ ما نطق به هو الحقّ المطلق.
الدُّوَل تُبنى على قيم يُعبَّر عنها بقوانينها. رقيّ الأمّة من رقيّ قوانينها، ورقيّ القوانين من مدى انسجامها وتعبيرها وتحقيقها للعدل والرّحمة، والعدل مرتبط بالحقّ والرّحمة مرتبطة بالمحبّة، أمّا المحبّة والحقّ فهما صفات الله. من هنا، كلّ نظام بشريّ يسعى للارتقاء إلى الفضائل الإلهيّة… أدرك ذلك أم لم يدرك واضعوه…
لا يتعاطى الكثيرين مع مسائل قوانين وأنظمة الدّول ودساتيرها من المنطلق الّذي أشرنا إليه أعلاه، لأنّ البشر ليسوا كلّهم مؤمنين بالله أو بإلإله نفسه… من هنا، حيث كان للمسيحيّة جود وتأثير في حياة الدُّول، تجلَّت تعاليمها وقيمها الرّوحيّة والأخلاقيّة في القوانين الوضعيّة البشريّة، والأمثلة لا تعدّ ولا تُحصى…
بناءً عليه، بالنّسبة للمؤمن، الدّولة هي الإطار الدّستوريّ والقانونيّ في الزّمان والمكان لعيش الفضائل المسيحيّة والشّهادة للإيمان في الحياة اليوميّة وفي بناء المجتمعات والحضارة والثّقافة والقيم الأخلاقيّة وأنظمة الحكم البشريّ كتحضير وسَعي لاستعلان ملكوت السّماوات من خلال الجهاد الرّوحيّ لبُنيان المواطن في المحبّة والحقّ الإلهيَّين…
* * *
”للرَّبِّ الأرض بكمالها المسكونة وجميع السّاكنين فيها…“ (مزمور 24 (23): 1).
ما من شيء إلّا هو للرَّبّ ومعطًى منه. العطيّة دومًا صالحة، المتقبِّل يُحدِّد وجهة استعمالها إن كان للخير أو للشّرّ…
في هذا العالم، أين وكيف يحكم الله في الأرض؟!… ”في كلّ موضعٍ من مواضعِ سيادته“ (مزمور 103 (102): 22). ليست المسألة مسألة ”موضع“ أو ”مكان“ لأنّ الإنسان هو موطن الله في العالم، والله هو وطن المؤمن في هذا الدّهر وفي الدّهر الآتي… نحن نأتي من الله إلى هذا الوجود، الّذي هو لله، لأنّ ”كلّ شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء ممّا كُوِّن“ (يوحنا 1: 3)، فحتّى قيصر هو لله وليس لذاته…
القضيّة الجوهريّة هي: ما الغاية من وجود الدّولة؟ تقدّم وازدهار وتحسين مستوى حياة الأفراد فيها، بــحســـب الــتّـحديدات العلميّة في العلوم السّياسيّة.
تبقى الدّولة، إذًا، على مستوى هذا العالم في أنظمتها وأهدافها. لكن، بالنّسبة للمؤمن، هو يريد أن يجعل منها مَطَلًّا لملكوت السّماوات. الكنيسة، كمؤسّسة، ليست بإزاء الدّولة، الكنيسة في الدّولة موجودة كباقي مكوّنات الوطن، وليس عملها الخوض في غمار السّياسة، بل شغلها الجوهريّ هو بناء الإنسان المؤمن المُلتزم تجسيد عقيدته في حياته بكلّ أوجهها ومطارحها، أفي البيت أم في المجتمع أم في العمل أم في السّياسة أم في الاقتصاد أم في القانون إلخ… الكنيسة ليست هي الإكليروس بل هي جسد المسيح أي كلّ من اعتمد على اسم الثّالوث القدّوس… من هنا، المسؤوليّة مشتركة بين الإكليروس والمؤمنين، الإكليروس كأنبياء والشّعب كمطيع لكلمة حقّ المسيح الّتي تأتيه بهم وفيهم؛ والشّعب كحاملٍ لصوتِ روح الله والإكليروس كمُطيعين لنداء الرّوح القدس. الشّرط للطّاعة هو البرّ الّذي في الإيمان…
* * *
كلّ سعي بشريّ للسّعادة خارج دائرة الله وكلّ نظام وضعيّ يقعان في خانة العيش تحت ظلّ ناموس لا يمكن أن يقدّم للإنسان خلاصًا أبديًّا. هذه هي حقيقة عالم السّقوط، أمَّا المؤمن فهو وإن خضع لقوانين البشر الّتي فيها امتداد نحو تحقيق عدلٍ ما وسَعي لوقف شرٍّ ما، إلّا أنّه يتخطّاها على الدّوام كونه يطلب عيش سرّ النّعمة، الّتي بالمسيح يسوع، في هذا العالم، ليشدّ الإنسان والخليقة ويضعهما في هذا التّوتّر الخلّاق والمُبدِع بين حقيقة هذا الدّهر وحقيقة الدّهر الآتي المتجلِّيَة في فضائل الحبّ الإلهيّ المتجسِّد في أفكار وأقوال وأعمال المسيحيِّين… من هنا تأتي الحياة الأفضل (راجع يوحنا 10: 10)
ومن استطاع أن يقبل فليقبل…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما
(Heywod, Andrew. (2000). Key Concepts In politics. Basingstoke, England: Palgrave, PP. 39—42)*