Menu Close
310526

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

أحد العنصرة العظيم    

العدد 22

الأحد 31 أيَّار 2026

أعياد الأسبوع: *31: صلاة السَّجدة، الشَّهيد هرميوس *1: إثنين الرُّوح القدس، الشَّهيد يوستينوس الفيلسوف *2: القدِّيس نيكيفورس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيَّة *3: الشَّهيد لوكليانوس، الشَّهيدة بافلا *4: القدِّيس مِطْروفانِس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، القدِّيستان مريم ومرتا أختا لعازر *5: الشَّهيد دوروثاوس أسقف صور *6: وداع عيد العنصرة، القدِّيس إيلاريّون الجديد رئيس دير الدلماتن، الشَّهيد غلاسيوس.

كلمة الرّاعي 

عيد العنصرة: نفخة الرُّوح وحياة الكنيسة

"ولما قال هذا نفخ وقال لهم: خذوا الرُّوح القُدس" (يو 20: 22)

يتجسَّد في عيد العنصرة سرٌّ مركزيّ من أسرار الإيمان المسيحيّ: هو انسكاب حياة الله في وسط الكنيسة، وولادة الجماعة المقدَّسة بقوَّة الرُّوح القُدس. العنصرة هي لحظة تأسيسيَّة، تربط بين الخَلْق الأوَّل وبين الخَلْق الجديد في المسيح، وتُعلن أنَّ الكنيسة لا تحيا إلَّا بنفخة الرُّوح القُدس. ففي يوم العنصرة، كما تُخبرنا أحداث سِفْرِ أعمال الرُّسُل (أع 2)، حلَّ الرُّوح كألسنةٍ ناريَّةٍ على التَّلاميذ، ومَنَحَهُم لغةَ الصَّلاة والشَّهادة والقدرة على محبَّة العالم بلا حدود. هذه النَّفخة الإلهيَّة ليست ذكرى لمرَّةٍ واحدةٍ فحسب، بل واقعٍ سِرِّيٍّ يتواصل في كلِّ ليتورجيا وكلِّ سِرٍّ من أسرار الكنيسة.

الكتاب المقدَّس يربط بين وَعْد الله بأنْ يسْكُبَ روحَهُ "على كلِّ بَشَر..." (يوئيل 2:28-29) ووعد المسيح: "وأنا أطلب من الآب فيُعطيكم مُعَزِّيًا آخَر لِيَمْكُثَ معكم إلى الأبد" (يوحنا 14:16). وقد رأى القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم في العنصرة اكتمال الوعد المسيانيّ، إذْ قال: "اليوم صار الرُّوح ساكنًا فينا، لا كزائر بل كساكنٍ دائم" (تفسير أعمال الرُّسُل). أمَّا القدِّيس غريغوريوس النَزِيَنْزِي فأكَّدَ أنَّ الرُّوح القُدس يُشَكِّل في المؤمنين صورة المسيح ويقودهم إلى معرفة الآب والابن: "الرُّوح يجعلنا مشابهين للمسيح، ويقودنا إلى الله"(الخطب اللَّاهوتيَّة، 5).

القدِّيس باسيليوس الكبير يُوضِح أنَّ الرُّوح هو الَّذي يُحْيِي الكنيسة: "كما أنَّ النَّفْس في الجسد، هكذا الرُّوح القُدس في الكنيسة"(عن الرُّوح القُدس، 9). والمطران جورج خضر يُضيف في تأمُّلاته: الرُّوح ليس قوَّةً خارجيَّة تُستَخدَم، بل هو شخصٌ حَيٌّ يهب الحياة، يُطَهِّر القُلوب، ويُحَوِّل الفرد إلى عضوٍ فاعلٍ في جسد المسيح (خضر، 2010).

*             *             *

اللِّيتورجيا الأرثوذكسيَّة تُدْخِل المؤمنين في عَيْشِ السِّرِّ واختبار فعل الرُّوح القُدس فيهم. ففي صلاة استدعاء الرُّوح القُدس في القدَّاس الإلهيّ (επικλήσεις) يقول الكاهن: "أرسِل روحَكَ القُدُّوس علينا وعلى هذه القرابين الموْضوعة، واجْعَل أمّا هذا الخبز فجَسَدَ مسيحِكَ المكَرَّم، وأمّا ما في هذه الكأس فَدَمَ مَسيحِكَ المكَرَّم" (ليتورجيا القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم). هكذا يُصبح المؤمنون مُتَّحِدين في دعاءٍ واحدٍ وروحٍ واحدٍ وقلبٍ واحد. لكن، ما هي الخطوات الَّتي عليها السَّيْرُ فيها لتفعيل نعمة الأسرار فينا ولتحقيق عَنْصَرَتِنا الشَّخصيَّة؟

ثلاث أمورٍ مَطلوبة ولا بُدَّ منها لتفعيل نعمة الرُّوح القُدس فينا: تهيئة القلب بالتَّوْبَة فالرُّوح لا يَدخُل حيث يَسْكُنُ الفِسق والقسوة، بل إلى قلوبِ مَنْ تابوا وطلبوا التَّجديد (2 كورنثوس 7:1). القدِّيس كيرلُّس الأورشليميّ يقول: "الرُّوح القُدس لا يسكن في النُّفوس النَّجِسة، بل في القلوب الطَّاهرة" (الموعظة 17). تفعيل المواهب الإلهيَّة للبُنْيَان لأنَّ الرُّوح يمنح مواهب متنوِّعة لبُنْيَان جسد المسيح (1 كورنثوس 12:4-11). القدِّيس إيريناوس يُشَدِّد: "حيث تكون الكنيسة، هناك روح الله؛ وحيث يكون روح الله، هناك الكنيسة وكلّ نِعْمَة"(ضدَّ الهرطقات، 3: 24). الوَحدة والمحبَّة فقد انحدر الرُّوح بهيئة ألسنةٍ ناريَّةٍ ليجمع لا ليُفَرِّق. المغبوط أوغسطينوس يُعَلِّق: "كما أنَّ كثيرين صاروا جسدًا واحدًا بالرُّوح، هكذا الكنيسة تتكلَّم لغةَ المحبَّة الَّتي يفهمها الجميع"(العظة على المزامير، 32).

*             *             *

يا أحبَّة، العنصرة هي دعوة للخروج إلى البشارة. الرُّوح يُحَوِّل الخَوْف إلى جرأة، والانغِلاق إلى شهادة. كما خرج التَّلاميذ لِيَكرِزوا بأعمال الله لكلِّ أُمَّةٍ، نحن أيضًا مدعوُّون إلى تعلُّم الكلمة الإلهيَّة وتعليمها بالقَوْلِ بالفعل من خلال خدمة إخوة يسوع الأصاغر عبر رعاية المحتاجين، الاعتناء باليَتيم والمريض والمهمَّش والضَّعيف، والشَّهادة لِحَقِّ الله كخطوةٍ لِتَحْقِيقِ عدالةٍ أسمى في العالم. القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم يقول:  "الرُّوح القُدس يَجْعَل مِنْ صيَّادي السَّمك صيَّادي النَّاس"(عظة على أعمال الرُّسُل)، وهذا ما نحن مدعوُّون أنْ نَصيره...

لكن ما هي صفات المبشِّر؟ هذه يُعَدِّدُها لنا الرَّسُول بولس (غلاطية 5:22-23) وهي "محبَّة، فرح، سلام، طول الأناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفُّف". القدِّيس مكاريوس المصريّ يُعَلِّق: "النَّفْس الَّتي امتلأت بالرُّوح، تفيض محبَّةً وفرحًا وسلامًا كما ينبوع لا ينضب"(العظة الرُّوحية، 4). هذه هي خبرة العنصرة في الكنيسة وفي حياة المؤمنين والقدِّيسين، وهي "سِرّ الرَّجاء" الَّذي فينا.

لذلك، فلنُعِدّ أنفسنا لعيد العنصرة بصلاةٍ صادِقَةٍ، وبتوبَةٍ حقيقيَّة. لنفتح قلوبنا لعمل الرُّوح الَّذي يُحَوِّل ويَشفي ويُرسل. ولنطلب من الرَّبّ أنْ يمنحنا أن نكون كنيسة ونمتلئ حكمةً وحياةً جديدة، وأن يجعلنا أنوارًا في العالم، شهودًا على محبَّته. وكما يقول القدِّيس غريغوريوس النِّيصُصيّ: "الرُّوح يَقودُنا مِن مَجْدٍ إلى مَجْد، حتَّى نصير على صورة المسيح" (عن الحياة المسيحيَّة الكاملة).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة العنصرة (باللَّحن الثَّامن)

مُبَارَكٌ أَنْتَ أَيُّهَا الـمَسِيحُ إِلَـهُنَا يَا مَنْ أَظْهَرْتَ الصَّيَّادِينَ غَزِيرِيِّ الحِكْمَة، إِذْ سَكَبْتَ عَلَيْهِمِ الرُّوح القُدُس، وَبِـهِمِ اصْطَدْتَ الـمَسْكُونَة، يَا مُـحِبَّ البَشَرِ الـمَجْدُ لَك.

قنداق العنصرة (باللَّحن الثَّامن)

عِنْدَمَا انْحَدَرَ العَلِيُّ مُبَلْبِلًا الأَلْسُنَ كَانَ لِلأُمَمِ مُقَسِّمًا؛ وَلَـمَّا وَزَّعَ الأَلْسُنَ النَّارِيَّةَ دَعَا الكُلَّ إِلَى اتِّحَادٍ وَاحِدٍ، لِذَلِكَ نُمَجِّدُ بِصَوْتٍ مُتَّفِقٍ. الرُّوح الكُلِّيَّ قُدْسُهُ.

الرّسالة (أع 2: 1- 11)

فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُـهُمْ

السَّمَاوَاتُ تُذِيعُ مَجْدَ اللهِ

لـمَّا حلَّ يوم الخمسين، كان الرُّسُلُ كُلُّهم معًا في مكان واحد. فحدثَ بغتةً صوتٌ من السّماءِ كصوتِ ريحٍ شديدةٍ تَعصِفُ، ومَلأَ كلَّ البيتِ الَّذي كانوا جالسين فيهِ، وظهرت لهم ألسنةٌ منقسِمةٌ كأنَّها من نار، فاستقرَّتْ على كلِّ واحدٍ منهم، فامتلأوا كلُّهم من الرُّوح القُدس، وطفِقوا يتكلَّمون بلغاتٍ أخرى، كما أعطاهم الرُّوح أن ينطِقوا. وكانَ في أورشليمَ رجالٌ يهودٌ أتقياءُ من كلّ أمَّةٍ تحتَ السّماءِ. فلمّا صار هذا الصّوتُ، اجتمعَ الجُمهْورُ فتحيَّروا لأنَّ كلَّ واحدٍ كان يَسمعُهم ينطِقون بلغتِه. فدُهِشوا جميعُهم وتعجَّبوا قائلين بعضُهم لبعضٍ: أليس هؤلاء المتكلّمونَ كلُّهُم جليليّين؟ فكيفَ نسمعُ كلُّ واحدٍ مِنّا لُغتَه الَّتي وُلد فيها، نحن الفرتيّين والماديّين والعيلاميّين، وسكّان ما بين النَّهرَيْن واليهوديّة وكبّادوكية وبنطس وآسية وفريجية وبمفيليَّة ومصر ونواحي ليبية عند القيروان، والرُّومانيّين المستوطنين، واليهود والدُّخلاء والكريتيّين والعرب، نسمعهم ينطقون بألسنتِنا بعظائمِ الله!

الإنجيل (يو 7: 37- 52 و8: 12)

في اليوم الآخِر العظيم من العيد، كان يسوعُ واقفًا فصاح قائلًا: إنْ عطش أحد فليأتِ إليَّ ويشرب. مَن آمن بي، فكما قال الكتاب، ستجري من بطنه أنهارُ ماءٍ حيّ (إنّما قال هذا عن الرُّوح الَّذي كان المؤمنون به مُزْمِعين أن يقبلوه، إذ لم يكن الرُّوح القُدس قد أُعطي بعدُ، لأنَّ يسوع لم يكن بعدُ قد مُجِّد). فكثيرون من الجَمْعِ لـمّا سمعوا كلامه قالوا: هذا بالحقيقة هو النّبيّ. وقال آخرون: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعلَّ المسيح من الجليل يأتي! ألم يَقُلِ الكتابُ إنَّه، من نسلِ داودَ، من بيتَ لحمَ القريةِ حيثُ كانَ داودُ، يأتي المسيح؟ فحَدَثَ شِقاقٌ بينَ الجمع من أجلِهِ. وكانَ قومٌ منهم يُريدونَ أن يُمسكوهُ، ولكِن لم يُلقِ أحدٌ عليه يدًا. فجاءَ الخُدَّامُ إلى رؤساء الكهنَةِ والفَرِّيسيّينَ، فقالوا لهُم: لِـمَ لم تأتوا بهِ؟ فأجابَ الخُدَّامُ: لم يتكلَّمْ قطُّ إنسانٌ هكذا مثلَ هذا الإنسان. فأجابَـهُمُ الفَرِّيسيّون: ألعلَّكم أنتم أيضًا قد ضلَلتُم! هل أحدٌ مِنَ الرُّؤساءِ أو مِنَ الفرِّيسيّينَ آمَنَ بِهِ؟ أمَّا هؤلاء الجمعُ الَّذينَ لا يعرِفونَ النَّاموسَ فَهُم ملعونون. فقالَ لهم نِيقودِيموُس الَّذي كانَ قد جاءَ إليه ليلًا وهُوَ واحدٌ منهم: ألعلَّ ناموسَنا يَدينُ إنسانًا إنْ لم يسمَعْ مِنهُ أوّلًا ويَعلَمْ ما فَعَلَ! أجابوا وقالوا لهُ: ألعلَّكَ أنتَ أيضًا من الجليل! إبحثْ وانظرْ، إنَّهُ لم يَقُم نبيٌّ منَ الجليل. ثُمَّ كَلَّمهم أيضًا يسوعُ قائلًا: أنا هوَ نورُ العالَم، من يتبَعْني لا يمشِي في الظَّلامِ، بل يَكُونْ لهُ نورُ الحياة.

العنصرة بين الإنجيل والرِّسالة

إنَّ الرَّابط العميق بين مقطع العنصرة في سفر أعمال الرُّسُل وبين نداء الرَّبّ في إنجيل يوحنّا، هو رابط الوعد والتَّحقيق، العطش والارتواء، والنِّعْمَة المُنْسَكِبَة على الكنيسة. ففي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف الرَّبُّ يسوع صارخًا: «إنْ عَطِشَ أحدٌ فليُقبل إليّ ويشرب» (يو ٧: ٣٧)، معلنًا أنّه هو ينبوع الحياة الحقيقيَّة، وأنّ النَّفْس البشريَّة لن تجد ارتواءها إلَّا فيه. لم يكن الحديث عن ماءٍ أرضيّ، بل عن «الرُّوح الَّذي كان المؤمنون به مُزمِعين أنْ يقبلوه» (يو ٧: ٣٩)، أي عن عطيَّة الرُّوح القُدس الَّتي ستفيض على الكنيسة بعد تمجيد الابن بالصَّليب والقيامة والصُّعود.

وفي أعمال الرُّسُل يتحقَّق الوعد الإلهيّ بصورة منظورة ومجيدة: «وصار بغتةً من السَّماء صوت كما من هبوب ريحٍ عاصفة… وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنَّها من نار واستقرَّتْ على كلِّ واحدٍ منهم، وامتلأ الجميع من الرُّوح القُدس» (أع ٢: ٢-٤). هنا صار الماءُ الحَيّ نارًا سماوِيَّة تُلهب القلوب، وصارت الأنهار الَّتي وعد بها الرَّبُّ تتدفَّق من أعماق الرُّسُل ككرازةٍ حَيَّة بلغت «كلّ أُمَّةٍ تحت السَّماء» (أع ٢: ٥).

إنَّ ما تشتَّت يوم بابل بسبب كبرياء الإنسان، عاد الرُّوح القدس فوَحَّده يوم العنصرة بنعمة المسيح. هناك انقسمت الألسنة فابتعد البشر بعضهم عن بعض، أمَّا هنا فقد اختلفت اللُّغات واتَّحَدَ الإيمان، لأنَّ الرُّوح القدس لا يصنع فوضى بل شركة، ولا يبني مجد الإنسان بل مجد الله.

وفي كِلا المقطعَيْن يَظهر الانقسام أمام شخص المسيح: فمنهم مَن قال: «هذا بالحقيقة هو النَّبيّ»، وآخَرون تساءَلوا: «ألعلَّ المسيح من الجليل يأتي؟» (يو ٧: ٤٠-٤١). كذلك في العنصرة اندهش قَوْمٌ وتحيَّروا، بينما ظَنَّ آخَرون أنَّ الرُّسُل «قد امتلأوا سلافة» (أع ٢: ١٣). وهكذا يبقى حضور الله دينونةً للقلب: فالمتواضع ينفتح للنُّور، أمَّا المتكبِّر فيعثر حتَّى أمام الحقيقة الإلهيَّة.

إنَّ الكنيسة ترى في هذَيْن النَّصَيْن إعلانًا لسِرِّ حياتها الدَّائم: فالمسيح هو الينبوع، والرُّوح القدس هو الماء الحَيّ المنسكب في العالم، والمؤمن مَدْعُو أن يصير إناءً لهذه النِّعْمَة، حتَّى تَجري من داخله «أنهارُ ماءٍ حَيّ» تروي عطش العالم إلى الله وتقدِّس الخليقة بأكملها وتقدِّمها لله الآب، آمين!

بنَسَمَةِ عاصفةٍ وبنَوْعِ لسانٍ مِن نار

العنصرة هي عيدُ حلولِ الرُّوح القُدس على التَّلاميذ، وهي لحظة مفصَلِيَّة في حياة الكنيسة، حيث تحَوَّل الخوف إلى جرأة، والضُّعف إلى قوَّة. يصف سِفْرُ أعمال الرُّسُل هذا الحَدَث بصورَتَيْن مُتكاملَتَيْن: “نسمة عاصفة” و“ألسنة من نار”. هاتان الصُّورتان ليستا مُتناقضتَيْن، بل تُعَبِّران عن أبعاد مُتَعَدِّدة لعمل الرُّوح القُدس في حياة الإنسان.

فالنَّسَمَة العاصفة ترمز إلى الحضور الإلهيّ غير المنظور، الَّذي يَهُبُّ حيثُ يَشاء، فيُحَرِّك القلوب ويوقظ الإيمان. هي نسمة حياةٍ جديدة، كما في الخَلْق الأوَّل، حين نفخ الله في آدم نسمة حياة. هكذا يأتي الرُّوح القُدس ليجَدِّدَ الدَّاخل، يُنْعِشُ النَّفْس، ويَمنح الإنسان سلامًا عميقًا لا يُقاس بالظُّروف الخارجِيَّة. إنَّها قوَّة لطيفة لكنَّها فَعَّالَة، تُغَيِّرُ الإنسان مِنَ الدَّاخِل مِنْ دونِ ضجيج.

أمَّا النَّار، فهي ترمز إلى القوَّة والتَّطهير والغَيْرَة الرُّوحيَّة. نار الرُّوح القُدس تُحْرِقُ الشَّوائب، وتُنَقِّي القلب من الخوف والخطيئة، وتُشْعِلُ الحَماسَةَ للشَّهادة. هي قوَّةٌ تدفع المؤمن إلى الخروج من ذاته، لِيُعْلِنَ الحَقَّ بمحبَّةٍ وجُرأة، كما فعل الرُّسُل يوم العنصرة. فالنَّار ليست للدَّمار، بل للتَّقديس والإنارة، إذْ تَجْعَل الإنسان نورًا للآخَرين.

نَجِدُ أنَّ الرُّوح كان يَحُلُّ على أشخاصٍ مُختارين لِيَقُودوا الشَّعْب أو يُنْجِزُوا مهمَّةً إلهيَّة. قيل عن القُضاة: “فَحَلَّ عليه روحُ الرَّبّ” (قضاة 6: 34)، وكذلك عن داود: “وحَلَّ روحُ الرَّبِّ على داود من ذلك اليوم فصاعدًا” (1 صموئيل 16: 13). هذا الحضور يمنح الحِكْمَة والشَّجاعة والقدرة على القيادة. كما يُبرز وَعْدًا إلهيًّا بِفَيْضٍ جديدٍ للرُّوح: “وأفيض من روحي على كلِّ بَشَر” (يوئيل 2: 28)، وهو النَّصّ الَّذي استشهد به بطرس يوم العنصرة ليُفَسِّر الحَدَث (أعمال 2). هذا الوَعد يُعلِن انتقال عمل الرُّوح من فئةٍ مَحدودةٍ إلى جميع المؤمنين.

هكذا نرى أنَّ نسمَةَ الرُّوح ونارَهُ في العنصرة ليستا حَدَثًا مُنْفَصِلًا، بل تتميمًا لمسيرةٍ طويِلَةٍ في تاريخ الخلاص، حيث يعمل الرُّوح القُدس منذ البَدْءِ ليُجَدِّدَ الإنسان ويَقُودُه نحو مِلْءِ الحياة في المسيح، آمين.