نشرة كنيستي- أحد الأجداد القدّيسين- العدد 50
13 كانون الأوَّل 2020
كلمة الرَّاعي
استعدادنا لميلاد الرَّبّ
”وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ
وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا“ (ملاخي 4: 2)
الرَّبُّ يأتينا، دائمًا، في سرِّ تواضعه الأقصى، في سرِّ إخلائه لذاته حبًّا بنا ولأجل انتشالنا من بقعة الظّلمة إلى رحاب نوره الإلهيّ.
لم يترك العَليُّ خليقته في فسادها الَّذي اَنْتَجَتْهُ بسبب سرّ الحرّيّة الكامن في الاختيار الشَّخصيّ المُتأتِّي من خيار الإنسان الممنوح له بسبب من أنّ ”الله محبّة“ (1 يوحنا 4: 8 و16).
”وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ“ (1 تيموثاوس 3: 16). سرّ التَّقوى هو سرّ التَّدبير الإلهيّ الّذي حضَّرَ الله من خلاله البشريّة للحياة الجديدة الّتي خلقها، أصلًا، لأجلها. سرّ التَّقوى الإلهيّ هو سرّ التَّواضع الأقصى: ”الله ظهر في الجسد“، أي صار الله واحدًا معنا في إنسانيّتنا. لقد حملنا في ذاته ليس وجدانيًّا أو تَعَاطُفِيًّا بل تجسُّديًّا… لقد ضَمَّنَا إليه، الخالقُ والمخلوقُ صارا متّحدَين في بوتقة أقنوم الكلمة الابن المتجسِّد. ماذا يعني هذا الكلام؟ خلاصنا أُعطي لنا في المسيح يسوع شرط مشاركتنا له في ”سرّ التَّقوى“. لماذا؟ لأنّنا حين نتّحد بالرَّبِّ نُشاركه حياته أي نحمل الصَّليب وراءه (راجع مرقس 8: 34) لنتمجَّد معه. وما هو الصَّليب يا تُرى سوى التَّواضع الأقصى؟!…
* * *
*”خُذْ بِيَدِكَ هَدِيَّةً وَاذْهَبْ لاسْتِقْبَالِ رَجُلِ اللهِ“ (2 ملوك 8: 8). كيف سنمثل أمام طفل المذود الآتي إلينا ليهبنا نِعَمَ السّماء وبنوّة المَلِكِ؟!… أيّة هديّة نقدِّم لمن قدَّم لنا ذاته طعامًا وشرابًا للحياة الأبديّة؟!… ماذا نستطيع أن نعطي من هو مصدر كلّ ”عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ“ (يعقوب 1: 17)؟!… هل نملك شيئًا لنعطيه لمن أوجدنا من العدم؟!… كلّنا له. ليس لنا في أنفسنا شيئًا نملكه إلّا وهو وهبنا إيّاه. هل تقول السّاقية للنَّهر الّذي منه تتفرَّع أنا أُغَذِّيك بالمياه؟! هي تأتي منه، بدونه لا وجود لها… هل يُدرك الإنسان منّا حقيقة عدميّته ولاشيئيّته بدون الخالق؟!… كيف يقدر الإنسان أن يستكبر وأن يظنّ أنّه يملك شيئًا أو نفسه حتّى؟!… هذه قمّة الغباء. الحبّ الإلهيّ الثّالوثيّ أوجدَنا لندخل معه في سرّ الشّركة الإلهيّة من خلال صورة الله الّتي خُلقنا عليها. إنسانيّتنا نحقّقها بعيش شركة الوحدة في المحبّة الّتي تطيع المحبوب وتسلّمه كلّ وجودها. من لا يستطيع أن يعيش حياة الشّركة في سعي لعيش الوحدة مع الآخَرين لن يفقه معنى التّجسُّد ولا يستطيع أن يكون مسكنًا لله، لأنّه ”إِنْ قَالَ أَحَدٌ: “إِنِّي أُحِبُّ اللهَ” وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي َمْ يُبْصِرْهُ؟“ (1 يو 4: 20). المحبّة المقصودة ليست مشاعر وأحاسيس وعواطف، إنّها فعل قبول غير مشروط للآخَر لأنّ المسيح مات لأجل الخطأة… وهي عمل مستمرّ بالامتداد نحو بعضنا البعض بالطّاعة في الخدمة بحسب الوصيّة الّتي تقول: ”مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا“ (لوقا 17: 10). هكذا نتدرَّب على إخلاء الذّات، لأنّنا ما لم نفرغ ذواتنا من الأنا فلا مكان لسكنى يسوع فينا.
* * *
أيُّها الأحبّاء، شمس العدل أشرَقَتْ علينا وعرفنا الله وعرفنا الإنسان. لم يعد مسموحًا لمن تسربل نور النّعمة الإلهيّة أن يسلك في ظلمة أفكاره وعِقَدِه وأهوائه وخطاياه وحبّ اللّذَّة وانغلاقه وخوفه وعشقه لذاته وإقصائه للآخَر ورفضه له وحبّه للمال والطّمع والتّسلُّط والسُّخط والانتقام والنّكايات والكلام القبيح والرِّياء والمُحاباة والخبث والمصلحة وصِغَر النّفس إلخ. كَشَفَ لنا الرَّبُّ في ابنه المتجسِّد أنّنا إن لم ندرك حقيقة أنّنا من ”المساكينَ والجُدْعَ والعُميان والعُرجَ“ فلن نطلب منه الخلاص ولا نحتاجه لأنّنا نظنّ أنفسنا من المدعوّين. من يعرف نفسه على حقيقتها يتّضع ويَنْشُدُ العتق من طفل المغارة معلِّم التّواضع الإلهيّ وواهبه لطالبيه. من يعرف المسيح ومن يقبله حياة له يصير حرًّا. لا شكّ أنّ هذه الحرّيّة هي سيرورة وصيرورة بنعمة الله ولكن تفترض التزامًا وجهادًا صادِقًا وأمينًا في الطّاعة. بدون الطّاعة لا تواضع، وبدون تواضع لا يمكننا استقبال الإله طفلًا يشرق علينا في مغارة قلوبنا المظلمة ليحوّلها إلى سماء يتربّع هو في كَبِدِهَا منيرًا الكون فينا ومن خلالنا، بتواضعه المُشِعّ في حياتنا بالحبّ الإلهيّ في عيشنا لكلمته وحفظنا لها، لأنّه يسكن فينا فقط إذا أحببناه: ”إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا. اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي…“ (يو 14: 23—24).
”مَارَانْ أَثَا“ (1 كورنثوس 16: 22) …
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما