نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (12) بعد العنصرة
العدد 35
الأحد 31 آب 2025
اللّحن 3- الإيوثينا 1
أعياد الأسبوع: *31: تذكار وضع زنّار والدة الإله *1: الأنديكتي (ابتداء السَّنة الكنسيَّة)، تذكار جامع لوالدة الإله في مياسينا، البارّ سمعان العموديّ، الصِّدِّيق يشوع بن نون، الشَّهيد إيثالا، القدِّيسات النِّسوة الأربعين ومعلّمهنَّ عمون الشّماس، القدِّيسة الشّهيدة كاليستي وأخويها *2: الشَّهيد ماما، القدِّيس يوحنّا الصّائم بطريرك القسطنطينيّة *3: الشَّهيد في الكهنة أنثيمُس، البارّ ثيوكتيستوس، القدِّيسة فيڤي (تلميذة الرَّسول بولس)، نقل عظام القدِّيس نكتاريوس *4: الشّهيد بابيلا أسقف أنطاكية وتلاميذه الثّلاثة، النّبيّ موسى *5: النّبيّ زخريّا والد السّابق *6: تذكار أعجوبة رئيس الملائكة ميخائيل في كولوسّي.
كلمة الرّاعي
بدء السَّنة الكنسيَّة الأرثوذكسيَّة: تجديد الخليقة وعيد البيئة
في الأوَّل من أيلول، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسيَّة ببدء السَّنة الكنسيَّة، المعروف باسم الأنديكتي، وهي كلمة يونانيَّة تعني "الإعلان" أو "الحدّ"، وقد ارتبطت تاريخيًّا بجباية الضَّرائب في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة، لكنَّها في الكنيسة أصبحت رمزًا لبداية زمنٍ مقدّس جديد، زمن نعمة وتجديد، فالزَّمن يأخذ قيمته من ثمار القداسة الَّتي يجتنيها الإنسان خلال مسيرته إلى الملكوت. الزَّمن هو زمن الملكوت منذ الآن، في الكنيسة، وإلَّا لا يكون المسيح قد أتى ولا الخلاص قد تحقَّق، وتاليًا الرُّوح القدس لم يأتِ...
في هذا اليوم، تدعونا الكنيسة إلى التَّأمُّل في بداية الخليقة كما وردت في سفر التَّكوين، حيث يقول الكتاب: "في البدء خلق الله السَّماوات والأرض" (تكوين 1: 1)، ويتابع ليصف لنا كيف فصل الله النُّور عن الظُّلمة، واليابسة عن المياه، وزرع الحياة في الأرض، ثمَّ خلق الإنسان على صورته ومثاله (تك 1: 26) ووضعه في "جنّة عدن ليعملها ويحفظها" (تك 2: 15). هذا التَّرتيب الإلهيّ للخليقة يذكّرنا بأنَّ الزَّمن نفسه هو عطِيَّةٌ من الله، وأنَّ كلّ سنة جديدة هي فرصة لتجديد علاقتنا بالخالق، وللعودة إلى النَّقاوة الأولى الَّتي خُلق فيها الإنسان وإلى الحياة مع الله بالرُّوح القُدس الَّتي اُعطِيَتْ له عند الخلق بنفخة روح الله في أنف المجبول من الطِّين.
* * *
الآباء القدِّيسون رأوا في الإنسان كونًا مصغَّرًا (microcosmos)، إذ يجمع في كيانه بين المادَّة والرُّوح، بين الأرض والسَّماء. القدِّيس غريغوريوس النَّزينزيّ يقول: "الإنسان هو خليقة مزدوجة، جسد من الأرض وروح من السَّماء، وهو مدعو لأن يقدِّس الخليقة كلَّها من خلال حياته في الله." في هذا السِّياق، يصبح بدء السَّنة الكنسيَّة دعوة للإنسان ليُعيد ترتيب حياته بحسب مشيئة الله، أي ليُقدِّس الخليقة بتقديس ذاته حين يصير هيكلًا للرُّوح القُدس أي هيكلًا للرَّبّ، كما يقول الرَّسول بولس: "أما تعلمون أنَّكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟" (1 كورنثوس 3:16). فالكَوْن يتقدَّس بالإنسان والكَوْن يُدمِّر بالإنسان، ولذلك كان لسقطة آدم وحواء أثرًا تقسيميًّا على الإنسان في نفسه وبين البشر وعلى الخليقة (راجع تك 3).
بناءً عليه، ومنذ عام 1989، خصّص البطريرك المسكونيّ برثلماوس الأوَّل هذا اليوم لِيَكُون أيضًا عيدًا للبيئة، في دعوة روحيَّة وأخلاقيَّة لحماية الخليقة الَّتي أودعها الله بين أيدينا. فالخليقة ليست مجرَّد موارد تُستغلّ، بل هي أيقونة إلهيَّة تُحتَرم وتُصان، وهي مرتبطة بطبيعة الإنسان ووجوده ارتباطًا جوهريًّا، كيانيًّا وروحيًّا. فما وصيّة الرّبّ للإنسان بأن يعمل في الأرض ويستثمرها لتُنتج غلَّات وخيرات وأن يحفظها من أي أذًى أو ضرر (راجع تكوين 2:15) سوى وصيّة وأمانة ورسالة مطلوب من الإنسان الالتزام بها لتقديس حياته وهي تعبير عن حبّه لله وطاعته وشكره، وهذه هي صورة عيشه لسرّ كهنوته الملوكيّ حين يتقبّل الخليقة عربون حبّ من الخالق ويردَّها له ثمارًا عربون شكر وتمجيد وذبيحة تسبيح. من هنا، "العمل" و"الحفظ" للأرض هما دعوة دائمة للإنسان ليكون وكيلًا أمينًا على الأرض، يرفعها من جمال إلى جمال ومن حُسن إلى حُسن، لا مستغلًّا لها ومدمِّرًا إيّاها.
* * *
يا أحبَّة، ترى الكنيسة في السَّنة اللِّيتورجيَّة ليس فقط تذكارًا لأحداث الخلاص، بل خبرة اتِّحادٍ روحيّ وكَوْنيّ في المسيح تجعل كلّ عضو جزءًا من مصير الخليقة والكَوْن لأنَّ الكنيسة هي جسد المسيح، وهي الكَوْن الجَديد وملكوت السَّماوات الآتي والحاضر في آن... لذلك، فالاحتفال في رأس السَّنة الكنسيَّة هو لتذكير الإنسان في مكانه الصَّغير (البيت، الرَّعِيَّة، العمل، إلخ.) أنَّه كَوْنٌ صغير مَدعو في المسيح وبه أن يُحوِّل العالم إلى "خليقة جديدة" (2 مو 5: 17) بحسب دعوة الرَّسول بولس: "اخلعوا الإنسان العتيق مع أعماله والبسوا الإنسان الجديد الَّذي يتجدَّد للمعرفة على صورة خالقه" (كو 3: 9-10).
يُلاحَظ في خدمة رأس السَّنة الحضور المميَّز للرُّموز الزِّراعيَّة والبيئيَّة مِنْ خلال تقديم البخُّور، طلبات المطر، ذكر المواسم والأثمار والأشجار والحصاد، ما ينعكس في التَّسابيح والتَّرانيم بلغة شكرٍ لله وطلب البركة للمواسم والأجيال القادمة. هذه الصَّلوات ليست "تراثًا فولكلوريًّا"، بل شهادة على مدى اتِّحاد العبادة بالحياة اليوميَّة والطَّبيعة وأنَّ الحياة الحقيقيَّة هي ليتورجيا مستمرَّة.
فلنبدأ هذه السَّنة الجديدة بالصَّلاة والتَّوبة، طالبين من الله أن يبارك أيَّامنا، ويجدِّد فينا صورة الإنسان الجديد، ويمنحنا نعمة أن نحيا في انسجامٍ مع الخليقة، حاملين في قلوبنا سلامَ المسيح، ومجدِّدين عهدنا مع الله، خالق الزَّمن والحياة.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة (باللَّحن الثَّالث)
لِتفرحِ السَّماوِيَّات. ولتَبتَهِجِ الأرضِيَّات. لأنَّ الرَّبَّ صنعَ عِزًّا بساعِدهِ. ووَطِئَ المَوْتَ بالمَوْت. وصارَ بِكرَ الأموات. وأنقذَنا من جَوفِ الجحيم. ومَنَحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريّة وضع زنَّار والدةالإله (بِاللَّحْنِ الثَّامن)
يا وإلدة الإله الدَّائمة البتوليَّة وستر البشر، لقد وهبتِ لمدينتكِ، ثوبكِ وزنَّار جسدكِ الطَّاهر وشاحًا حريزًا، اللَّذَيْن بمولدكِ الَّذي بغير زرعٍ قد استمرَّا بِلا فسادٍ، لأنّه بكِ تتجدَّد الطَّبيعة والزَّمان، فلذلك نبتهلُ إليكِ أن تمنَحي السَّلامة لمدينتكِ، ولنفوسِنا الرَّحمَة العُظمى.
قنداق وضع زنّار والدة الإله (بِاللَّحْنِ الثَّاني)
إِنَّ زَنَّارَكِ الـمُكَرَّمَ الَّذي أَحَاطَ بَطْنَكِ القَابِلَ الإِلَهَ، قَدِ اتَّخَذَتْهُ مَدِينَتُكِ عِزًّا لا يُحَارَبُ، وَكَنْزًا لِلصَّالِحَاتِ لا يُسْلَبُ، يَا وَالِدَةَ الإِلَهِ الدَّائِمَةَ البَتُولِيَّةِ وَحْدَكِ.
الرّسالة (عب 9: 1- 7)
تعظّم نفسي الرَّبَّ
لأنّهُ نظر إلى تواضع أمَتِهِ
يَا إِخْوَةُ، إِنَّ العَهْدَ الأَوَّلَ كَانَتْ لَهُ فَرَائِضُ العِبَادَةِ وَالقُدْسُ العَالَمِيُّ لِأَنَّهُ نُصِبَ الـمَسْكِنُ الأَوَّلُ الَّذي يُقَالُ لَهُ القُدْسُ، وَكَانَتْ فِيهِ الـمَنَارَةُ وَالـمَائِدَةُ وَخُبْزُ التَّقْدِمَةِ. وَكَانَ وَرَاءَ الحَجِابِ الثَّانِي الـمَسْكِنُ الَّذي يُقَالُ لَهُ قُدْسُ الأَقْدَاسِ، وَفِيهِ مُسْتَوْقَدُ البَخُورِ مِنَ الذَّهَبِ وَتَابُوتُ العَهْدِ الـمُغَشَّى بِالذَّهَبِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فِيهِ قِسْطُ الـمَنِّ مِنَ الذَّهَبِ وَعَصَا هَرُونَ الَّتي أَفْرَخَتْ وَلَوْحَا العَهْدِ، وَمِنْ فَوْقِهِ كَارُوبَا الـمَجْدِ الـمُظَلِّلانِ الغِطَاءَ. وَلَيْسَ هُنَا مَقَامُ الكَلامِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاً. وَحَيْثُ كَانَ ذَلِكَ مُهَيَّأً هَكَذَا، فَالكَهَنَةُ يَدْخُلُونَ إِلَى الـمَسْكِنِ الأَوَّلِ كُلَّ حِينٍ فَيُتِمُّونَ الخِدْمَةَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّـمَا يَدْخُلُهُ رَئِيسُ الكَهَنَةِ وَحْدَهُ مَرَّةُ فِي السَّنة لَيْسَ بِلا دَمٍ يُقَرِّبُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ جَهَالاتِ الشَّعْبِ.
الإنجيل (مت 19: 16- 24) (متّى 12)
فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دَنَا إِلَى يَسُوعَ شَابٌّ، وَجَثَا لَهُ قَائِلًا: أَيُّهَا الـمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ مِنَ الصَّلاحِ لِتَكُونَ لِيَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟ فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا، وَمَا صَالِحٌ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ؟ وَلَكِنْ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ الحَيَاةَ، فَاحْفَظِ الوَصَايَا. فَقَالَ لَهُ: أَيَّةُ وَصَايَا؟ قَالَ يَسُوعُ: لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرُقْ، لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ، أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، أَحْبِبْ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. قَالَ لَهُ الشَّابُّ: كُلُّ هَذَا قَدْ حِفْظْتُهُ مُنْذُ صِبَائِي. فَمَاذَا يَنْقُصُنِي بَعْدُ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا، فَاذْهَبْ وَبِعْ كُلَّ شَيْءٍ لَكَ وَأَعْطِهِ لِلْمَسَاكِينِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي. فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ هَذَا الكَلامَ مَضَى حَزِينًا لِأَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ. فَقَالَ يَسُوعُ لِتَلامِيذِهِ: الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَعْسُرُ عَلَى الغَنِيِّ دُخُولُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مُرُورَ الجَمَلِ مِنْ ثِقْبِ الإِبْرَةِ لَأَسْهَلُ مِنْ دُخُولِ غَنِيٍّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. فَلَمَّا سَمِعَ تَلامِيذُهُ بُهِتُوا جِدًّا، وَقَالُوا: مَنْ يَسْتَطِيعُ إِذًا أَنْ يَخْلُصَ؟ فَنَظَرَ يَسُوعُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ لَـهُمْ: أَمَّا عِنْدَ النَّاسِ فَلا يُسْتَطَاعُ هَذَا، وَأَمَّا عِنْدَ اللهِ فَكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ.
حول الإنجيل
يُخبرُنا الإنجيليّ متّى أنَّ هذا الشَّاب كان غنيًّا ورئيسًا لمجمع اليهود أو عضوًا في السّنهدريم، لكنَّه كان صادقًا في سؤاله للمسيح: "أيُّها المعلّمُ الصَّالحُ أيَّ صلاح أعملُ لتكونَ لي الحياةُ الأبديَّةُ؟".(متى 16:19). إنَّه شابٌ تقيٌّ يَسعى بصدقٍ إلى الملكوت بعكس الفَرِّيسيّين المنتفخين ببرّهِم الذّاتيّ والمتكبّرين الَّذين يَعتبرون أنفسَهم معلّمين ومُستنيرين. لكنَّنا نجدُ أنَّ هذا الشَّاب الغنيّ الَّذي جمعَ بين الدِّين والدُّنيا، بين الحاضر والآخِرة، بين الله والمال، لم يتلوَّثْ بمجادلاتِ الفَرِّيسيّين العقيمة، بل سعى لنموّه الرُّوحيّ ومعرفة الحَقّ والتَّقوى الحقيقيَّة. طلب الرَّبّ يسوع منه أوّلًا الالتزام بالوصايا فأجاب الشَّاب حفظتُها منذ حداثتي "فماذا يعوزني بعد" (مت 19: 20). لذلك أحبَّهُ الرَّبّ وعرفَ نقاط ضعفِه، فجذبَ قلبَه ليتركَ كلَّ ما يمنعهُ عن الالتصاقِ والثِّقةِ والإيمانِ به والاعتراف أنَّه هو اللهُ الصَّالحُ وحدَه. أراد الرَّبّ أن يُصَيِّرَ هذا الشَّاب تلميذًا له، كاملًا، لذا قال له: "اذهبْ وبعْ أملاكَك وأعطِ الفقراء فيكون لك كنزٌ في السَّماءِ وتعالَ اتبعني" (مت 21:19).
حزنَ هذا الشَّاب فورًا لأنَّه كان ذا أموالٍ كثيرة. طلبَ منهُ الرَّبّ أن يُعْطي الفقراء والمحتاجين دون خوفٍ من المستقبل، لأنَّ اللهَ هو وحدَهُ مدبرٌ وضامنٌ للمستقبل. لم يَقلْ الرَّبّ أنَّ ألأغنياءَ لن يدخلوا أبدًا إلى ملكوتِ السَّموات بل قال: "إنَّ مرورَ جملٍ من ثَقْبِ إبرةٍ أيسَرُ من أنْ يَدخُلَ غنيٌّ إلى ملكوتِ الله" (مت 23:19). أيْ أنَّ الجملَ بسبب تأخُّرِه لا يستطيع المرور من البابِ الرَّئيسيّ الواسِعِ بل من البابِ الصَّغيرِ الضَّيِّق، فيَرْكَع على رُكبيتهِ وتُفرغ حمولَته ويُجَّر ويُدفع إلى داخلِ بابِ سورِ أورشليم الكبير. هكذا أيضًا الغنيّ لا يدخل ملكوتَ الله إلَّا إذا تواضعَ وآمنَ أنهُ هو مؤتمنٌ على خيراتهٍ وليس مالكًا لها. لأنَّ اللهَ هو المالكُ والواهبُ الوحيدُ لكلِّ الخيراتِ والنِّعَم. إنَّ النِّعْمَةَ الإلهيَّةَ تدفعُ وتُساعدُ الغنيّ بإفراغِ قلبِهِ من حبِّ المادِّيَّاتِ إلى حبِّ الكنزِ السَّماوي. وهكذا المسيحيّ الغنيّ الَّذي يشكرُ الله على كلِّ خيراته ويتَّكل عليه، يُعطي بمحبَّةٍ وسخاءٍ. لذلك كلّ ما هو غير مُستطاع لدى النَّاس مُستطاع لدى الله.
السَّنة الجديدة
في الأوّل من أيلول، تبدأ الكنيسة سنتها الجديدة. لا تحتفل بهذه البداية كتقويم، بل تعيشها كمدخل إلى الزَّمن الخلاصيّ، إلى “الآن” الَّذي فيه يسكن الله. ليست البداية هنا رقمًا جديدًا نعلّقه على الجدران، بل نَفَسًا جديدًا للرُّوح، زمنًا يتهيَّأ ليصير حاملًا لحضور المسيح.
يقولُ المطران جورج خضر: “الزَّمن في الكنيسة هو مسيرة نحو الملكوت، لا مُجرَّد تتابُع أيّام”. هذا هو عمق فكره، حيث الزَّمن لا يُقاس بالسَّاعات، بل بالتَّحوُّل، بالنِّعْمَة، بالمحبَّة. كلُّ لحظةٍ تُعاش في المسيح تتحوَّل إلى أبديَّةٍ صغيرة.
السَّنة الكنسيَّة، بتقاليدها وأعيادها وأناجيلها، ليست تكرارًا شكليًّا لمسيرة اللِّيتورجيا، بل دعوة دائمة إلى أن نعود ونسكن في الإنجيل. هي مدرسة يوميَّة للقدَاسة، تُعيد تَشكيل القلب والذِّهن، وتدرّبنا على أن نرى العالم بعيون الله. هنا لا يكون الزَّمن عبئًا نُلاحقه، بل موهبة نُقدِّسها.
في منطق هذا الفكر، الزَّمن ليس مُحايِدًا. هو إمَّا يُقدَّس أو يُدنَّس، إمَّا يتحوَّل إلى مجالٍ للقيامة أو يتحجَّر في العادة والتَّكرار. لذلك يقول المطران خضر: “الوقت الَّذي لا يُعاش في المحبَّة هو وقتٌ ضائع”. فالمعيار ليس في الإنجاز الظَّاهريّ، بل في نوعيَّة الحُضور، في امتلاء اللَّحظة من وجه الله.
تفتتح الكنيسة سنتها بطلب المطر والبركة على الأرض، في تقليدٍ يُشير إلى حاجة الإنسان العميقة إلى العطيَّة من فوق. نحن لا نبدأ لأنَّنا أقوياء، بل لأنَّنا نؤمن أنَّ الله يفتتح الزَّمان معنا، ويمشي في دروبنا، مهما كانت قاحلة. البداية الكنسيَّة ليست احتفالًا بقدرتنا على التَّنظيم، بل إعلانًا أنَّنا لا نريد أن نعيش دقيقةً واحدةً خارج النِّعْمَة.
أمام هذا الإدراك، تبدو كلّ رعيَّة مَدعُوَّة إلى أن تُعيد النَّظر في مفهومها للزَّمن الرَّعويّ. هل نحن نُعِدُّ الأنشطة أم نُهيّئ القلوب؟ هل نملأ الرُّزنامات أم نبني جسور الشَّرِكة؟ السَّنة الكنسيَّة لا تُقاس بعدد الاحتفالات بل بِكَمِّ الحُبِّ الَّذي فيها، وبالصِّدق الَّذي نَحياه في خدمة الله والنَّاس.
فلنبدأ هذه السَّنة الجديدة بخشوع المبتدئين، برجاء الَّذين تعبوا من الزَّمن العقيم، وبرغبة الَّذين يريدون أن يصير كلّ يومٍ إنجيلًا جديدًا يُكتَب في قلوب البشر. ولتكن صلاتنا:
“يا ربَّ الأزمنة، بارِك هذا الزَّمن الجديد، واجعلنا فيه أبناءً للنِّعمة لا للعادة، وشُهودًا لِنُورِكَ في هذا العالم".