Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد بعد عيد رفع الصَّليب – العدد 38

21 أيلول 2025

كلمة الرّاعي 

أعمال البِرّ والتَّبرير بالإيمان

“يَا إِخْوَةُ، إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّاموس، بَلْ إِنَّمَا بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ،

آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ لِكَيْ نُبَرَّرَ بِالإِيمَانِ بِالـمَسِيحِ لا بِأَعْمَالِ النَّاموس” (غل 2: 16)

يضع الرَّسُول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية الَّتي حدَّدتها الكنيسة المقدّسة لهذا الأحد، الأساس الجوهريّ لتعليمه حول الخلاص بالمسيح لا بأعمال النَّاموس: “لا يُبَرَّرُ الإنسان بأعمال النَّاموس، بل بالإيمان بيسوع المسيح”. كان النَّاموس في العهد القديم بمثابة المرآة الَّتي تكشف الخطيئة، وقد وضعه الله ليكشف الخطيئة ويدينها، وتاليًا هو لم يكن قادرًا على منح الإنسان الخلاص من الخطيئة والموت. أعمال النَّاموس – مهما كانت صالحة – لا تستطيع أن تمنح الإنسان الغلبة على الموت، لأنَّ النَّاموس يطالب بالكمال، “والكلُّ قد أخطأوا وأعوَزَهُم مجد الله” (رومية 3: 23). لذلك، جاء المسيح ليقدِّم برًّا جديدًا، لا يُنال بالاستحقاق، بل بالنِّعْمَة من خلال الإيمان به، إذْ تمَّم هو البِرّ كاملًا ومنحنا فيه (أي في يسوع) أن نقتني ثماره (أي البِرّ) أي قوَّتَه وكماله بالرُّوح القدس. بالنِّسبة لبولس التَّبرير وتاليًا الخلاص لا يقوم على الأعمال الظَّاهرة بل على الإيمان النَّابِع من قلبٍ متَّضعٍ، لأنّ “القلبَ المتخشِّع والمتواضِع لا يرذله الله” (مز 50 : 19).

*             *             *

قد يتساءل البعض: إذا كان التَّبريرُ بالإيمان، فهل هذا يفتح الباب للتَّهاون مع الخطيئة؟. يجيب بولس بحزم: “حاشى”. فالإيمان الحقيقيّ بالمسيح يقود إلى موت عن الخطيئة، لا إلى التَّهاون معها. العودة إلى حياة الخطيئة بعد قبول النِّعْمَة تعني هدم ما بَناه الله فينا، وجَعْلَ أنفسنا متعدِّين من جديد. التَّبرير بالإيمان لا ينفصل عن الجهاد الرُّوحيّ لعيش هذا الإيمان بالتَّوبة والمصالحة والمسامحة لتطهير القلب والفكر والجسد، والعطاء والخدمة والتَّضحية، وعن حياة الصَّلاة منبع النِّعْمَة للإنسان في مسيرة جهاده الرُّوحيّ…

 القدِّيس باسيليوس الكبير يكتب في هذا الإطار: “مَن يلتصق بالمسيح يلبس قوَّة قيامته، فلا يعود عبدًا للشَّهوات، لأنَّ النِّعْمَة الَّتي تبرِّر هي نفسها الَّتي تقدِّس”، مبرزًا أنَّ النِّعْمَة ليست عذرًا للخطية، بل قوَّةً للتَّحرُّر منها، فبدون النِّعْمَة لا يستطيع الإنسان أن يعرف أهواءه وخطاياه ولا أن يتوب عنها ويغلبها أي أن تتجدَّد طبيعته… وفي هذا السِّياق، فإنَّ قَوْلَ الرَّسول بولس “مع المسيح صُلِبْتُ”، ليس مجرَّد صورة شعريَّة، بل إعلان عن تحوُّلٍ جذريّ: موت الإنسان العتيق بكلِّ شهواته وأهوائه، وقيام إنسان جديد يحيا بالمسيح ويسلُك بروحه القدُّوس إعلانًا للخليقة الجديدة بالمسيح يسوع. لذلك، يقول القدِّيس سلوان الآثوسيّ: “حين يسكن المسيح في القلب، يَصير الصَّليب فرحًا، والموت عن الذَّات حياةً، لأنَّ النَّفْس تجد سلامها في محبَّةِ المصلوب”، رابطًا بين الصَّليب والحياة الجديدة في المسيح وموضحًا، أنَّ الصَّليب هو جوهر حياة المؤمن في هذا العالم…

*             *             *

يا أحِبَّة، إيماننا ليس أفكارًا نظريَّة وعقائد فلسفيَّة، بل حياة. فالمؤمن يحيا كلَّ يومٍ في سرِّ الذِّكرى أنَّ المسيح أحبَّه وبذل نفسه لأجله مِنْ خلال عيشه لوصِيَّة الرَّبّ واتِّحاده بالمسيح في نعمة الرُّوح القدس بالصَّلاة وجهاد التَّنقية والمحبَّة الفاعلة بالإيمان والأسرار المقدّسة. وفي هذا يكتب المطران جورج خضر: “الإيمان ليس فكرة نعتنقها، بل هو شخص نحيا فيه. أن تقول: أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ، يعني أن تتخلَّى عن عَرْشِكَ الدَّاخليّ ليجلس عليه الرَّبُّ”، وهذه دعوة لأن يكون الإيمان علاقة حيَّة مع إلهٍ حَيّ وليس مجرَّد عقيدة وتعليم نظريّ، وأنَّ الإيمان هو في أن يصير القلب أرض الله ويصير الله ملك حياتنا وسيِّدها…

المقطع الرَّسائليّ في هذا الأحد يَدعونا أن نُراجع مسيرة حياتنا: هل نبني بِرَّنا على أعمالنا، أم على إيماننا بالمسيح الحَيّ فينا؟ التَّبرير بالإيمان لا ينفصل عن الجهاد الرُّوحيّ، بل يضعه في إطاره الصَّحيح: جهادٌ نابع من الشُّكر لله الَّذي أحبَّنا وبذل ابنه الوَحيد حتَّى الموْت لأجل خلاصنا، لكَيْمَا بقُوَّةِ حياته العاملة فينا أي بقُوَّةِ غلبته على الصَّليب وقيامته من بين الأموات نَحْيَا سِرَّ الحياة الجديدة برُوحِه القدُّوس…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة