في هذا اليوم تُقيم الكنيسة المُقدَّسَة تَذكار:
*الشّهيد إيليان الحمصيّ. *القدّيس فوتيوس المعترِف، بطريرك القسطنطينيّة. *أبينا الجليل في القدّيسين بوكولوس، أسقف إزمير. *الشّهداء فاوستا وأفيلاسيوس ومكسيموس. *الشّهيدان دوروثية وثيوفيلوس. *الشّهيدان فاوستا وباسيليوس. *القدّيسان البارّان برصنوفيوس الكبير ويوحنّا النّبيّ. *القدّيس البارّ يعقوب القورشيّ.
✤ القدّيس البارّ يعقوب القورشي (القرن 5 م)✤
أحد معاصري ثيودوريتوس أسقف قورش (393 – 466) ومنه نستقي سيرته. تلميذ القدّيس مارون النّاسك. تفوَّق عليه بكثرة التّقشّف. لم يحتفظ الا بالسّماء غطاء له. كان شجاعًا في جميع الأحوال وشتّى الظّروف. يجاهد في الجسد كما لو كان جسد سواه. اتخذ لنفسه، أول الأمر، منسكًا صغيرًا هيّأ فيه نفسه لجهادات أكبر ثم خرج، بعد حين، إلى جبل قاحل يبعد ستين كيلومترًا عن قورش. هناك كان النّاس يرونه مصلّيًا أو راقدًا أو واقفًا أو جالسًا. حتّى حاجة الطّبيعة كان يكبتها ويؤجّلها بصبر عجيب. مرة، على ما روى ثيودوريتوس، مرض وارتفعت حرارة بدنه جدًا. لكنه استمر في عمله الإلهي تحت الشّمس اللّاهبة. وبالحيلة تمكّن ثيودوريتوس من جعله يقبل التّفيّؤ قليلًا والتّمدّد قليلًا وخلع سلاسل الحديد عن نفسه قليلًا. بعد بضعة أيام تعافى لكنه مرض من جديد مرضًا أشد. وظنّ النّاس انه رقد فاختلفوا فيما بينهم من يستولي على جسده، واصطفّوا للقتال. أخيرًا وضعوه على نعش وهو في غيبوبة وأخذوه إلى المدينة وجعلوه في أحد الدّيورة استعدادًا لدفنه. وصل الخبر إلى ثيودوريتوس. جاء على جناح السّرعة. وقف أمامه وبلّغه تمنيّات أكاكيوس العظيم. فتح عينيه للحال وكلّمه. بعد ثلاثة أيام سأل أين هو، فلما أجابوه حزن وطلب ان يعيدوه إلى جبله. عمل ثيودوريتوس على معالجته. أراد ان يقدِّم له كوبًا من الشّعير المطحون المغلي المبرّد فأبى ان يأخذه. قال له ثيودوريتوس: صحّتك يا أبت فائدة عامة. لستَ لنا فقط مثالًا نستفيد منه جميعنا، بل أنت تقوِّينا أيضًا بصلواتك وتجلب علينا العطف الإلهي. كنت شجاعًا على كبت جوعك كن شجاعًا الآن على تناول شيء من الطّعام. وبالجهد اقتنع، واقتنع أيضًا ان توضع رجلاه في الماء لأنه كان قد فقد القدرة على المشي بسبب الضّعف. ولما حاول أحد القائمين إخفاء كوب الشّراب تحت طبق لئلا يظهر لعيون النّاس، احتجّ يعقوب قائلًا: “دع عنك ذلك يا فتى. لا تُخفِ عن النّاس ما هو مكشوف لربّ العالمين. منذ أن صمّمت على العيش لأجله وحده لم أعد أهتم لما يرتئيه البشر!” أيضًا يقال عن يعقوب انه مرّات كثيرة كان الثّلج يتساقط عليه ثلاثة أيام وثلاث ليال وكانوا يرونه منبطحًا على ظهره يصلّي والثّلج فوقه لا يترك من ثيابه البالية قطعة صغيرة ظاهرة. ويبدو انه كثيرًا ما كان يحدث ان يأتي إليه النّاس برفوش ومعاول ليجرفوا عنه الثّلج ويخرجوا جسده من تحته.
ليعقوب عجائب جمّة. ببركته كان المحمومون يُشفَون والشّياطين تفرّ من أمامه والمياه تستحيل دواء شافيًا. أيضًا أقام صبيًا ميتًا عمره أربع سنوات. ثيودوريتوس قال إنه كان يضع وشاحًا قديمًا للقدّيس تحت رأسه وكان له أقوى من أي ترس من فولاذ. اعتبره ثيودوريتوس بمثابة إشعياء آخر له وكان يتّكل على صلاته في محاربة الهرطقات. كان القدّيسون عشراءه وكثيرًا ما ظهروا له وساعدوه في الصّلاة إلى ربِّ العالمين لغرض أو لآخر. ثيودوريتوس ذكر انه كانت هناك علاقة مميَّزة بين يعقوب والقدّيس يوحنّا المعمدان. وقد روى يعقوب كيف كان الشّيطان يحاربه. قال مرة: “ما كدت أبدأ ممارستي هذه السّيرة حتّى ظهر لي كائن عار، شبيه بالأحباش، تنبعث النّار من عينيه. فلدى هذه الرّؤيا استحوذ عليّ الخوف ولجأت إلى الصّلاة ولم أستطع تناول الطّعام لأنه كان يتراءى لي كلّ مرّة كنتُ أعزم فيها على الأكل. ومضى كذلك سبعة وثمانية وعشر أيام وأنا ألازم الصّوم. أخيرًا احتقرته وأخذت أتناول الطّعام. لكنه بدا لي انه لم يحتمل مني هذا التّحدّي، فهدّدني ثم أمسك بعصا كي يضربني. حينئذ قلت له: إذا كنت تفعل هذا بسماح ربِّ العالمين فاضرب، لأني أتلقّى الضّربات بلذّة كأنه هو نفسه الّذي يضربني. ولكن إذا لم يكن لك هذا السّماح من قبله، فلن تضربني ولو كنت مغتاظًا منّي ألف مرّة. فلما سمع هذا القول هرب للحال”. ويروي يعقوب أيضًا ان الشّيطان كان يأخذ شكل القدّيس ويتسلّم الماء ممن كانوا يأتون به إليه ثم يدفقه على الأرض ويترك القدّيس يتلظّى عطشًا. وقد اكتشف القدّيس احتيال إبليس وأوصى بعدم تسليم الماء الا في الموضع الّذي يقيم فيه. كذلك كان إبليس يتهدّد القدّيس بأن يثير عليه الفضائح ويسوِّد سمعته أو يأتيه بضجيج ومركبة وخيل. أيضًا كان الشّيطان يستغلّ مخاوف القدّيس ليقلقه ويوقع به. مثل ذلك ان يعقوب كان يخشى اللّصوص المجرمين القادمين من إيصوريا الّذين كانوا يعيثون في الشّرق فسادًا. كان القدّيس يخاف منهم لا لأنه كان يكترث لجسده من الموت، بل لئلا يبيعوه في سوق النّخاسة فيتعرّض لمشاهدة الكفر وانحطاط الأخلاق. الشّيطان كان يعرف هذا لأنه سمع القدّيس يخبر به أحد أصدقائه مرة. لذلك أتاه بضجيج وصراخ وكأن الإيصوريّين قادمون فاستعدّ يعقوب للموت لكنْ ما لبث ان تبيّن له ان ما جرى كان من احتيالات العدو.
أما رقاد يعقوب فلا يذكره ثيودوريتوس لأنه كان لا يزال حيًّا بعدُ حين كتب عنه. لكن ثيودوريتوس ذكر ان قدّيس الله أوصى ببناء قبر له في الجبل، فلمّا اكتمل البناء جمع عددًا كبيرًا من ذخائر الأنبياء والرّسل والشّهداء وجعلها في الموضع وأوصى بإلقائه هو متى رقد في زاوية من زواياه لتكون له شركة مع القدّيسين في الممات.