نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد الخامس من الصَّوم (القدِّيسة مريم المصريَّة)
العدد 13
الأحد 29 آذار 2026
اللَّحن 1- الإيوثينا 9
أعياد الأسبوع: *29: القدِّيس مرقس أسقف أريثوسيون، القدِّيس كيرلُّس الشمَّاس واللَّذَين معه *30: البارّ يوحنّا السُّلّميّ، النّبيّ يوئيل، القدِّيسة آفڨولي والدة القدّيس بندلايمون *31: الشَّهيد إيباتيوس أسقف غنغرة *1: البارَّة مريم المصريَّة، الشُّهداء يارونديوس وباسيليوس *2: البارّ تيطُس العجائبيّ *3: البارّ نيقيطا، القدِّيس يوسف ناظم التَّسابيح *4: سبت لَعَازَر، البارّ جرجس (مالاون)، البارّ زوسيماس.
كلمة الرّاعي
غربة الزَّمَن وزمن الغُربة
نموذج مريم المصريَّة في العُبور من النَّجاسة إلى الطَّهارة
في تاريخ الكنيسة، تُعتَبَر سيرة القدِّيسة مريم المصريَّة مثالًا حيًّا على أنَّ التَّحرُّر من عبوديَّة الخطيئة لا يتحقَّق إلَّا عبر الغربة عن حياة هذا العالم، والعُبور إلى زمنٍ جديد يعيشه القلب في حَضرة الله. فهي الَّتي عاشَتْ في النَّجاسة رَدْحًا مِن الزَّمَن، ثمَّ عبرت إلى الطَّهارة من خلال التَّوبة والانعزال في البرِّيَّة، لتُصبح رمزًا للغُربة المقدَّسَة. فالغُربة طريق إلى الحُرِّيَّة حين تكون وَعْيًا عميقًا لضرورة الخروج من العالم، وهذا يعني أوَّلًا خروجًا روحيًّا أي قناعة بأنَّ تُرابيَّة إنسان هذا العالم وطِينيَّته يُشَكِّلان عناصر العدميَّة فيه، الَّتي يتمسَّك هو بها طالبًا إيجاد معنى حياته فيها حَصْرًا أي في مَلَذَّاتِها... وهنا يُضلِّ الإنسان ذاته إذْ يَحصر وجودَه بالجسديَّات والنَّفسيَّات الفانيات مُهْملًا الرُّوحيات والأبديَّات. فالإنسان العالمَيّ سيرته وحياته هي في هذا العالم وفي إطار المحسوسات والملموسات، في حين يقول الرَّسُول بولس بأنَّنا "لسنا من هذا العالم، بل سيرتنا هي في السَّماوات" (فيلبي 3 :20). فالغُربة هنا ليست هروبًا من الزَّمَن، بل تحرُّرًا من سلطان الزَّمَن أي محدوديَّة هذا العالم الَّذي يُقَيِّد الإنسان بشهواته وأهوائه. وفي هذا الإطار، يُعَلِّقُ القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: "الغربة عن العالم هي بداية الاتِّحاد بالله، لأنَّ من يترك الأرضيَّات يقتني السَّماويَّات".
* * *
مريم المصريَّة عبرت من الظُّلمة إلى النُّور، هي الَّتي عاشت في حياة الخطيئة، لكنَّها حين حاولتْ دخول كنيسة القيامة في أورشليم، وجدَتْ قوَّةً غير منظورة تمنعها. عندها أدركت أنَّ النَّجاسة تحجبها عن النِّعْمَة. رفَعَتْ قلبها إلى العذراء مريم طالبةً الشَّفاعة، ففُتح لها الباب، وكان ذلك بداية عبورها من زمن النَّجاسَة إلى زمن الطَّهارة. فتركت المدينة، وذهبت إلى البرِّيَّة، حيث قَضَتْ سنواتٍ طويلةٍ في التَّوْبة والصَّلاة، لتُصبح غريبةً عن العالم، ولكن قريبةً من الله.
القدِّيس أنطونيوس الكبير يقول: "مَن أرادَ أن ينجو من فِخاخ الشَّيْطان، فليتغرَّب عن العالم، لأنَّ الغُربة تحفظ القلب نقيًّا"، وهذا ما فعَلَتْهُ المصريَّة، فأطاعت الكلمة الإلهيَّة: "اخرجوا من وَسْطِهم واعتَزلوا، يقول الرَّبُّ، ولا تَمَسُّوا نجسًا فأقبلكم..." (2كورنثوس 6:17). أدركت المصرِيَّة أنَّها لا تستطيع أن تبقى في العالم فيما بعد، لأنَّها عرَفَتْ نفسها ورأت فَظاعة ما فيها مِن دَنَسٍ ورَجاسَة، فاختارَتْ طريق الطَّهارة بالكُلِّيَّة وعَرَفَتْ أنَّها حين تضع يدها على المحراث فلا يجوز أبدًا أن تلتفت إلى خلف لئلَّا تخسر خلاصها، لقد قرَّرَتْ إماتة إنسانها العتيق، إنسان الخطيئة والذِّل والعبوديَّة لإبليس بشهوات الجسد نهائيًّا وعرفت بالرُّوح ما قاله الرُّوح للقدِّيس إفرام السُّريانيّ بأنَّ "الغربة عن الزَّمَن هي ولادة جديدة، فيها يخلع الإنسانُ الإنسانَ العَتيق ويلبَس الجديد". فهِمَتْ أنَّها يجب أنْ تتغرَّب عن هذا الزَّمَن وما فيه لتدخُل الزَّمَن الجديد والخليقة الجديدة بدُخولها في زمن الغُربة...
* * *
يا أحِبَّة، "غُربة الزَّمَن" تعني أنَّ الإنسان يشعُرُ بأنَّ هذا العالم لا يَمْنَحه المعنى الحقيقيّ لوجوده لأنَّه يعلم أنَّ هذا الوجود مؤقَّت، بينما هو يتوق إلى الأبديَّة وإلى الخُلود... فيعيش زمنه طالبًا معنى لوجوده في ملذّاته وإنجازاته عساه بهذه الأمور يترك بصمةً تَدوم بعد رحيله القَسريّ عن هذا العالم... أمَّا "زمن الغُربة" فهو المرحلة الَّتي يختار فيها المؤمِن أنْ يَعيشَ كَغَريب، لا يتشبَّث بمباهج هذا الدَّهر، بل يُوَجِّه قلبه نحو الله. المسيحيُّون كانوا يَعيشون كغُرباء في هذا العالم، "كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ"، لَا يُشَاكِلُون شَهَوَاتِهم السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِهم أي قبل أن يعرفوا الرَّبَّ، بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذي دَعَاهُمْ، كانوا يَعيشون "قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ" (راجع 1 بطرس 1). مريم المصريَّة جسَّدَتْ هذَيْن البُعْدَيْن: شعَرَتْ بغربة الزَّمَن حين اكتشفت خواء حياتها السَّابقة، ثمَّ عاشَتْ زمَنَ الغُربة في البرِّيَّة حتَّى صارَتْ إيقونةً للتَّوْبة.
إنَّ سيرةَ مريم المصريَّة تُعَلِّمُنا أنَّ التَّحرُّر من النَّجاسة لا يتحقَّق إلَّا بالتَّغرُّب عن حياة هذا الزَّمَن عن منطقه عن أهدافه ومتطلِّباته الدَّهريَّة (secular)، والعبور إلى زَمنٍ جديدٍ تُشرق فيه الطَّهارة بالرُّوح القُدس في التَّوْبة والعُبور إلى حياةِ "الخليقة الجديدة" في المسيح. الغُربة ليست فقدانًا، بل امتلاء؛ ليست عزلة، بل لقاءٌ مع الله. وهكذا يصبح زمن الغُربة هو زمن الحرِّيَّة، وغربة الزَّمَن هي بداية الأبديَّة...
ومن استطاع أن يقبل فليقبل...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الأوَّل)
إنَّ الحجرَ لما خُتِمَ مِنَ اليَهود. وجَسَدَكَ الطّاهِرَ حُفِظَ مِنَ الجُند. قُمتَ في اليومِ الثّالثِ أَيُّها المـُخلِّص. مانِحًا العالمَ الحياة. لذلكَ قوّاتُ السّماوات. هتفوا إليكَ يا واهبَ الحياة. المجدُ لقيامتِكَ أَيُّها المسيح. المجدُ لِمُلكِكَ. المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدك.
طروباريَّة القدِّيسة مريم المصريَّة (باللَّحن الثَّامن)
بكِ حُفِظَتْ الصّورةُ باحتراسٍ وَثيق أيَّتها الأمُّ مريم، لأنَّكِ حملتِ الصّليبَ وتبِعْتِ المسيح، وعَمِلتِ وعلَّمتِ أن يُتغاضى عن الجسَدِ لأنَّه يَزول، ويُهتمَّ بأمورِ النّفسِ غير المائتة. لذلك تَبتهِجُ روحُكِ مع الملائكة.
القنداق (باللَّحن الثَّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (عب 9: 11- 14)
صَلُّوا وَأَوْفُوا الرَّبَّ إِلَهَنَا.
اللهُ مَعْرُوفٍ فِي يَهُوذَا.
يا إخوةُ إنَّ المسيحَ إذ قد جاءَ رئيسَ كهنةٍ للخيراتِ المستقبلةِ فبمسكنٍ أعظمَ وأكمَلَ غيرِ مصنوعٍ بأيدٍ أي ليسَ من هذه الخليقة. وليسَ بدمِ تيوسٍ وعجولٍ بل بدمِ نفسِهِ دخلَ الأقداسَ مرّةً واحدة فوجدَ فداءً أبديًّا. لأنّه إن كانَ دمُ ثيرانٍ وتيوسٍ ورمادُ عجلةٍ يُرَشُ عَلَى المنجَّسينَ فيقدِّسُهم بِتطهيرِ الجسد. فكم بالأحرى دمُ المسيحِ الَّذي بالرّوحِ الأزليّ قرَّبَ نفسَهُ للهِ بلا عيبٍ، يطهّرُ ضمائرَكم من الأعمالِ الميتةِ لتَعبُدوا الله الحيَّ.
الإنجيل (مر 10: 32- 45)
في ذلك الزَّمان، أَخَذَ يسوعُ تلاميذَهُ الإِثْنَي عَشَرَ وابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُم ما سيَعْرُضُ لَهُ: هُوذا نَحْنُ صَاعِدُونَ إلى أُورَشَليمَ، وابنُ البَشَرِ سَيُسَلَّمُ إلى رؤساءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالموْتِ وَيُسَلِّمُونَهُ إلى الأُمَمِ فَيَهْزَأُونَ بِهِ ويَبْصُقونَ عَلَيْهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَقْتُلُونَهُ وفي اليَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ. فَدَنَا إِليْهِ يَعْقُوبُ ويَوحَنَّا ابْنَا زَبَدَى قائِلَيْن: يا مُعَلِّمُ نُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ لَنا مَهْمَا طَلَبْنَا. فَقالَ لَهُمَا: ماذا تُرِيدَانِ أَنْ أَصْنَعَ لَكُمَا. قالَا لَهُ: أَعْطِنَا أَنْ يَجْلِسَ أَحَدُنَا عَنْ يميِنِكَ والآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ في مَجْدِكَ. فقالَ لَهُمَا يسوعُ: إِنَّكُمَا لا تَعْلَمَان ما تَطْلُبَان. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الكَأْسَ الَّتي أَشْرَبُهَا أَنَا وأَنْ تَصْطَبِغَا بالصِّبْغَةِ الَّتي أَصْطَبِعُ بِها أَنَا. فقالَا لَهُ نَسْتَطِيع. فقالَ لَهُما يسوعُ: أَمَّا الكَأْسُ الَّتي أَشْرَبُهَا فَتَشْرَبَانِهَا وبِالصِّبْغَةِ الَّتي أَصْطَبِغُ بِها فَتَصْطَبِغَان. أَمَّا جُلُوسُكُمَا عَنْ يميني وَعَن يَسَارِي فَلَيْسَ لي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلَّا لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ. فَلَمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغْضَبُونَ على يعقوبَ ويوحنَّا، فدَعَاهُم يسوعُ وقالَ لَهُم: قدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُم، وَعُظَمَاءَهُم يَتَسَلَّطُون عَلَيْهِم، وأَمَّا أَنْتُمُ فَلا يَكُونُ فِيكُمْ هكذا، ولَكِنْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فيكُم كبيرًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خادِمًا وَمَنْ أرادَ أنْ يكونَ فيكمْ أَوَّلَ فَلْيَكُنْ للجميع عَبْدًا، فَإِنَّ ابْنَ البَشَرِ لَمْ يَأْتِ ليُخْدَمَ بَل ليَخْدُمَ، ولِيَبْذُلَ نَفْسَهُ فِدَاءً عَنْ كَثِيرِين.
حول الإنجيل
في هذا المقطع من إنجيل مرقس نرى الرَّبَّ يسوع في الطَّريق صاعدًا إلى أورشليم. كان التَّلاميذ خائفين، أمّا هو فكان ثابتًا، عارفًا أنّه ذاهب إلى الصَّليب بإرادته. يقول النَّصّ أنَّه أخذ الإثنَيْ عشر وابتدأ يخبرهم عمَّا سيحدث له: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وابن الإنسان يُسلَّم… ويحكمون عليه بالموت… ويصلبونه، وفي اليوم الثَّالث يقوم." طريق الصَّليب هو طريق المجد. المسيح لم يُفاجأ بالصَّليب، بل سار إليه بملء الحرِّيَّة. لم يكن الصَّليب هزيمة، بل طريق الخلاص. كم من مرَّةٍ نحن نهرب من الألم؟ نخاف من التَّجربة؟ بينما الرَّبُّ يعلِّمنا أنَّ القيامة تمرُّ بالصَّليب. في حياتنا، كلُّ صليبٍ نحمله بإيمان يتحوَّل إلى قيامة. كلُّ وجَعٍ نقدّمه لله يصير بركة. طلب يعقوب ويوحنَّا ابنا زبدي وسط حديث الرَّبّ عن آلامه، أن يجلسا عن يمينه وعن يساره في مجده! يا للمُفارقة! المسيح يتكلَّم عن الصَّليب، وهما يفكِّران بالمراكز. الرَّبُّ يُجيبهم: "أتستطيعان أن تشربا الكأس الَّتي أشربها؟" الكأس هنا هي كأس الألم والطَّاعة حتَّى الموت. المجد الحقيقيّ لا يُعطَى لمن يطلب العظمة، بل لمن يقبل طريق البذل.
كم من مرَّةٍ نطلب المجد بِلا تَعَب؟ نطلب الكرامة بِلا تضحية؟ مفهوم العظمة في ملكوت الله. حين غضب التَّلاميذ من يعقوب ويوحنا، جمعهم يسوع وقال لهم المبدأ العظيم: "مَن أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا، ومن أراد أن يكون أوَّلًا فليكن للجميع عبدًا". العالم يقيس العظمة بالسُّلطة والمال والنُّفوذ. أمَّا المسيح فقَلَبَ الموَازين: العظمة هي الخدمة. والرِّئاسة تواضُع. وهنا يُعطي المثال بنفسه: "لأنَّ ابن الإنسان أيضًا لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدِم، وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين". يا لها من آية تختصر الإنجيل كلَّه! المسيح الخادم الَّذي غسل أرجل تلاميذه، الَّذي شفى المرضى، الَّذي احتضن الأطفال، الَّذي غفر للخطاة، هو نفسه الَّذي صعد إلى الصَّليب حبًا بنا. العظمة المسيحيَّة ليست لقبًا، بل قلبًا متواضعًا. ليست كرسيًّا مرتفعًا، بل ركوعًا أمام أخيك.
القدِّيسة النَّاسكة
تحتلُّ القدِّيسة مريم المصريَّة موقعًا فريدًا في الوَعي اللِّيتورجيّ والرُّوحيّ للكنيسة الأرثوذكسيَّة، ولا سِيَّما في الأحد الخامس من الصَّوْم الكبير، حيث تُقدَّم سيرتها كنموذج للنُّسك التَّائب. إنَّ استحضارها في هذا التَّوقيت ليس أمرًا عاطفيًّا أو قِصَصِيًّا، بل يحمل بُعدًا لاهوتيًّا واضحًا يرتبط بفهم الكنيسة للصَّوْم، كما تعبّر عنه التَّرتيلة المأخوذة من (رو 14: 17): «ليس ملكوت الله طعامًا وشرابًا بل برًّا وقداسة».
تنتمي القدِّيسة مريم المصريَّة إلى تقليد الرَّهبنة الصَّحراويَّة في القرنَيْن الخامس والسَّادس، وهو الامتداد الطَّبيعيّ لحركة آباء البرِّيَّة في مصر وفلسطين. تُظهر سيرتها انتقالًا جذريًّا من حياة الانغماس في الشَّهوة إلى حياة التَّجرُّد الكامل في البرِّيَّة. غير أنَّ هذا الانتقال لا يُفهَم في إطارٍ أخلاقيّ صَرْف، بل في إطارِ تحوُّلٍ أنطولوجيّ: عُبور مِن إنسانٍ خاضع للأهواء إلى إنسانٍ مُتألِّه بالنِّعْمَة.
في هذا السِّياق، ينسجم مسارها مع تعليم القدِّيس اثناسيوس الإسكندريّ الَّذي يرى أنَّ غاية الحياة المسيحيَّة هي «استعادة صورة الله في الإنسان». فالنُّسك ليس رفضًا للجسد، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين النَّفْس والجسد في ضوء النِّعْمَة.
النُّسْك (άσκησις) في التَّقليد الأرثوذكسيّ يعني «التَّمرين» أو «التَّدريب». هو جهادٌ تربويّ يهدف إلى تنقية القلب. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير أنَّ الصَّوْم «وسيلة لضبط النَّفْس وتقويم الإرادة»، وليس غاية بِحَدِّ ذاته. كذلك يؤكِّد القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم أنَّ الصَّوْم الحَقيقيّ يتحقَّق «حين يمتنع الإنسان عن الشَّرِّ كما يمتنع عن الطَّعام».
مِن هنا نفهم أنَّ حياة مريم المصريَّة لم تكن مجرَّد ممارسة تقشُّفيَّة قاسية، بل كانت مسيرة شفاء تدريجيّ. فالنُّسْك الحقيقيّ، بحسب تعليم الآباء، يهدف إلى تحرير الإرادة من سلطان الشَّهوة، لا إلى إضعاف الجسد لذاته. إنَّه انتقالٌ من ضبطٍ خارجيّ إلى طهارةٍ داخليَّة.
الاستشهاد الليتورجي بهذه الآية في الأحد الخامس من الصوم يضع الصوم في إطاره الصحيح: الملكوت لا يُختزل في ممارسة طقسية أو غذائية، بل في ثمار روحية: البرّ والقداسة. البرّ يشير إلى الاستقامة العملية والعلاقة الصحيحة مع الله والإنسان، والقداسة تشير إلى التقديس التدريجي للكيان الإنساني بنعمة الروح القدس.
إن سيرة مريم المصرية تمثّل تجسيدًا عمليًا لهذه الحقيقة. لقد انتقلت من ممارسة جسدية خاطئة إلى ممارسة نسكية جسدية، لكنها لم تتوقّف عند الجسد، بل بلغت تحوّلًا داخليًا عميقًا. بهذا المعنى، تصبح البرية رمزًا للتجريد، والصوم أداة لإعادة توجيه الرغبة نحو الله.
إن إدراج سيرتها في مسيرة الصوم الكبير يحمل رسالة رعوية واضحة: لا يأس في الحياة الروحية، ولا خطيئة تتجاوز إمكانية التوبة. كما أن الكنيسة تؤكّد من خلالها أن الصوم ليس نظامًا غذائيًا ولا ثقافة تقشّف، بل ممارسة خلاصية تهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان في المسيح. فالنسك، في ضوء اللاهوت الأرثوذكسي، ليس انغلاقًا فرديًا، بل انفتاحًا على الملكوت. إنه جهاد يقود إلى الشركة، وصمت يقود إلى التسبيح، وجوع يقود إلى الامتلاء بالله.
إن القديسة الناسكة ليست نموذجًا أسطوريًا، بل شهادة تاريخية ولاهوتية على فاعلية النعمة في الإنسان. وفي الأحد الخامس من الصوم، تذكّرنا الكنيسة أن الصوم يبلغ كماله لا في الامتناع، بل في التحوّل؛ لا في الطعام والشراب، بل في البرّ والقداسة. هكذا يصبح النسك الحقيقي مسيرة تألّه، والصوم طريقًا إلى استعادة صورة الله في الإنسان، تمهيدًا للدُّخول في فرح القيامة...