Menu Close

الأحد قبل عيد ميلاد المسيح (أحد النَّسَبة)

العدد 51

الأحد 21 كانون الأوَّل 2025

كلمة الرّاعي 

أحد النَّسَبة: حين يلتقي تاريخ البشر بوعد الله

في الأحد السَّابِق للميلاد، تقودنا الكنيسة إلى تأمُّل مزدوج: إنجيل نَسَب ربِّنا يسوع المسيح بالجسد الَّذي يفتتح به متّى إنجيله، والرِّسالة إلى العبرانيّين الَّتي ترفع أنظارنا إلى “سحابة الشُّهود” الَّذين عاشوا الإيمان قبل مجيء المسيح. هذان النَّصَّان، اللَّذان يُتليان علينا، يشكِّلان معًا لوحة واحدة: تاريخ الخلاص الَّذي يكتبه الله عبر أجيال من البشر، الضُّعفاء منهم والأقوياء، الأبرار والتَّائبين، الأنبياء والملوك، الرِّجال والنِّساء.

 يبدأ متَّى إنجيله بعبارة لاهوتيَّة عميقة: “كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم”. بهذه الكلمات، يربط الإنجيليّ بين المسيح وبين إبراهيم وداود، أي بين الوَعد والتَّحقيق، بين الصُّورة والمثال، بين سلالة السُّقوط وسلالة الملكوت. سلسلة النَّسَب ليست لائحة أسماء، بل إعلان أنَّ الله يدخل الزَّمَن، ويقدِّس التَّاريخ، ويُحَوِّل مَسيرةً بشريَّة مليئةً بالتَّقلُّبات إلى طريقٍ يَقود نحو ثباتِ الله في تحقيق وعده إلى بيت لحم حيث يولد مسيح الرَّبّ. إنَّ ذِكْرَ هؤلاء الأشخاص يُظهر أنَّ الله لا يخجل من أنْ يكون إلهًا لبشرٍ يحملون ضعفًا، بل يرفع ضعفهم ليصير موضعًا لعمله، هو لا يتخلَّى عن جبلة تَخَلَّتْ عنه بل يجعلها امتدادًا لتَدبيره الخَلاصيّ وتحقيقًا له.

وتأتي الرِّسالة إلى العبرانيّين لتُضيء على هذا النَّسَب من زاوية أخرى تتعلَّق بالإيمان… فإبراهيم، الَّذي يَفتتح سلسلة متَّى، هو أيضًا أوَّل شاهد في سلسلة الإيمان: “بالإيمان نزل إبراهيم في أرض الموعد نزولَه في أرض غريبة… لأنّه انتظر المدينة ذات الأسُس الَّتي الله صانعها وبارئها”. إنجيل النَّسَب يقدِّم إبراهيم كأصلٍ جسديّ للمسيح، أمّا الرِّسالة فتكشف أنّه أصل روحيّ لكلّ المؤمنين في انتظارهم لتحقيق وَعد الرَّبّ بالخلاص من خلال نسله أي المسيح الَّذي هو الغاية وهو الأصل في الحقيقة لا إبراهيم. تَغَرُّبُ إبراهيم الجغرافيّ يصير رمزًا لتغرُّب الإنسان الاختياريّ في طاعة الله عن كلِّ ما يفصله عن الرَّبّ.

*             *             *

يذكر إنجيل متّى داود وسليمان والأنبياء، ويذكر أيضًا نساءً مثل راحاب وراعوث، ليُظهِر أنَّ تاريخ الخلاص ليس خطًّا مستقيمًا، بل مسيرةَ نعمةٍ تعمل في بشرٍ متنوِّعين منهم الأبرار ومنهم الخاطئين، ولكنَّهم جميعًا من التَّوَّابين… وتأتي الرِّسالة إلى العبرانيِّين لتُكمل الصُّورة: “وماذا أقول أيضًا؟ إنَّه يضيق بي الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون”، هؤلاء الَّذين “بالإيمان قَهروا الممالك… وسَدُّوا أفواه الأسود… ورُجِموا ونُشِروا…”. إنجيل النَّسَب يقدِّم سلسلة الجسد، والرِّسالة تقدِّم سلسلة الرُّوح، الأوَّل يَقود إلى ميلاد المسيح في الجَسَد، والثَّاني يَقود إلى ميلاده في القلب، أي المماثِلُون لأولئك الَّذين “لم يقبلوا النَّجاة ليحصلوا على قيامةٍ أفضل”. هؤلاء هم قمَّة النَّسَب الرُّوحيّ، لأنَّهم عاشوا الإيمان حتَّى بذل الذَّات لأجل استقامة الإيمان لأنَّ الشَّهادة هي اكتمال الإيمان، كونها تقدمة الإنسان حياته بالكلِّيَّة لله. فالمسيح جاء من نسلٍ جسديّ ليُدخلَنا في نسله الرُّوحيّ الَّذي هو نسل المؤمنين به… أبناء الملكوت العَتيد…

*             *             *

يا أحِبَّة، في هذا الزَّمَن اللِّيتورجيّ، وبينما نستعدُّ لعيد ميلاد ربِّنا وإلهنا ومخلِّصنا بالجسد من البتول القدِّيسة مريم، وفي وَطَنٍ يَرْزَح تحت الأزمات، تذكِّرنا الكنيسة المقدَّسة بأنّ الله يعمل في التَّاريخ مهما كان مثقّلًا بالآلام. وكما قاد الله في القديم الأجيال من إبراهيم إلى داود، ومن داود إلى السَّبي، ومن السَّبي إلى المسيح، كذلك يقودنا في وسط الظُّلمة نحو نورٍ جديد، ومن الموت إلى الحياة شرط أن نلجأ إليه ونحبَّه فنسلِّمَه مشيئتنا… وكما استخرج الله من الخطيئة بِرًّا فهو قادرٌ أن يُخرج خلاصًا من قلب الفَوْضى، وخيرًا من الأشرار، وأن يشرق نورًا في أرضٍ مظلمة ومتعبة، كما أشرق نور بيت لحم في نجم دَلَّ المجوس على نور العالم في زمن ظلام قلب هيرودس…

وفي مسيرتنا نحو هذا الميلاد، نُصَلِّي كي يولَد المسيح في قلوب طالبيه شافيًا جراح المتألِّمين، وتعبهم، وخوفهم، ومشدِّدًا صمودهم، ومغذِّيًا تَوْقَهم إلى عالم «ذو أسُسٍ» ثابتة على الحَقّ والعدالة والرَّحمة.

أيُّها الأحبّاء، نسمع في إنجيل اليوم أسماء كثيرة، لكنَّ الكنيسة تنتظر أن يُكتب اسم كلُّ واحدٍ مِنّا في نسب الإيمان من خلال تجديد الحياة بالتَّوبة وتمجيدها بالمحبَّة وتثبيتها بالتَّواضع. فلنقترب من مغارة الميلاد حاملين معنا تاريخنا، وجراحنا، ورجاءنا، واثقين أنَّ الرَّبَّ الَّذي دخل تاريخ البشر لن يترك تاريخنا، وأنَّ الَّذي وُلد في مذود قادر أن يولَد في قلب كلّ إنسان يطلبه بإيمانٍ ودُموع ورجاء وتوبة… ليجعله خليقةً جديدةً… على صورة الَّذي صَوَّر الإنسان في البدء…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة