نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (16) بعد العنصرة
العدد 39
الأحد 28 أيلول 2025
اللّحن 7- الإيوثينا 5
أعياد الأسبوع: *28: القدِّيس خاريطن المعترف، النَّبيّ باروخ، البارّ إسحق السّوري *29: القدِّيس كرياكُس السّائح *30: الشَّهيد غريغوريوس أسقف أرمينية العظمى، الشَّهيد سْتراتونيكُس *1: الرَّسول حنانيا أحد السَّبعين، القدِّيس رومانُس المرنِّم *2: الشَّهيد في الكهنة كبريانوس، الشَّهيدة يوستينة *3: الشَّهيد في الكهنة ديونيسيوس الأريوباغي أسقف أثينا، البارّ إيسيخيوس *4: القدِّيس إيروثيوس أسقُف أثينا، البارّ عمّون المصريّ.
كلمة الرّاعي
زمن الرَّبّ
"هوذا الآن وقتٌ مقبول" (2 كو 6: 2)
رتَّبتْ الكنيسة في هذا الأحد قراءة المقطع الإنجيليّ من لوقا (5: 1 - 11) الَّذي يتحدَّث عن الصَّيد العجيب بناءً على كلمة الرَّبّ لبطرس. في هذا المقطع يدعو الرَّبُّ بطرس ورفاقه لاتِّباعه ليصيروا صيَّادي بشر. في المقابل، اختارت الكنيسة المقطع الرَّسائليّ من الرِّسالة الثَّانية إلى أهل كورنثوس (6: 1 - 10)، حيث يرشدنا الرَّسُول بولس إلى جوهر الخدمة الحقيقيَّة، ودعوة النِّعْمَة، ومعنى الجهاد المسيحيّ. يقول: "نطلب إليكم أنْ لا تقبلوا نعمة الله باطلًا… هوَّذا الآن وقتٌ مقبول، هوَّذا الآن يوم خلاص" (2 كو 6: 1-2). بحسب الرَّسُول بولس اللهُ يمنح نعمته بسخاءٍ، لكنَّ خطرًا عظيمًا يتربَّص بكُلِّ مَن يقبلها دون أن يثمر بها. لذلك يُحذِّرنا "لا تقبلوا نعمة الله باطلًا"، إنَّها ليست دعوة للخوف، بل للتنبُّه. فالنِّعْمَة لا تفعل فعلها في الإنسان إلَّا بواسطة التَّوبة، وجهادُ عَيْشِ الكلمة، وفَتْح القلب والكيان لله. وفي هذا السِّياق يقول القدِّيس إسحق السُّريانيّ: "كلُّ مَن لم يتعب في طلب الحَقّ، حتَّى ولو أُعطِيَ نعمةً، فإنَّه سيفقدها؛ لأنَّ النِّعْمَة لا تُعطى لكي تُهمل، بل لكي تُثمِر". النِّعْمَة تُعين الإنسان على التَّغيُّر إلى الخليقة الجديدة، لكنَّها لا تعمل بالانفصال عن الإنسان ذاته ومشيئته وسَعْيِهِ، فالمسيرة الرُّوحيَّة هي تآزُرِيَّة (synergétique) بين نعمة الله ومشيئة الإنسان. نعم، النِّعْمَة تُعطى، لكنَّها لا تُفرَض. إنَّها تَقرع، لكنَّها لا تَقتحِم، وتاليًا لا تدخل قلب الإنسان ما لم يفتح الباب...
* * *
الإنسانُ كسولٌ، بعامَّةٍ، لأنَّه يُحاوِل التَّهرُّب من التَّعَب، ويَرْغَب لو بإمكانه أن يحصل على ما يُريدُه من دون جهد. طبعًا، في الحياة اليوميَّة لا يستطيع الإنسان أن يعيشَ بكرامَةٍ ما لم يعمل بجِدّ، ولا يقدر أن يتقدَّم في أعماله ما لم يجتهد. لكن، في الحياة الرُّوحيَّة كم من مرَّةٍ يُرجئ الإنسان توبته؟ يؤجِّل تغيير حياته؟ ينتظر ظروفًا "أفضل" لكي يبدأ رحلة الرُّجوع إلى الله؟. لكنَّ الرُّوح يصرخ في داخلنا: "هوَّذا الآن وقتٌ مقبول، هوَّذا الآن يوم خلاص"... في هذا الإطار، يعلِّق القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم قائلًا: "الله لا يتباطأ، لكن نحن الَّذين نتوانى عن الخلاص... اليوم هو لك، أمَّا الغد فليس في يدك". هذا "الآن" هو لحظة الاستجابة، هو نعمة الوقت الحاضر الَّتي لا تعود. هو الوقت الَّذي فيه يُولد المسيح في القلب، إن كنَّا نفتح له. هو زمن الخلاص للتَّائب... الماضي مَضَى والمستقبل ليس مُحدَّدًا، فقط الآن هو وقت الحياة الحقيقيّ... وزمن التَّغيير والتَّجدُّد...
* * *
يكشف لنا الرَّسول بولس سِرَّ خدَّام الله الحقيقيِّين، أولئك الَّذين لا يكرزون بالكلام فقط، بل يُبشِّرون بأجسادهم المتألمِّة، وصبرهم الطَّويل، وطهارتهم، ومحبَّتهم غير الصَّادِقَة والأمينة. "في صبرٍ كثيرٍ، في شدائد، في ضروراتٍ، في ضيقات… في طهارة، في معرفة، في طول أناة… في الرُّوح القدس، في محبَّةٍ بلا رياء" (2 كو 6: 4-6)، هذه هي حقيقة خدَّام الرَّبّ إنَّهم على صورة معلِّمهم الرَّبّ يسوع المسيح المصلوب لأجل حياة العالم. بالنِّسبة للقدِّيس إسحق السُّريانيّ: "الخدمة ليست أعمالًا فقط، بل احتمالًا في صمت... مَن لا يحمل صليبه، لا يقدر أن يعلن المسيح". الخادم الحقيقيّ للرَّبّ لا يُقاس بظهوره، بل بتواريه؛ لا بشهرته، بل بأمانته؛ لا براحة جسده، بل بتعب محبَّته في جسده الضَّعيف... في منطق عالم الخطيئة يسعى الإنسان للظُّهور وطلب المديح وأن يصير معروفًا من النَّاس ومنظورًا منهم، يطلب حياة الرّفاه والرَّاحة والغنى والمقتنيات. هكذا يكون خدّام مجد النَّاس في هذا العالم، هم يعملون ليطلبوا مجدًا بعضهم من بعض، ولهذا لا يستطيعون أن يؤمِنوا كما يقول الرَّبّ: "كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا، وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالمَجْدَ الَّذي مِنَ الإِلَهِ الوَحْدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟" (يوحنا 5: 44).
* * *
يا أحِبَّة، في رسالة اليوم، يعرض لنا الرَّسُول بولس سلسلة صفات رُسُل الرَّبّ وخُدّامه إذْ يُعَبِّر عن سرّهم قائلًا: "كأنَّنا حزانى ونحن دائمًا فرحون، كأنَّنا فقراء ونحن نُغْنِي كثيرين، كأَّننا لا شيء لنا ونحن نملك كلَّ شيء". إنَّها ليست مفارقات منطقيَّة، بل أسرار روحيَّة. مَن يعرف الله، يعرف أنَّ الغنى لا يُقاس بما تملكه الأَيْمَان، بل بالقلب الممتلئ بالله. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: "مَن يملك الله، يملك كلَّ شيْء، حتَّى وإن بدا لا شيْءَ له. أمَّا من يتشبَّث بالأرض، فهو أفقر الفقراء ولو امتلك العالم كلَّه".
هذا كلّه يجعل كلّ مؤمن جِدّيّ يتساءل: هل أنا أقبل نعمة الله بجديّة، أم بتهاوُن؟، هل أعيش في "الآن"، أم أُؤجل توبتي؟، هل أطلب حياة الرَّاحة، أم أقبل صليب التَّوبة والمحبَّة والخدمة؟، هل أفرح رغم الضِّيق؟ وهل أملك كلَّ شيءٍ لأنَّني أملك المسيح؟... هذه الأسئلة على كلِّ مؤمنٍ أن يُجيب نفسه، أوَّلًا عنها، وأن يحملها صلاةً أمام عرش الرَّبّ طالِبًا النِّعْمَة بالحَقِّ لا بالباطل، وأن يمنحه الرَّبُّ أن يعيش كلَّ لحظةٍ من حياته كأنَّها وقتُ الرَّبّ المقبول، وكلَّ يومٍ كأنَّه يومَ خلاصه. علينا أن نطلب من الرَّبّ تعليمنا أن نفرح في الضِّيق، وأن نمتلئ من غنى نعمته لكي نُغْني بها كثيرين، ونحن عالمِون أنَّنا وإنْ لم يكن لنا شيءٌ، نكون في الله نملك كلَّ شيء. حتَّى يصير الله فينا بالمسيح الكلّ في الكلّ...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّابع)
حَطَمْتَ بِصَليبِكَ المَوت. وفتحتَ للِّصِّ الفِرْدَوس. وحوَّلتَ نَوْحَ حامِلاتِ الطّيب. وأمَرْتَ رُسلَكَ أن يَكرزِوا. بأنَّكَ قد قُمتَ أَيُّها المسيحُ الإله. مانِحًا العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريّة البارّ إسحق السُّوريّ (باللَّحن الثّامن)
لِلبَرّيَّةِ غَيرِ المُثمِرَةِ، بِمَجاري دُموعِكَ أَمرَعتَ، وَبِالتَّنَهُّداتِ الَّتي مِنَ الأَعماقِ، أَثمَرَت أَتعابُكَ إلى مائَةِ ضعِفٍ. فَصِرتَ كَوكَبًا للمسكونةِ مُتَلألِئًا بِالعَجائِبِ، يا أَبانا البارَّ يوحَنّا. فابتَهِل إلى المَسيحِ الإلَهِ، أَن يُخَلِّصَ نُفوسَنا.
القنداق (باللَّحن الثّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرّسالة (2 كو 6: 1- 10)
الرَّبُّ يُعطِي قُوَّةً لِشَعْبِهِ.
قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَبْنَاءَ اللهِ.
يَا إِخْوَةُ، بِمَا أَنَّنَا مُعَاوِنُونَ نَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ لا تَقْبَلُوا نِعْمَةَ اللهِ فِي البَاطِلِ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنِّي فِي وَقْتٍ مَقْبُولٍ اسْتَجَبْتُ لَكَ، وَفِي يَوْمِ خَلاصٍ أَعَنْتُكَ. فَهُوَذَا الآنَ وَقْتُ مَقْبُولٌ، هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاصٍ. وَلَسْنَا نَأْتِي بِـمَعْثَرَةٍ فِي شَيْءٍ لِئَلَّا يَلْحَقَ الخِدْمَةَ عَيْبٌ، بَلْ نُظْهِرُ، فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي جَلَدَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ، فِي طَهَارَةٍ، فِي مَعْرِفَةٍ، فِي طُولِ أَنَاةٍ، فِي رِفْقٍ فِي الرُّوحِ القُدُسِ، فِي مَحَبَّةٍ بِلا رِيَاءٍ، فِي كَلِمَةِ الحَقِّ، فِي قُوَّةِ اللهِ بِأَسْلِحَةِ البِرِّ عَنِ اليَمِينَ وَعَنِ اليَسَارِ، بِـمَجدٍ وَهَوَانٍ، بِسُوءِ صِيتٍ وَحُسْنِهِ. كَأَنَّنَا مُضِلُّونَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ، كَأَنَّنَا مَجْهُولُونَ وَنَحْنُ مَعْرُوفُونَ، كَأَنَّنَا مَائِتُونَ وَهَا نَحْنُ أَحْيَاءٌ، كَأَنَّنَا مُؤَدَّبُونَ وَلا نُقْتَلُ، كَأَنَّنَا حَزَانَى وَنحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَأَنَّنَا فُقَرَاءُ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنَّنَا لا شَيءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلُكُ كُلَّ شَيْءٍ.
الإنجيل (لو 5: 1- 11)(لوقا 1)
فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِيمَا يَسُوعُ وَاقِفٌ عِنْدَ بُحَيْرَةِ جَنِّيسَارَت، رَأَى سَفِينَتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ عِنْدَ شَاطِئِ البُحَيْرَةِ وَقَدِ انْحَدَرَ مِنْهُمَا الصَّيَّادُونَ يَغْسِلُونَ الشِّبَاكَ. فَدَخَلَ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ، وَكَانَتْ لِسِمْعَانَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَتَبَاعَدَ قَلِيلًا عَنِ البَرِّ. وَجَلَسَ يُعَلِّمُ الجُمُوعَ مِنَ السَّفِينَةِ. وَلَـمَّا فَرَغَ مِنَ الكَلامِ، قَالَ لِسِمْعَانَ: تَقَدَّمْ إلى العُمْقِ، وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ. فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ إِنَّا قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَـمْ نُصِبْ شَيْئًا. وَلَكِنْ بِكَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ. فَلَـمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ احْتَازُوا مِنَ السَّمَكِ شَيْئًا كَثِيرًا حَتَّى تَـخَرَّقَتْ شَبَكَتُهُمْ. فَأَشَارُوا إلى شُرَكَائِهِمْ فِي السَّفِينَةِ الأُخْرَى أَنْ يَأْتُوا وَيُعَاوِنُوهُمْ. فَأَتَوْا وَمَلَأُوا السَّفِينَتَيْنِ حَتَّى كَادَتَا تَغْرَقَانِ. فَلَـمَّا رَأَى ذَلِكَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلًا: أُخْرُجْ عَنِّي يَا رَبُّ، فَإِنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ. لِأَنَّ الاِنْذِهَالَ اعْتَرَاهُ هُوَ وَكُلَّ مَنْ مَعَهُ لِصَيْدِ السَّمَكِ الَّذي أَصَابُوهُ. وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبَدَى اللَّذَانِ كَانَا رَفِيقَيْنِ لِسِمْعَانَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ: لا تَخَفْ، فَإِنَّكَ مِنَ الآنَ تَكُونَ صَائِدًا لِلنَّاسِ. فَلَـمَّا بَلَغُوا بِالسَّفِينَتَيْنِ إلى البَرِّ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوهُ.
حول الإنجيل
في هذا المقطع الإنجيليّ نَرى السَّيِّد المسيح يختار تلاميذه فيبدأ بهؤلاء الرِّجال الأربعة صيَّادي السَّمَك الأُمِيِّين: سمعان بطرس، أندراوس، يعقوب ويوحنّا. اختارهم السَّيِّد ليكرِزوا، لا بفلسفةِ العالم وحكمةِ هذا الدَّهْر، وإنَّما بنعمةِ الله العامِلَة فيهم، لذلك الاختيار ابتدأ بأعجوبة الصَّيْد... المشهد بدأ بسفينتَيْن واقفتَيْن عند البُحَيْرة والصَّيَّادون قد خرجوا منهما وغسلوا الشِّباك ولم يصيبوا شيئًا.
السَّفينتان تُشيران إلى الشَّعبَيْن اليهوديّ والأمم، إذْ عندما ألقى الرُّسُل شِباكَهُم بأمْرٍ مِنَ الرَّبّ، جاءوا بصَيْدٍ كثيرٍ كادَتْ الشِّباك تتخرَّق، فبالمسيح يتَّحِد العالم ويتحوَّل إلى شعبٍ واحِدٍ وكنيسةٍ واحِدَة. لذلك نَرَى أنَّ الصَّيَّادين لم يأتوا بالسَّمك إلى الشَّاطئ بل فَرَّغوا الشِّباك في السَّفينتَيْن إشارةَ إلى الكنيسة.
الصَّيْد حصل في العُمق حسب طلب الرَّبّ، ومِن المعلوم أنّ الصَّيْد يكون بالأكثر في اللَّيل، ويَكاد ينقطع في الظَّهيرة، كما أنَّه يَكون على الشَّاطِئ لا في الأعماق! وهذا ما أظهره سمعان إذ حدَّث المسيح عن خبرتهم وتعبهم طوال اللَّيل وأنَّهم لم يُصيبوا شيئًا لكنَّه أكمل إذْ قال: "ولكن بكلمتك ألقي الشَّبكة" هذه الكلمة "ولكن" تشير إلى ضعف الخبرة البشريَّة أمام الأمر الإلهيّ الَّذي يحولِِّها إلى خبرة الإيمان بكلمة الرَّبِّ الفاعِلَة. يقول القدِّيس أمبروسيوس " إنَّ جهاد سمعان بطرس طول اللَّيل الَّذي بلا ثمر يمثِّل من يكرز ببلاغة بشريّة وفلسفات مجرَّدة، لذا صارت الحاجة مُلِحَّة أن تكون الكرازة في النَّهار حيث يُشرق المسيح شمس البرّ مقدِّمًا كلمته الفعّالة الَّتي تملأ شباك الكنيسة بالسَّمك الحَيّ...".
رأى بطرس الرَّسُول الصَّيْد الكثير ولم يدرك ما حصل فسجد للمسيح على ركبتيه، مُعترفًا بضعفه ومحدوديَّته وخطاياه أمام عظمة ربِّ البِحار، فصرخ، قائلًا: "أخرج من سفينتي يا ربّ، لأنّي رجلٌ خاطئ" لم يكن هذا الكلام عاطفيًّا بل تواضعًا وتفاعُلًا حقيقيًّا مع عمل الله، وهذا ظهر عندما ترك مع باقي الرُّسُل كلَّ شيء وتبعوا المسيح... يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم عن هذا التَّرك: " اخبرني أيّ شيء عظيم تركه بطرس؟ أليست مجرَّد شبكةً ممزَّقَة وعصًا وصنّارة؟ ومع ذلك فقد فتح له الرَّبُّ بيوت العالم، وبسط أمامه الأرض والبحر، ودعاه الكلّ إلى ممتلكاتهم، بل باعوا ما كان لهم ووضعوه عند قدَمَيْه وليس حتَّى في يديه".
النُّسك من خلال البارّ إسحق السُّريانيّ
يُعَدّ القدِّيس إسحاق السُّريانيّ من أبرز أعلام النُّسك المسيحيّ وأعمق معلِّمي الرُّوحانيَّة في الكنيسة. وُلد في بلاد فارس وتتلمذ منذ صغره على الحياة الرُّهبانيَّة، فاختبر الصَّمت والصَّلاة والتقشُّف كطريقٍ يقود إلى معاينة الله. انتُخب أسقفًا على نينوى، لكنَّه لم يحتمل مشاغل الرِّعايَة الكثيرة، فترك الكرسيّ الأسقفيّ سريعًا ليعود إلى قلَّايته ويعيش حياة الوَحدة والنُّسك.
في صمته، نسج كلماتٍ أضاءَتْ للكنيسة طريق الخلاص، فجاءت "مقالاته الرُّوحيَّة" شاهدةً على عمق اختباره النُّسكيّ، وداعيةً إلى التَّوبة، الصَّلاة الدَّاخليَّة، والرَّحمة الشَّاملة. لقد جمع القدِّيس إسحق بين النُّسك الحقيقيّ ومحبَّة الله اللَّامتناهية، فصار مرشِدًا للتَّائقين إلى حياةِ السَّكينة والاتِّحاد بالله.
يقول القدِّيس إسحق إنّ ثمرة النُّسك الحقيقيَّة هي السَّكينة، أي أن يستقرَّ القلب في حضرة الله بعيدًا عن ضوضاء الأفكار وهموم العالم. فالصَّوْم والصَّمت والسَّهر ليست غاياتٍ بذاتها، بل وسائل تساعدنا على الإصغاء إلى صوت الرُّوح القدس في أعماقنا. ونحن اليوم، في عالمٍ مضطرب ومتسارع، مدعوُّون أن نقتني هذا الهدوء حيث نجد سلام المسيح الَّذي يفوق كلَّ عقل.
يربط القدِّيس إسحق كلَّ جهادٍ نسكيّ بالصَّلاة، لأنَّ الصَّلاة هي نَفَس الحياة الرُّوحيَّة وروح النُّسك. فالصَّوم بلا صلاة جسد بلا روح. لذلك يشدّد على أنَّ النُّسك الحقيقيّ يُثمر في الصَّلاة النَّقيَّة، حيث يرفع المؤمن قلبه بتواضعٍ وانسحاق أمام الله.
يعلّم القدِّيس إسحق أنَّ النُّسك لا ينفصل عن المحبَّة أبدًا. فيقول: "القلب المملوء رحمةً يحترق من أجل الخليقة كلِّها، من أجل النَّاس والحيوانات وحتَّى الشَّياطين". بهذا يوجّهنا إلى أنَّ الجهاد الرُّوحيّ لا يقود إلى الانغلاق، بل إلى اتِّساع القلب حتّى يصير شبيهًا بقلب المسيح. لذلك، فصومنا وصلواتنا يجب أن تترجم إلى أعمال محبَّةٍ وغفران ورحمة في حياتنا اليوميَّة، وإلَّا فقدت قيمتها الحقيقيَّة.
النُّسك عند القدِّيس إسحق السُّريانيّ ليس حِكرًا على الرُّهبان، بل هو طريقٍ عمليّ وواقعيّ لكلِّ مؤمن. فكلّ واحدٍ منّا يستطيع أنْ يحيا نسكًا مقدّسًا في قلبه، بالصَّلاة الصَّادقة، والصَّوْم بروح التَّوْبة، وبالرَّحمة تجاه القريب، وبالاتِّكال الدَّائم على رحمةِ الله. وهكذا يصبح القلب هيكلًا للرُّوح القدس، ويختبر المؤمن عربون الملكوت منذ الآن.