Menu Close
281225

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد بعد عيد الميلاد

العدد 52

الأحد 28 كانون الأوَّل 2025

اللَّحن 4- الإيوثينا 7

أعياد الأسبوع: *28: : يوسف خطيب مريم، داوود الملك، يعقوب أخي الرَّبّ، الشُّهداء العشربن ألف الَّذين في نيقوميذيّة *29: تذكار الأطفال ال14 ألفًا الَّذين قتلهم هيرودس، البارّ مركلُّس *30: الشَّهيدة في البارّات أنيسيَّة *31: وداع عيد ميلاد المسيح، البارَّة ميلاني الَّتي من رومية *1: عيد ختانة ربِّنا يسوع المسيح بالجسد، الجليل في القدِّيسين باسيليوس الكبير، القدّيس غريغوريوس النَّزينزي والد غريغوريوس اللَّاهوتيَ *2: تقدمة عيد الظُّهور الإلهيّ، القدِّيس سلبسترس بابا رومية، البارّ سارافيم ساروفسكي *3: النَّبي ملاخيا، الشَّهيد غورديوس.

كلمة الرّاعي 

الميلاد والزَّمن الجديد: ملء الزَّمان وزمان الملء

"لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمان، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ..." (غل 4: 4 - 5)

الأعياد في الكنيسة محطّات فرحٍ ورجاء وتغيير، هذا ما نتوخّاه منها على كلِّ حال، وهي ذكرى تستجلب علينا نعمة الله وخلاصه. إنَّها نوافذ إلى الماضي والتَّاريخ وفي نفس الوقت إلى الأبديَّة وملكوت السَّماوات... نعيشها في الزَّمن وهي تحققت فيه لكنّها ليست محصورة بحدوده إذ حين دخل الله الزَّمان في "ملء الزَّمان"، صار هذا الزَّمان موضعًا لحضور الأبديَّة وتجسيدها في الآن... كلّ عيد في الكنيسة هو "ملء الزَّمان"، لأنّ يسوع هو محوره ومركزه وغايته وهو يُحقِّق للزَّمان ملئه...

*             *             *

يأتينا  عيد ميلاد الرَّبّ بالجسد من البتول كلّ سنة لنأتي به إلى حياةٍ جديدة بطفل المغارة الَّذي هو " مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ" (حجي 2: 7). هو يأتي لأجل كلّ البشر، هو ليس محتَكَرًا من جماعة أو مِلَّةٍ أو شعب، هو مخلِّص العالم... به يتجدَّد الزَّمان لأنّه خالقه، وهو الَّذي يمنح المؤمنين به أن يصيروا على غراره أبناء الله... بالنِّعْمَة لا بالطَّبيعة والجوهر، لأنَّه يمنحهم روحه القدُّوس الصَّانع الحياة ومصدر كلّ تجديد وقداسة...

حين وُلدَ المسيح يسوع من البتول مريم صار هذا الميلاد "لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً" (1 كو 1: 23)، لأنّ صورة الله في عقولهم لم تُطابق إله يسوع المسيح، فأرادوا قتله. الإله المتأنّس أتى متواضعًا وَديعًا، فقيرًا مسكينًا، تلبَّس ضعفنا دون أن يكون ضعيفًا وفقرنا وهو الكنز ومسكنتنا  وهو الممجَّد... لم يأتِ ليُرضي أفكار البشر عن الله وتوقّعاتهم منه، بل أتى ليكشف لنا حقيقة الله... أنّه نور وحياة، وفرح وسلام، ومحبَّة وحنان... لأنّه لم يشأ أن تبقى خليقته خاضعة للموت ولسلطانه عليها... وما يستتبع ذلك من أهواء وشهوات وخطايا... بدخوله زمن العالم أدخل العالم في زمن الأبديَّة... في اللَّازَمَن... فيصير به الزَّمان جديدًا وللإنسان تجديدًا... بالإيمان أي بطاعة الكلمة...

*             *             *

الزَّمن الجديد أي زمن الملكوت الَّذي حضر بتجسُّدِ ابن الله الوحيد لا يتحقَّق فينا بزيادة أرقام السِّنين ولا بالتَّمنيات الَّتي نرجو الحصول عليها، بل بالعمل والحَقّ. أن نتغيَّر هذه ليست مسألة حظّ بل هي إرادة وتصميم وسعي دؤوب في الصَّلاة والصَّوْم والخدمة... والبركات لا تأتي بالانتظارات بل بنعمة الله وتعب الإنسان. لن يتغيّر العالم بتغيُّر السِّنين بل بجِدّ المجتهدين وتعاون  المؤمنين بالمولود الطِّفل الإلهيّ  الَّذي هو إنساننا الجديد وعالمنا الجديد...

يا أحبَّة،  لا نطلبنَّ الأفضل لحياتنا من الغيب بل من الله، وتقادُم السِّنين لا يجلب الخير أو الشَّرّ على المؤمنين بل أفعالهم، لإنَّه إنْ لم يكن إيماننا فاعلًا بالمحبَّة فهو ميت، وتاليًا لا ننتظرنّ حياةً أفضل إن لم نبذل دمًا وأعراقًا لأجل اقتنائها... القداسة هي غايتنا وهي حياتنا، وطريقنا إليها أن نخرج من فكر العالم وخرافاته وتفاهته إلى إيمان الصَّحراء وصحراء الإيمان حيث اكتشف العبرانيُّون قديمًا أنَّ الإنسان حين يترك أي يتعلَّم أن يتخلَّى عن مشيئته ويُطيع الله يبصر عجائبه ويتلقَّى كلمات الحياة الأبديَّة من عنده، "لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ..." (2 كو 6: 17 – 18)... ملء الزَّمان يسوع المسيح وزمان الملء هو الآن ...

ومن استطاع أن يفهم فليقل هذا لكلِّ إنسان...

ميلاد مجيد وعام سعيد في الرُّوح القدس...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الرَّابع)

إنَّ تلميذاتِ الرَّبّ تعلَّمنَ مِنَ الملاكِ الكرْزَ بالقيامةِ البَهج. وطَرَحنَ القَضاءَ الجَدِّيَّ. وخاطبنَ الرُّسلَ مُفتَخِراتٍ وقائِلات. سُبيَ المَوتُ وقامَ المَسيحُ الإله. ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.

طروباريَّة عيد الميلاد (باللَّحن الرَّابع)

ميلادُكَ أيُّها المسيحُ إلهنُا قد أطلعَ نورَ المعرفةِ في العالم، لأنَّ السَّاجدين للكواكب به تعلَّموا من الكوكب السُّجودَ لك يا شمسَ العدل، وأن يعرفوا أنّك من مشارقِ العلوِّ أتَيت، يا ربُّ، المجدُ لك.

طروباريَّة الأحد بعد عيد الميلاد (بِاللَّحن الثَّاني)

يَا يُوسُفُ بَشِّرْ دَاوُدَ جَدَّ الإِلَهِ بِالعَجَائِبِ البَاهِرَةِ، لِأَنَّكَ قَدْ رَأَيْتَ بَتُولًا حَامِلًا، فَمَعَ الرُّعَاةِ مَـجَّدْتَ، وَمَعَ الـمَجُوسِ سَجَدْتَ، وَبِالـمَلاكِ أُوحِيَ إِلَيْكَ. فَابْتَهِلْ إِلَى الـمَسِيحِ الإِلَهِ أَنْ يُخَلِّصَ نُفُوسَنَا.

قنداق عيد الميلاد (باللَّحن الثَّالث)

اليومَ البَتُول تَلِدُ الفائقَ الجَوْهَر، والأرضُ تُقرِّبُ المغارة لِمَن هو غيرُ مُقْتَرَبٍ إليه. الملائكة مع الرُّعاة يمجِّدون، والمجوس مع الكوكب في الطَّريق يَسِيرون. لأنَّه قد وُلِدَ من أجلنا صبيٌّ جديدٌ، الإلهُ الَّذي قبلَ الدُّهور.

الرِّسالة (غل 1: 11- 16)

عَجيبٌ هُوَ اللهُ فِي قِدِّيسِيهِ.

فِي الـمَجَامِعِ بَارِكُوا اللهَ.

يَا إِخْوَةُ، أُعْلِمُكُمْ أَنَّ الإِنْجِيلَ الَّذي بَشَّرْتُ بِهِ لَيْسَ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ، لِأَنِّي لَـمْ أَتَسَلَّمْهُ أَوْ أَتَعَلَّمْهُ مِنْ إِنْسَانٍ، بَلْ بِإِعْلانِ يَسُوعَ الـمَسِيحِ. فَإِنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَدِيمًا فِي مِلَّةِ اليَهُودِ أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُدَمِّرُهَا، وَأَزِيدُ تَقَدُّمًا فِي مِلَّةِ اليَهُودِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي بِكَوْنِي أَوْفَرَ مِنْهُمْ غَيْرَةً عَلَى تَقْلِيدَاتِ آبَائِي. فَلَـمَّا ارْتَضَى اللهُ الَّذي أَفْرَزَنِي مِنْ جَوْفِ أُمِّي وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ، أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لِأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِسَاعَتِي لَـمْ أُصْغِ إِلَى لَحْمٍ وَدَمٍ، وَلا صَعِدْتُ إِلَى أُورَشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ الَّذينَ قِبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى دِيَارِ العَرَبِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ رَجِعْتُ إِلَى دِمَشْقَ. ثُمَّ إِنِّي بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورَشَلِيمَ لِأَزُورَ بُطْرُسَ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَـمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ سِوَى يَعْقُوبَ أَخِي الرَّبِّ.

الإنجيل (مت 2: 13- 23)

لَمَّا انْصَرَفَ الـمَجُوسُ إِذَا بِـمَلاَكِ الرَّبِّ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي الحُلْمِ قَائِلًا: قُمْ فَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ، فَإِنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ. فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ، لِيَتِمَّ الـمَقُولُ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِل: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي. حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى هِيرُودُسُ أَنَّ الْمَجُوسَ سَخِرُوا بِهِ غَضِبَ جِدًّا وَأَرْسَلَ فَقَتَلَ كُلَّ صِبْيَانِ بَيْتَ لَحْمَ وَجَميعِ تُخُومِهَا مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونَ عَلَى حَسَبِ الزَّمان الَّذي تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوسِ. حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قَالَهُ إِرْمِيَاءُ النَّبِيُّ الْقَائِلُ: صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ وَبُكَاءٌ وَعَوِيلٌ كَثِيرٌ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَقَدْ أَبَتْ أَنْ تَتَعَزَّى لِأَنَّـهُمْ لَيْسُوا بِـمَوْجُودِينَ». فَلَمَّا مَاتَ هِيرُودُسُ إِذَا بِمَلاَكِ الرَّبِّ ظَهَرَ لِيُوسـُفَ فِي الحُلْمِ فِي مِصْرَ قَائِلًا: قُمْ فَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ فَقَدْ مَاتَ طَالِبو نَفْسِ الصَّبِيِّ». فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَجَاءَ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. وَلَمَّا سَمِعَ أَنَّ أَرْشِيلاَوُسَ قَدْ مَلَكَ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ مَكانَ هِيرُودُسَ أَبِيهِ، خَافَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى هُنَاكَ. وَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الحُلْمِ فَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي الْجَلِيلِ، وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ تُدْعَى نَاصِرَةَ لِيَتِمَّ الـمَقُولُ بِالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ يُدْعَى نَاصِرِيًّا.

حول الإنجيل

يُظهِرُ المقطع الإنجيليّ للأحد بعد عيد الميلاد أنَّ حضور المسيح في العالم منذ لحظة ولادته كان مهدَّدًا، وأنَّ النُّورَ الإلهيّ لا يدخل إلى التَّاريخ دون مقاومةٍ مِن قوى الظُّلمة. فهيرودس، رمز السُّلطة المتمسِّكَة بالشَّرّ، يَسعى لإهلاك الطّفل، بينما يوسف ومريم يُطيعان صوتَ الملاك ويحملان يسوع إلى مصر. هذا المشهَد يضع الميلاد في سياق تاريخ الخلاص، حيث يبدأ طريق الصَّليب منذ المهد، ليؤكِّد أنَّ الخَلاص ليس مسيرةً سهلةً بل يتطلَّب مواجهةً وتضحية.

القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم يرى في هروب المسيح إلى مِصر علامةً على أنَّ التَّدبير الإلهيّ لا يُبطِل حرِّيَّة الإنسان، بل يعمل مِن خِلالها لِيَقودَ التَّاريخ نحو غايته. فالله لم يمنع هيرودس بالقوَّة، بل سمح أن يظهر الشَّرّ ليُظهر في المقابل قوة الطَّاعة والإيمان. وهكذا يصبح يوسف مثالًا للطَّاعة الصَّامتة، إذْ يُصغي لكلمة الله ويعمل بها دون اعتراض، ليكشف أنَّ البِرَّ الحقيقيّ يتجلَّى في الخُضوع للإرادة الإلهيَّة. أمَّا العذراء مريم فهي نموذج الإيمان الخلَّاق، فهي لا تحفظ الكلمة فقط بل تلدها وتبشِّر بها، لتصبح إناءَ مصطفى يحمل الحَقّ إلى العالم. في المقابل، هيرودس يجسِّد القِوَى العِدائيَّة الَّتي ترفض النُّور وتتمسَّك بالظُّلمة، وهو نموذج متكرِّر في كلِّ الأزمنة حيث يسعى الإنسان إلى إبطال صورة الحُبّ الإلهيّ.

القدِّيس إيريناوس يوضح أنَّ التَّاريخ يَسير نحو غاية إسختولوجيَّة، حيث ينتصر الحَمَل المذبوح رُغم مُقاوَمَة الشَّرّ، وأنَّ الميلاد هو بِدايَة هذا الانتصار. فالمسيح الَّذي هَرَب إلى مِصرَ هو نفسه الَّذي سيعود ليُواجِهَ الصَّليب، لكنَّه أيضًا الَّذي سيَقُوم ويَغلُبَ العالم. حضور المسيح إذًا يصبح دينونة للرَّافِضين وتبريرًا للمؤمنين، ما يجعل الميلاد حدثًا وجوديًّا يطلب جوابًا شخصيًّا مِن كلِّ إنسان.

البُعد الرُّوحيّ لهذا النَّصّ يتجلَّى في الدَّعوة إلى رفض الحياد والفتور أمام دخول المسيح إلى العالم. العبارة "قُمْ خُذْ الصَّبيّ وأمَّه" ليست مجرَّد وصيَّةً ليوسف، بل هي نداءٌ دائمٌ للكنيسة وللمؤمنين، كي يَحمِلوا المسيح في حياتهم ويشهَدوا له وِسْطَ عالمٍ لا يزال يرفض النُّور. الميلاد بهذا المعنى هو حدثٌ واقعيّ يواجه تحدِّيات مَلْمُوسَة، لكنَّه أيضًا حدثٌ روحيّ يَفتح أمام المؤمنين أُفُقَ الرَّجاء. لقد وُلِدَ يسوع، وماتَ هيرودس، وبَقِيَ الحَقّ حاضِرًا في العالم، لِيُصْبِحَ الميلاد بدايةَ مسيرة الصَّليب وعربونَ القيامة والانتصار.

قداسة يوسف الخطيب

هذا البارّ كان من نسل داوود، رجلًا عبرانيًّا مُحافِظًا على الطُّقوس والفرائض النَّاموسِيَّة. اتَّصَفَ بالرِّقَّة والشَّهامة وحُبِّ الآخَرين وعدم الإدانة. ويتضَّح هذا جليًّا أنَّه عندما أدرك بِحَبَل مريم من دون أن تكون له مُعاشرةً معها، لم يُلحِق بها أيّ أذى ولم يُشَهِّرها (يفضحها) كما كان يسمح له النَّاموس بل كَتَمَ على نفسه وعَضَّ على جُرحِهِ وهَمَّ بِتَخْلِيَتِها سِرًّا. ولمَّا أدرك الحقيقة من الملاك أخذها معه إلى بيت لحم للاكتتاب وذلك ليُنقذها من نميمة الألسنة وثرثرة ضعاف النُّفوس ويثبِّت شرعيَّةَ انتسابها له أمام الجميع. هذا البارّ الطَّيِّب رَعَى وِلادَةَ السَّيِّد المسيح مِنَ البَتول فكان الخادِمَ الأمين لسِرِّ التَّجسُّد مُتَّصفًا بالصَّمْتِ والصَّلاة والخدمة والتَّأمُّل من دون أن تبهره ظهورات الملائكة وسجود المجوس وغير هذا من الأمور الَّتي رافقت الميلاد الإلهيّ. وقد تجلَّتْ أيضًا في حياته فضيلة الطَّاعة حين ظهر له الملاك وطلب منه الهروب مع الطِّفل وأمِّه إلى أرض مصر بسبب نِيَّةِ هيرودس الملك قتل الصَّبيّ. فأطاع وارتحل معهما متنقِلًا هناك مع كلِّ التَّعَب الَّذي كانت هذه الرِّحْلَة محفوفةً به. وهكذا تحقَّقَتْ نبؤة أشعياء النَّبيّ في العهد القديم عن هذا الهروب إلى مصر ( أش١:١٩). وبعد ثلاث سنوات رجع يوسف ومريم بالطِّفل بعد مَوْتِ هيرودس وسكنوا في النَّاصرة واستقرُّوا هناك. وقبل ظهور المسيح العَلَنيّ للخِدْمَة تنيَّح البارّ يوسف لأنَّ الأناجيل لم تعد تذكره وكأنَّ الكتاب المقدَّس يُريد أن يقول لنا أنَّ هذا البارّ أتمَّ ما كان مطلوبًا منه وأنَّه لمّا أتَمَّ أيَّام خدمته ذهب إلى بيته. يوسف تاجَرَ بالوزنات المُعطاة له أفضل متاجرةٍ وانتقل أخيرًا إلى الفردوس السَّماويّ. هذا البارّ تُعيِّد له كنيستُنا المقدَّسة في الأحد الَّذي يلي عيد الميلاد المجيد. بركة شفاعاته فلتكن معنا كلُّنا، آمين .