Menu Close
220625

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (3) بعد العنصرة

العدد 26

الأحد 29 حزيران 2025

اللّحن 2- الإيوثينا 3

أعياد الأسبوع: *29: تذكار بطرس وبولس هامتَي الرُّسل *30: تذكار جامع للرُّسل الإثني عشر *1: الشَّهيدَان قُزما ودميانوس الماقتَي الفِضَّة *2: تذكار وضع ثوب والدة الإله في فْلَاشِرْنَس *3: الشَّهيد ياكنثس، القدّيس أناطوليوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة *4: القدِّيس أندراوس الأورشليمي رئيس أساقفة كريت، القدِّيس أندره روبلاف * 5: البارّ أثناسيوس الآثوسيّ، القدِّيس لامباذوس العجائبيّ.

 كلمة الرّاعي 

كنيسة أنطاكية: عيد الكرسيّ الأنطاكيّ المقَدَّس

"على هذه الصَّخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تَقْوَى عليها" (مت 16: 18)

بطرس وبولس، هامتا الرُّسُل، نشرا بشارة الخلاص في أنطاكية بِمَعِيَّة آخَرين، إلَّا أنّ التَّاريخ الكَنَسيّ يُجمِع على اعتبارهِما المؤسِّسَيْن الرُّوحيَّيْن لكنيسة أنطاكية. في تلك الحقبة، كانت المدينة تضمّ جماعاتٍ يهوديّة، لكنّ غالبيَّة سكَّانها كانوا من الوثنيِّين. ومع بدايات الكِرازة، أضْحَتْ أنطاكية مركزًا حيًّا لتبشير الأمم، ما أثار جدلًا عميقًا داخل الجماعة المسيحيَّة الأولى، ولا سِيَّما في ظِلِّ إصرار بعض المهتدين من اليهود على إلزام الدَّاخِلين الجُدُد من الوثنيِّين بشريعة موسى قبل اعتمادهم في الكنيسة.

وقد بلغ هذا الخلاف ذروته بين القدِّيسَيْن بطرس وبولس، كما يذكر الرَّسُول بولس بصراحة في رسالته إلى أهل غلاطية، الإصحاح الثَّاني (غلاطية ٢: ١١–١٤)، إذْ يَروي مواجهته الصَّريحَة لبُطرس وَجْهًا لِوَجه في أنطاكية. فقد لاحظ أنَّ بُطرُس كان يتصرّف بازدواجِيَّةٍ مع المؤمنين من الأمم، إذ كان يشاركهم المائدة، ثم يمتنع عن ذلك عند مجيء بعض اليهود من عند يعقوب، خوفًا من جماعة الختان. فاعتبر بولس هذا التَّصرُّف نوعًا مِنَ الرِّياء، لأنّه ينمُّ عن تمييز لا يليق بروح الإنجيل، الَّذي يؤكِّد وَحدة الجميع في المسيح يسوع.

وفي نهاية المطاف، كان موقف الكنيسة واضحًا وحاسمًا: قبول الأمم في الإيمان المسيحيّ بإعلانهم الإيمان بالمسيح ربًّا ومخلّصًا، دون الحاجة للمرور بشريعة موسى. وقد شكّل هذا القرار المِفْصَليّ فاتحة لنشر البشارة في رُبوع العالم الوثَنيّ، وأسّس لانطلاقة المسيحيَّة في أرجاء الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. ولاحقًا، بعد صدور مرسوم ميلانو عام ٣١٣ م، أضحى هذا الانتشار أوسع وأكثر رُسوخًا، مسهمًا في ازدياد أعداد المؤمنين وتثبيت دعائم الكنيسة النَّاشئة.

*             *             *

إذًا، لأنطاكية مقام الرّيادة في انبثاق البشارة نحو الأمم، ومنها انطلقت مَسْحَنَةُ المسكونة، تلك المسكونة الَّتي كانت جسد الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. في أنطاكية، قبل أن تستقرّ الأقدام في روما، تَلاقَتْ خُطى بطرس وبولس، فصارَتْ المدينة عرشًا لهذين الرَّسُولَيْن، وصارَتْ مَهدًا لرسالة الخلاص.

إنَّ هذه الخصوصيّة الأنطاكيّة، المنفتحة على نفحات الرُّوح القُدس، الحاملة إيمانًا يُعاش في حرِّيَّة أبناءِ الله، تميَّزتْ بها أنطاكية على مَرِّ القرون أكثر من سائر الكنائس التَّاريخيّة الَّتي وُلدتْ في ما بعد من رحم كرازة الرَّسولَيْن. هذا هو التَّقليد الأنطاكيُّ، الرَّسوليُّ والرُّوحيُّ، الَّذي سلّمه الرُّسُل والمؤمنون الأوَّلون للأبناء، جيلًا بعد جيل، والَّذي لا يزال العالم المسيحيُّ اليوم، في الكنائس الأرثوذكسيَّة وفي مسيرة الحوار بين المسيحيّين قاطبة، في أمسّ الحاجة إليه.

فالرَّسُول بولس أعلنها بوضوحٍ لا لبْس فيه: "ليس يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبدٌ ولا حرّ، ليس ذكرٌ ولا أنثى، لأنَّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع" (غل ٣: ٢٨). مِن هنا، لا يبقى مجال للتَّمييز على أساس عِرق أو طبقة أو جنس، لأنَّ المسيح جمع الكُلّ في ذاته، وصَيَّرَ من المؤمنين به "خليقة جديدة" (غل ٦: ١٥؛ ٢ كو ٥: ١٧)، أبناء لله وورثة لملكوته.

وعليه، فإنَّ المسيحيّة الَّتي أشرقَتْ من أنطاكية، ليست دعوةً مَحَلِّيَّة، بل رسالةٌ كَوْنِيَّة إلى العالم كلّه، خلاصٌ لكلّ من يعترف بالمسيح يسوع ربًّا وإلهًا. كنيسة أنطاكية هي كنيسة الرِّسالة والكرازة، هي الَّتي عمَّدتْ الثَّقافة، وارتقَتْ بالفلسفة، وشرّعتْ نوافذ الانفتاح نحو الآخَر، مدفوعةً بجرأة محبَّةِ يسوع وقوّة الفرح بمعرفته، تلك المعرفة الَّتي تصير حياةً وسلامًا وخلاصًا من الموت والخطيئة وعبوديّة هذا الدَّهر الزَّائل.

إنَّها صورة البشريّة الجديدة في المسيح، شهادةً حيَّةً وتواصُلًا حيًّا، وعقلاً نيّرًا مستنيرًا بروح الرَّبّ، يشتاق إلى تجديد الخلائق في جسد المسيح، أي الكنيسة.

*             *             *

أهميّة أنطاكية للعالم المسيحيّ اليوم تكمن في تأثيرها الَّذي يتوزّع على الحقول التَّالية:

أوَّلًا، على الصَّعيد الكَنَسيّ والرُّوحيّ: لا تزال أنطاكية تمثِّل نموذجًا فريدًا للانفتاح الرَّسوليّ، حيث التَقَتْ فيها التَّقاليد اليهودِيَّة بالمسيحيَّة النَّاشئة، وتبلْوَرَتْ فيها أولى ملامح الكنيسة الجامعة. هذا الإرث لا يزال يُلهم الكنائس الأرثوذكسيَّة، خصوصًا في سَعْيها إلى الحفاظ على وَحدة الإيمان مع احترام التَّنوُّع الثَّقافيّ واللُّغَويّ. فأنطاكية، الَّتي نُودي فيها أوَّلًا على المؤمنين باسم "مسيحيّين" (أع 11: 26)، تبقى رمزًا لهويَّة الكنيسة الجامعة، المتجذِّرة في التَّقليد والمنفتحة على العالم.

ثانيًا، في الحوار المسكونيّ: يُشكِّل التَّقليد الأنطاكيّ أرضِيَّةً خصبة للتَّلاقي بين الكنائس، إذ يَحْمل في طيَّاتِه روحًا حواريَّة منفتحة تجمع بين العقلانيَّة اللَّاهوتيَّة والرُّوحانيَّة العميقة. فأنطاكية، الَّتي عرفت كيف تتعامل مع الخلافات الأولى في الكنيسة، قادرة اليوم أنْ تُلهِم مسارات المصالحة والتَّفاهم بين الكنائس المختلفة، لا سِيَّما في ظِلِّ الانقسامات المعاصرة.

ثالثًا، في الشَّهادة المسيحيَّة في الشَّرق: تبقى أنطاكية صوتًا نبويًّا في وجه التَّحدِّيات الَّتي تعصف بالمسيحيِّين في المشرق. رغم ما تعرَّضَتْ له من دمار، خصوصًا بعد الزَّلازل الأخيرة الَّتي طالت بنيتها التَّاريخيَّة والكنسيَّة، فإنَّ روحها لم تُطفأ. بل على العكس، فإنّ الألم الَّذي عرفته أنطاكية اليوم يُعيدها إلى قلب الصَّليب، ويجعل من شهادتها أكثر صدقًا وعمقًا. إنَّها كنيسة الشُّهداء، لا فقط في الماضي، بل في الحاضر أيضًا.

رابعًا، في البُعد الثَّقافيّ والحَضاريّ: لا تزال أنطاكية، بما تمثِّله مِن تَلاقٍ بين الحضارات، تُذكّر العالم بإمكانيَّة العَيْش المشترَك، وبأنَّ الإيمان لا يُلغي العقل، بل يسمو به. فأنطاكية الَّتي عمّدت الفلسفة، كما ذكرنا آنفًا، لا تزال قادرة أن ترفد الفكر المعاصر برؤية إنسانيَّة متجذِّرة في الإنجيل.

*             *             *

يا أحبَّة، إنّ الرَّسُولَيْن بطرس وبولس هما عامودَي الكنيسة المبنيّة على صخرة الاعتراف بالمسيح يسوع ابنًا لله  الحَيّ، ومساويًا له في الجوهر الإلهيّ، ومساويًا لنا في الطَّبيعة البشريّة الَّتي اتّخذها ما خلا الخطيئة، ومخلِّصًا للخليقة كلّها من عبوديَّةِ الموت. وها نحن اليوم، إذْ نُعَيِّد لكرسيّ أنطاكية المقدَّس، لا نحتفي فقط بذكرى تاريخيَّة، بل نُحيي في قلوبنا دعوة أصيلة إلى العودة إلى النَّبع الرَّسوليّ الأوَّل، إلى تلك الجرأة الإيمانيَّة والبَصيرة الرُّوحيَّة الَّتي طبعت كرازة أنطاكية وميَّزتْ روحها الكَنَسِيّ. إنَّه عيد العرش الَّذي لم يكن مُجَرَّد مَقَرّ، بل رؤية ورسالة، ومسيرة خلاص تَتَخَطَّى الحدود الجغرافيَّة لتبلغ أقاصي الأرض.

فلنستعدّ، إذًا، نحن أبناء أنطاكية، أن نكون على مثال الآباء الأوَّلين: أمناء للوَديعة، دُعاة لوَحدة الكنيسة، شهودًا للحَقِّ في زمن الالتباس، وبُناة سلامٍ في عالمٍ مشتَّت. ولنُجدِّد عهد المحبّة فينا، لنحمل أنطاكية – تراثًا وكنيسة وروحًا – في ضمائرنا، حاضرةً ومُستنيرةً بنور الكلمة، قادرةً أن تبشِّر، أن تُصلّي، وأن تعيد للعالم طعم الإنجيل وعذوبة النِّعْمَة.

 ومن له أذنان للسَّمْع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريّة القيامة (باللَّحن الثّاني)

عندما انحدرتَ إلى المَوْت. أَيُّها الحياةُ الَّذي لا يَموت. حينئذٍ أَمَتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى. صرخَ نحوكَ جميعُ القُوّاتِ السّماويّين. أَيُّها المسيحُ الإله. مُعطي الحياةِ المجدُ لك.

طروباريَّة الرَّسولين بطرس وبولس (باللَّحن الرَّابع)

أيُّها المتقَدِّمان في كراسي الرُّسُل، ومُعَلِّما المسكونة، تشفَّعا إلى سَيِّدِ الكُلّ أن يمنح السَّلامَةَ للمَسْكُونَة، ولِنُفوسِنا الرَّحْمَةَ العُظمى.

القنداق (باللَّحن الثّاني)

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرّسالة (2 كو 11: 21- 33، 12: 1- 9)

إلى كلِّ الأرضِ خَرَجَ صوُتها

السَّماواتُ تُذيعُ مجدَ الله 

يا إخوةُ مهما يَجترِئ فيهِ أحدٌ (أقولُ كجاهلٍ) فأنا أيضًا أجترِئُ فيهِ، أعبرانيُّونَ هم فأنا كذلك. أإسرائيليون هم فأنا كذلك. أذريَّةُ ابراهيمَ هم فأنا كذلك. أخُدَّامُ المسيح هم (أقول كمُختلِّ العقل) فأنا أفضل. أنا في الأتعابِ أكثرُ وفي الجَلْدِ فوقَ القياسِ وفي السُّجونِ أكثرُ وفي الموتِ مرارًا. نالَني من اليهودِ خمسَ مرّاتٍ أربَعون جلدةً إلَّا واحِدَةً. وضُربتُ بالعِصيّ ثلاثَ مرَّاتٍ ورُجمتُ مرَّةً. وانكسرتْ بي السَّفينةُ ثلاثَ مرَّاتٍ. وقضيتُ ليلًا ونهارًا في العُمق. وكنتُ في الأسفارِ مَرَّاتٍ كثيرةً وفي أخطارِ السُّيول وفي أخطارِ اللُّصوص وفي أخطارٍ مِنْ جِنسي وأخطارٍ مِنَ الأُمَمِ وأخطارٍ في المدينة وأخطارٍ في البرِّيَّة وأخطارِ في البحرِ وأخطارٍ بينَ الإخوةِ الكَذَبة، وفي التَّعب والكَدِّ والأسْهارِ الكثيرة والجوع والعَطَش والأصوامِ الكثيرة والبَردِ والعُري، وما عدا هذه الَّتي هي من خارجٍ ما يتفاقَمُ عليَّ كُلَّ يومٍ من تدبير الأمور ومنَ الاهتمام بجميع الكنائس فَمَنْ يضعفْ ولا أضعف أنا أو من يُشكّكْ ولا أحترِق أنا، إن كانَ لا بدَّ منَ الافتخار فإنّي أفتخرُ بما يَخُصُّ ضُعفي. وقد علمَ الله أبو ربِّنا يسوعَ المسيحَ المبارَكُ إلى الأبدِ أني لا أكذب. كانَ بدمشقَ الحاكمُ تحتَ إمرةِ الحارثِ يحرُسُ مدينةَ الدِّمشقيّينَ ليقبَضَ عليَّ، فدُلّيتُ من كوَّةٍ في زِنبيلٍ منَ السُّور ونَجَوْتُ من يديه. إنَّهُ يوافقني أن أفتخِرَ فآتي إلى رؤى الرَّبِّ وإعلاناتِه، إنّي أعرِفُ إنسانًا في المسيح مُنذُ أربعَ عشرَةَ سنةً (أفي الجسدِ لستُ أعلمُ أمْ خارجَ الجسدِ لستُ أعلم. الله يعلم) اختُطِفَ إلى السَّماءِ الثَّالِثَة. وأعرِفُ أنَّ هذا الإنسانَ (أفي الجسَدِ أم خارجَ الجسدِ لستُ أعلم. الله يعلم)، اختُطِفَ إلى الفردَوسِ وسمعَ كلمات سرِّيَّةً لا يَحلُّ لإنسانٍ أن ينطق بها، فمن جِهِةِ هذا أفتخر. وأمَّا من جهةِ نفسي فلا أفتخرُ إلَّا بأوهاني فإنِّي لو أردتُ الافتخارَ لم أكُنْ جاهلًا لأنِّي أقولُ الحَقَّ. لكنّي أتحاشى لئلَّا يظنَّ بي أحدٌ فوق ما يَراني عليه أو يسمَعُهُ مِنِّي، ولئلَّا  استكبِر بفَرطِ الإعلاناتِ أُعطيتُ شوكةً في الجسَدِ ملاكَ الشَّيْطانِ ليَلطمِني لئلَّا استكبر ولهذا طَلَبْتُ إلى الرَّبِّ ثلاث مرَّاتٍ أن تُفارَقني فقالَ لي: "تكفيك نِعمتي". لأنَّ قُوَّتي في الضُّعفِ تُكْمَل فبكُلِّ سرورٍ أفتخرُ بالحَرِيِّ بأهاوني لتستقِرَّ فيّ قوَّةُ المسيح.

الإنجيل (مت 16: 13- 19)

في ذلك الزَّمان، لمَّا جاءَ يسوع إلى نَواحي قَيْصَرِيَّةِ فيلبُّسَ سأل تلاميذَهُ قائلًا: مَنْ يقول النَّاسُ إنّي أنا ابنَ البشر؟ فقالوا قومٌ يقولون إنَّك يوحنَّا المعمدان وآخَرون أنَّك إيليَّا وآخَرون أنَّك إرمياء أو واحدٌ من الأنبياءِ. فقال لهم يسوع وأنتم مَن تقولون إنّي هو، أجاب سمعانُ بطرسُ قائلًا أنت المسيح ابنُ اللهِ الحَيّ، فأجاب يسوع وقال لهُ طوبى لك يا سمعانُ بنُ يونا. فإنَّه ليس لحمٌ ولا دمٌ كشف لك هذا لكِنْ أبي الَّذي في السَّماوات. وأنا أقولُ لك أنت بطرسُ وعلى هذه الصَّخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تَقْوَى عليها. وسأُعطيكَ مفاتيحَ ملكوتِ السَّماوات. وكلُّ ما حَلَلْتَهُ على الأرض يكونُ مَحلولًا في السَّماوات.

حول الإنجيل

 إذْ نُعَيِّد اليوم للقدِّيسَيْن بطرس وبولس، فلا بُدَّ أن نرى الرَّابط الوَثيق بينهما وعيد العنصرة، حيث هُما صورةُ البشارة إلى العالم اليهوديّ والوَثنيّ، بعمل الرُّوح القُدس. ولذا نجد أنَّ هُناك سلطةً أُعطيتْ لهما في الكنيسة. ولكن ما هي هذه السُّلطة؟ المسيح يمنح سلطةً خاصَّةً، وهي سلطة المحبَّة الَّتي تبدأ بالخدمة وأوَّلُها خدمة الكلمة "ما جِئتُ لأُخْدَم بل لأَخْدُم". هي خدمة التَّواضع ومسؤوليَّة نشر الكلمة إلى كُلِّ نفْسٍ صُلبَ المسيحُ من أجلها. تفوّقها وأولويَّتها لهذه السَّلطة يجب أن يستندا إلى القصد الإلهيّ، إلى الوُصول إلى ملء قامة المسيح. فكلّ سلطةٍ حتّى ولو تغلَّفَتْ بالخدمة والمحبَّة إذا لم تنسجم معها، فهي سلطة غريبة عن الكنيسة، فلا هَيْمَنة ولا امتلاك ولا نفوذ. فالرَّبّ يسوع لم يدعو بطرس إلى المشاركة فيها ولم يُعطِهِ مفاتيحها إلَّا لأنَّه فهم أنَّ المسيح هو الأوَّل والآخِر فيها. وكما يقول أحد الآباء "هذا الصَّخر ليس ملك بطرس، وحده، ولكنَّه مُلكُ كلِّ إنسانٍ، ولكن لمّا قال إنّ اعترافه "صخر"، أعلن أنَّه سيَبني كنيسته على هذا الصَّخر، أي على هذا الاعتراف نفسه والإيمان نفسه.

 فكلُ من يدّعي سلطةً تبدو بشريَّة، عالمَيَّة، هو بعيدٌ عن روح الخدمة. والصُّورة الكبرى لمفهوم السُّلطة الخدماتيَّة تتجلَّى مع بولس الرَّسول في إصراره على فخر رسوليَّته الَّتي استند فيها إلى كلِّ الآلام والعذابات الَّتي تكبَّدَها: في السُّجون، الجَلْد، ضَرْبَ العِصيّ، الرَّجم، أخطارَ البَحر، السُّيول، اللُّصوص، الجوع، الصَّوْم،... وفَوْق هذا كلِّه افتخاره بضعفه الَّذي هو من أجل كلمة المسيح. ونحن في يومنا الَّذي نَحياه، نَحياه على أساس الإيمان بشخصِ المسيح فتصير الحياة مملوءةَ صبرًا واحتمالًا ورجاءً، في مجتمع عديمِ الإيمان منحرفٍ وضال.

كما كان سابقًا هو اليوم، جهادنا وصراعنا كلُّهُ قائمٌ على أساسِ خدمةِ الكلمة بين أُناسٍ يُصارعون مشاكلهم ويستهلكون حياتهم بأهدافٍ فارغة. لذا، لنمتلئ من روح العَطاء والتَّضحية بدون أن نُخَيِّبَ أمله بقُلوبٍ متصلِّبةٍ تَستهزأ من حضور المسيح، طالبين التَّوبة لنا أوَّلًا وللباقين الَّذين ينامون نوم الخطيئة.

(من نشرة الكرمة- العدد 26- 29 حزيران 2014)

مؤسِّسَيْ الكرسيّ الأنطاكيّ المقَدَّس

في التَّاسِع والعشرين من حزيران في كلِّ عام، تحتفل الكنيسة بعِيد مؤسِّسَيْ كرسيّنا الأنطاكيّ المقدَّس القدِّيسَيْن بطرس وبولس، "هامَتَيْ الرُّسُل وكَوْكَبَيْ المسكونة. كارِزَيْ الإيمان، البوقَيْن المتكلِّمَيْن بالإلهيَّات والمُظهِرَيْن العقائد، عمودَيْ الكنيسة وداحِضَيْ الضَّلالة" (إكسابستلاري العيد).

بطرس، كان صيَّادًا بسيطًا من الجليل، دعاه يسوع ليصبح "صيَّادًا للنَّاس". تميَّز بطبعه الإندفاعيّ. كان أوَّل مَن أعلن جهارًا أنَّ يسوع هو المسيح. أمَّا بولس كان فَرِّيسيًّا مثقَّفًا ومضطهدًا شرِسًا للمسيحيِّين. لكنَّ لقاؤه الشَّخصيّ مع المسيح القائم على طريق دمشق غَيَّر حياته بالكامل، فتحَوَّل مِن عدوٍّ للبشارة إلى أبرز مُبَشِّر بها، ومؤسِّسًا للعديد من الكنائس في العالم الوَثنيّ.

أسَّسا معًا كنيسة أنطاكية أقدم كنيسة في التَّاريخ المسيحيّ، ذات المكانة الخاصَّة لأنَّه فيها دُعِيَ أتباع يسوع "مسيحيِّين أوَّلًا" (أعمال ١١: ٢٦). شكَّلَتْ أنطاكية جسرًا بين كنائس الشَّرق وكنائس الغرب. كانت تتحدَّث اللُّغة اليونانيَّة، وتفهم الثَّقافة اليهوديَّة، ممَّا جعلها مركز تواصُل فَريد. كانت مَقَرًّا لتعدُّد التَّقاليد، وهو ما جعل منها رمزًا لِوَحدة الكنيسة. أنطاكية كانت مِثالًا حيًّا للوَحدة بين اليهود والأمم، وأصبحت نموذجًا لكنيسة منفتحة على كلِّ الشُّعوب، وهو ما يعكس روح رسالة بطرس وبولس في آنٍ واحِد.

عيد القدِّيسَيْن بطرس وبولس يذكّرنا أنَّ الله يختار أشخاصًا عاديِّين ليحملوا أعظم رسالة في التَّاريخ: بشرى الخلاص والحُبّ. البشارة تعني إعلان حقيقة أنَّ المسيح حَيّ، ويحِبُّ كلَّ إنسان، ويُريد أن يخلِّصَه. وهي ضرورة مُلِحَّة في عالم يُعاني من الحُروب، والتَّشتُّت، وفقدان الرَّجاء. عيدهما يذكّرنا أنَّ المسيحيَّة ليست طريقًا خالِيًا من الصُّعوبات، بل طريق الرَّجاء وسط الظَّلام، والقوَّة وسط الضَّعف. فالمسيح لا يَعِد أتباعه براحة جسديَّة دائمة، لكنَّه يمنحهم سلامًا داخليًّا لا يستطيع العالم أن ينتزعه. عيدَهما نداءٌ شخصيّ لكلِّ مؤمنٍ: كُن أنتَ أيضًا رسولًا. دَع حياتَك تتحدَّث عن المسيح، حتَّى إنْ لم تَقُل كَلمة. عِش البشارة، وكُن نُورًا في عالَمٍ يَتوق إلى الرَّجاء. فكما حَوَّل الله صيَّادًا ومضطهدًا إلى قدِّيسَيْن عظيمَيْن، يمكنه أن يستخدم كلُّ واحدٍ منَّا ليحمل حُبَّه إلى الآخَرين.

وكما التَقَيا في الرُّوح الواحد والشَّهادة الواحدة وفي المحَبَّة الواحدة للكنيسة ولرَبِّها يسوع المسيح، علينا أن نجتهد لِنَكونَ مَناراتٍ للإيمان القَويم وجِسرًا بين الشُّعوب وصَوْتًا نَبَوِيًّا في وجه كلِّ ظُلمٍ وظَلام. نتعلَّم مِن هذَيْن الرَّسُولَيْن أنَّ الله لا يبحث عن الكامِلين بل عن المحبِّين، والطَّريق إلى الله لا تُقاس بالقُوَّة، بل بالتَّواضع وبالاستعداد لأن نَسمع صوْتَه الحَسَن: "لا تَخَف.. أنا معك".