أحد الأجداد القدِّيسين
العدد 50
الأحد 14 كانون الأوَّل 2025
كلمة الرّاعي
أحد الأجداد: “اِخلَعوا الإنسان العتيق… والْبَسوا الجديد“
في هذا الأحد الثَّاني قبل عيد الميلاد، تضع الكنيسة أمامنا سلسلة الَّذين سبقوا المسيح من أصحاب العهد والأنبياء والأبرار والصِّدِّيقين، الَّذين كانوا أمناء للوعد الإلهيّ، مُنتظرين مَجيء المخلِّص. فهؤلاء الآباء، من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى موسى إلى داود، ومن الأنبياء إلى الصِّدِّيقين، هم رجال إيمان عاشوا رجاء الظُّهور الإلهيّ، وسلكوا بحسب “الإنسان الجديد” حتّى قبل أن يُستعلن بالكامل في المسيح بالإيمان والتَّوبة والطَّاعة.
وفي هذا الإطار، رتَّبتْ الكنيسة أن تُتلى الرِّسالة إلى أهل كولوسي (3: 4 – 11) حيث يخبرنا الرَّسُول بولس بأنَّه “متى ظهر المسيح الَّذي هو حياتنا، فأنتم أيضًا تظهرون معه في المجد”. هذا الظُّهور الَّذي يتحدّث عنه الرَّسُول هو نفسه الَّذي نحتفل به في ميلاد الرَّبّ. فالطّفل المولود في المغارة هو “ظهور” الله في الجسد، كما يقول القدِّيس أثناسيوس الكبير: لقد صار الله إنسانًا لكي يَصير الإنسان إلهيًّا بالنِّعمة، وتاليًا فإنَّ ميلاد الرَّبّ هو تحقيق لتمجيد الإنسان في الله بيسوع المسيح ابن الله المتجسّد.
* * *
إنَّ الأجداد الَّذين نُعَيِّد لهم في هذا الأحد عاشوا على رجاء هذا الظُّهور، وحين وُلِدَ الرَّبّ عاينوا بالرُّوح هذا السِّرّ كما قال يسوع: “أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ” (يو 8: 56). كانوا ينتظرون “الحياة” الَّتي ستُعطى للعالم، والحياة تجسَّدَتْ في المسيح والَّذي هو تمجيدنا في الله. فالميلاد ليس حَدَثًا تاريخيًّا فقط، بل هو بداية مجد الإنسان الجديد. هذا الإنسان الجديد يتحقَّق بإماتة أعمال الجسد: الزِّنَى، النَّجاسة، الهوى، الطَّمَع… الَّتي ليست أعمالًا أخلاقيَّة، بل هي دعوة إلى تحوُّلٍ جذريّ في الحياة. فالآباء الَّذين نحتفل بهم لم يكونوا كاملين، لكنَّهم كانوا تائبين، مجاهدين، ساعين إلى الله.
يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: “الآباء لم يخلُصوا بأعمالهم فقط، بل بإيمانهم الَّذي جعلهم يرفضون الإنسان العتيق”. إنَّ إماتة الأهواء هي الطَّريق الَّذي سلكه إبراهيم حين ترك أرضه، وداود حين تاب، والأنبياء حين حملوا كلمة الله في عالم مُعانِد. وهكذا يصبح أحد الأجداد دعوة لنا لنعيش الإيمان كما عاشوه: إيمانًا فعّالًا، يرفض الخطيئة ويحاربها ويطلب وجه الله.
* * *
أن نخلع الإنسان العتيق ونلبس الإنسان الجديد “الَّذي يتجدَّد للمَعْرفة على صورة خالقه” هو قلب لاهوت الميلاد: فالمسيح لم يولَد فقط ليُظهِر الله في الجسد، بل ليجعلنا نحن قادرين على أن نولد من جديد فيه ولكي يُتْحِدَ الإنسان بالله. يقول القدِّيس غريغوريوس النِّيصُصي: “كما أنَّ آدم القديم وُلد من الأرض، هكذا الإنسان الجديد يولد من السَّماء في المسيح”. إنَّ هذا التَّجدُّد يتحقَّق عبر الأجيال من خلال النُّموّ في معرفة الله الَّتي كانت تتعمّق جيلًا بعد جيل قبل المسيح، وهكذا كان كلُّ واحدٍ من الآباء خطوة نحو اكتمال الصُّورة في المسيح، أمّا اليوم فكلُّ واحدٍ من المؤمنين مدعوٌّ ليَصير “صورة خالقه” عبر التَّوبة والمحبَّة والاتِّحاد بالرَّبّ. لذلك، في المسيح تزول الفوارق، وتُخلق عائلة البشريَّة الجديدة. فالأجداد الَّذين نُعَيِّد لهم هم الأجداد بالوَعد وبِرّ التَّوبة ففيهم أبرارًا وخطأة، ملوكًا وبُسَطاء، رجالًا ونساءً، يهودًا وأمميّين. وفي هذا يقول القدِّيس إيريناوس أسقف ليون: “المسيح جمع في نفسه البشريَّة كلّها، ليُعيدها إلى الآب”.
* * *
يا أحبَّة، إنَّ الكنيسة تحضِّرنا من خلال هذا الأحد إلى سِرِّ وَحدة العائلة البشريَّة الَّتي قبل المسيح وبعده، والَّتي تجد معناها الحقيقيّ في ميلاد الرَّبّ يسوع المسيح، حيث يصبح “المسيح هو كلّ شيء وفي الجميع”. فهذه الذِّكرى هي إعلان بأنَّ تاريخ الخلاص هو تاريخ تجدُّد الإنسان. وفي ضوء كلام الرَّسُول بولس، نفهم أنَّ الميلاد هو ظهور الحياة الجديدة، وأنَّ الأجداد الَّذين انتظروا تحقيق وَعْد الله بالخلاص هم شُهود هذا الظُّهور عبر الإيمان والطَّاعة، وأنَّنا مدعوُّون لخلع الإنسان العتيق ولبس الجديد بالتَّوبة، وأنَّ العائلة الجديدة الَّتي وُلدَتْ في المسيح تشمل البشريَّة كلّها المدعوَّة إلى خلاصه.
أيُّها الأحبّة، فلنستعدّ لاستقبال ميلاد الرَّبّ بقلوبٍ تتجدَّد، ولنَسِرْ في خطى الأجداد والآباء الَّذين سبقونا بالإيمان وهم قبل الشَّريعة وبعدها، لكي “نظهر معه في المجد” عندما يكتمل ظهور المسيح في حياتنا والولادة المستمرَّة فيه بالنِّعْمَة في التَّوبة حتّى يُستَعلن مجده بنا في العالم للخلاص…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما