نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (7) بعد العنصرة
العدد 30
الأحد 27 تمّوز 2025
اللّحن 6- الإيوثينا 7
أعياد الأسبوع: *27: العظيم في الشُّهداء بندلايمون الطَّبيب الشَّافي، البارَّة أنثوسة المعترِفَة *28: القدّيسِين بروخورُس ونيكانُر وتيمُن وبَرميناس الشَّمامسة، القدّيسة إيريني خريسوڨلاندي *29: الشَّهيد كالينيكوس، القدّيسة ثاوذوتي وأولادها *30: القدّيسين سيلا وسلوانس ورفقتهما *31: تقدمة عيد زيَّاح الصَّليب، الصِدِّيق إفذوكيمُس، البارّ يوسف الرَّاميّ *1: عيد زيَّاح الصَّليب، القدّيسين الفتيان المكابيّين الـ 7 الشُّهداء وأمُّهم صَلَمُوني ومعلِّمُهُم لعازر، بدء صوم السَّيِّدَة. *2: تذكار نقل عظام استيفانوس أوّل الشُّهداء ورئيس الشّمامسة.
كلمة الرّاعي
الجهاد الشَّرْعيّ
"إنْ كانَ أحَدٌ يُجاهِدُ فلا ينالُ الإكليلَ ما لمْ يُجَاهِدْ جِهَادًا شَرْعِيًّا" (2 تي 2: 5)
ينطلق بعض المفكِّرين من فكرة أنّ الإنسان لا يبلغ اختبار الإيمان الحقيقيّ إلَّا مِن خلال أداء فرائض معيّنة تتجلَّى في طقوسٍ وواجباتٍ خاصَّة، باعتبار أنّ الدِّين، كما يُعرَّف اصطلاحًا، هو منظومة تربط الكائن البشريّ بالمطلَق، وتوجِّه حياته نحو غايةٍ سامِيَة. هذه المنظومة قد تتَّخِذ مسارَيْن:
- شرعٍ إلهيّ يُحدِّد للإنسان عقائد وسلوكيَّات تنظِّم علاقته بالله وعلاقته بالمجتمع.
- إيمانٍ بخالق الكون يتجلَّى عبر عقيدةٍ وعبادة وأخلاق تهدي الإنسان إلى الخير في هذه الحياة وفي الآخِرَة.
لغويًّا، كلمة "الدِّين" تحمل دلالاتٍ متعدِّدة: الجزاء والمحاسبة، الطَّاعة والانقياد، السُّلوك والعادة، كما تُشير إلى الحكم والسُّلطة. ولهذا، غالبًا ما يُنظَر إلى الدِّين كجسرٍ يربط الحاضر بالأبديَّة مِن خلال شرائعٍ وطُقوس وفَرائِض، بل وقَد يُعتَمَد أساسًا في بناء الدُّوَل ونظام الحُكم على اعتبار أنَّه تجسيدٍ لحُكم الله في الأرض.
في هذا السِّياق، ليسَتْ المسيحيَّة دينًا بالمعنى التَّشريعيّ أو المؤسَّسيّ أو الطُّقوسيّ. فالمسيح لم يأتِ ليُعطينا منظومة قوانين تُحكم بها الأرض، ولا فرائض تُمارَس إرضاءً لله. بل جاء ليَهَبَنا ملكوتَ الله، ويجعلنا أبناءً له وورثة لمجده. أتى ليُتْحِدَنا به، ويجعلَنا "آلهةً بالنِّعْمَة"، أي "خليقةً جديدةً" لا تُحرِّكها الواجبات بل تُلهِمها وتحرّكها المحبَّة؛ محبَّة الله ومحبَّة القريب.
* * *
المسيحيَّة: سِرُّ الوِلادَةِ الجديدة والدُّخول في جسد المسيح
المسيحيَّة لَيْسَتْ مجرَّد انتماءٍ عقائديّ، بل هي سرٌّ عظيم، سرُّ الانخراط في عضويّة "جسد المسيح"، أي الكنيسة، الَّتي تُعدّ استباقًا لملكوت السَّماوات وبدءًا لحياة الدَّهر الآتي.
إنَّها سِرُّ الوِلادة الجديدة، وحدث الخلق المتَجَدِّد، الَّذي يتحقَّق بالمعموديَّة والتَّوبة المستمرّة، حيث يتَّحد المؤمن مع المسيح "بشبه موته، لكي يَصيرَ أيضًا في قيامته" (رو 6: 5). فالمسيحيّ هو إنسانٌ جديد، مولود ثانية من فوق (يو 3: 4)، من "الماء والرُّوح" (يو 3: 5). هو "مسيحٌ صغير"، لأنّه لبس المسيح في المعموديَّة (غل 3: 27)، وصار بالنِّعْمَة ابنًا لله، مُتَبنّى في المسيح يسوع، مدعوًّا ليحيا كمسيح في هذا العالم، حاملًا نور وقوّة وفرح الحياة الأبديّة ككائنٍ آتٍ من الدَّهر الآتي.
من اعتمد باسم الثَّالوث القدُّوس يصير إنسانًا إلهيًّا، يحمل في ذاته كلَّ الإمكانيّات الكامنة، بالنِّعْمَة، لتَحقيق بنُوَّتِه لله من خلال التَّشبُّه بالمسيح. وهنا يبرز دور المشيئة الشَّخصيَّة والجهاد الرُّوحيّ لتفعيل هذه النِّعْمَة السَّاكنة في القلب. ولكي تُثمِر، لا بُدَّ من معرفةٍ حَيَّةٍ وفهمٍ عميقٍ لكلمة الله، تُترجم بخبرة الطَّاعة، إلى أن يتّحد الإنسان بالكلمة اتِّحادًا يجعل منه شهادةً حيّةً، لا يقول إلَّا ما ينطق به "الكلمة" نفسه؛ المسيح الإله المتجسّد، شهادةَ حُبٍّ ومُصالَحَة وسلام.
* * *
الجهاد الشَّرْعيّ: طريق التَّوْبَة ومعرفَة النَّفْس
يا أحِبَّة، الجهاد الشَّرْعيّ هو مسيرةٌ روحيّة عميقة، جهاد معرفة النَّفْس والتَّوبة، وهو نزولٌ دائمٌ إلى أغوار القلب بانفتاحٍ على نور النِّعْمَة الإلهيَّة، ليُطَهِّر الله خفايا الإنسان برحمته وحنانه، وصولًا إلى كمال الشِّفاء الدَّاخليّ.
إنّه جهادٌ يعبّر عنه بولس الرَّسول بقوله: "أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ" (1 كو 9: 27)، وهو السَّعي إلى عدم الإدانة (لو 6: 37)، والمسامحة سبعين مرَّة سبع مرّات (مت 18: 22)، والتَّعلُّم من المسيح الوداعة والتَّواضع (مت 11: 29)، والصَّوْم عن شهوات الجسد والجوع إلى كلمة الله (مت 4: 2–4). هو أن نُحبَّ المسيح بحفظ وصاياه (يو 14: 21)، ونسهر ونُصَلِّي (مت 26: 41)، ونطلب "أوّلًا ملكوتَ الله وبرّه" (مت 6: 33).
فالجهاد الشَّرْعيّ ليس فرائض ولا طقوسًا جامدة، بل هو حياةُ طاعةٍ وتواضعٍ مِطواع أمام الله، تُهيّئ القلب لتفاعل النِّعْمَة فيه وتحوّل الإنسان إلى كائنٍ جديدٍ لا يُحرَّك بالجسد، بل يَحيا بالرُّوح كابن لله.
وبغَيْر الرُّوح القُدس، لا يعرف الإنسان كيف يُصلّي، ولا كيف ينكشف على ذاته، أو يدرك خطاياه وشهواته، وليس له قوّةً على أن يغلب حتّى أصغر مَيْل داخليّ. الجهاد الشَّرْعيّ إذًا هو جهاد التَّوبة والدُّموع على السَّقطات، هو أن نُوَجِّه أبصارنا إلى داخلنا لا إلى خطايا الآخَرين، فنَقْتَني الرَّحمة والمصالحة والمسامحة، ونطلب المغفرة بشعورٍ حقيقيّ أنَّنا "أوّل الخطأة" (1 تي 1: 15).
مَنْ أدركَ هذا الجهاد، حمل صليبه وسار وراء المسيح في الطَّريق، الَّذي هو الحَقّ والحياة (يو 14: 6)، ذاك الطَّريق الَّذي يقودنا إلى الآب.
ومن له أذنان للسَّمع، فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة (بِاللَّحْنِ السّادِس)
إِنَّ القُوَّاتِ الـمَلائِكِيَّة ظَهَرُوا عَلَى قَبْرِكَ الـمُوَقَّر، وَالحُرَّاسَ صَارُوا كَالأَمْوَات، وَمَرْيَمَ وَقَفَتْ عِنْدَ القَبْرِ طَالِبَةً جَسَدَكَ الطَّاهِر. فَسَبَيْتَ الجَحِيمَ وَلَـمْ تُجَرَّبْ مِنْهَا، وَصَادَفْتَ البَتُولَ مَانِحًا الحَيَاة. فَيَا مَنْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يَا رَبُّ الـمَجْدُ لَك.
طروباريَّة القدّيس بندلايمون الشّافي (بِاللَّحْنِ الثّالِث)
يا ذَخِيرَةَ الإشفاقِ وَالرَّحمَة بَندلايمُونَ الطَّبِيبَ الشَّافِي. أنتَ مَجّانًا تَشفي النُّفُوسَ وَالأَجسَادْ، بِالرُّوح وَعِلمِكَ وَطُرُقِكَ الإلَهِيَّة. فاشْفِنا أيضًا مِن كُلِّ مَرَضٍ، وَتَوَسَّل أَيُّها الشَّهِيدُ المَجِيدُ إِلى المَسِيحِ الإِلَه أَن يَمنَحَنَا الرَّحمَةَ العُظمَى.
قنداق عيد التَّجلّي (باللَّحن السَّابع)
تَجَلَّيْتَ أَيُّهَا الـمَسِيحُ الإِلَهُ عَلَى الجَبَلِ، وَحَسْبَمَا وَسِعَ تَلامِيذَكَ شَاهَدُوا مَجْدَكَ، حَتِّى عِنْدَمَا يُعَايِنُونَكَ مَصْلُوبًا، يَفْطَنُوا أَنَّ آلامَكَ طَوْعًا بِاخْتِيَارِكَ، وَيَكْرِزُوا لِلْعَالَمِ أَنَّكَ أَنْتَ بِالحَقِيقَةِ شُعَاعُ الآبِ.
الرِّسالة (2 تيمو 2: 1- 10)
يَفْرَحُ الصِّدِّيقُ بالرَّبِّ
اِسْتَمِعْ يا اللهُ لِصَوْتِي
يا ولدي تِيمُوثاوُسَ، تَقَوَّ في النِّعْمَة الَّتي في المسيحِ يسوع. وما سمِعْتَهُ مِنِّي لدى شُهُودٍ كثيرينَ اسْتَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ كُفُؤًا لأنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أيضًا. اِحْتَمِلِ المَشَقَّاتِ كجُندِيٍّ صالِحٍ ليسوعَ المسيح. ليسَ أحدٌ يتجنَّدُ فيرتَبِكُ بِهُمومِ الحياة. وذلك ليُرْضِيَ الَّذي جَنَّدَهُ. وأيضًا، إنْ كانَ أحَدٌ يُجاهِدُ فلا ينالُ الإكليلَ ما لمْ يُجَاهِدْ جِهَادًا شَرْعِيًّا. ويَجِبُ أَنَّ الحَارِثَ الَّذي يَتْعَبُ أَنْ يَشْتَرِكَ في الإِثْمَارِ أوَّلًا. إِفْهَمْ ما أَقُول. فَلْيُؤْتِكَ الرَّبُّ فَهْمًا في كلِّ شيء. أُذْكُرْ أَنَّ يسوعَ المسيحَ الَّذي مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ قد قامَ مِنْ بينِ الأمواتِ على حَسَبِ إنجيلِي، الَّذي أَحْتَمِلُ فيهِ المَشَقَّاتِ، حتَّى القيودَ كمُجْرِمٍ، إِلَّا أنَّ كلِمَةَ اللهِ لا تُقَيَّدُ، فلذلكَ أنا أَصْبُرُ على كلِّ شيء من أجلِ المُخْتَارِينَ لِكَي يَحْصُلُوا هم أيضًا على الخلاصِ الَّذي في المسيحِ يسوعَ مع المجدِ الأبديّ.
الإنجيل (مت 9: 27- 35) (متى 7)
في ذلك الزَّمان، فيما يسوعُ مُجْتَازٌ تَبِعَهُ أعمَيَانِ يَصِيحَانِ ويقولانِ ارحَمْنَا يا ابنَ داوُد. فلمَّا دخلَ البيتَ دنَا إليهِ الأعميانِ فقالَ لهما يسوع: هل تُؤْمِنَانِ أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أفعَلَ ذلك؟، فقالا لهُ: نعم يا رَبُّ، حينئذٍ لمسَ أعيُنَهُمَا قائِلًا: كإيمانِكُمَا فليَكُنْ لَكُمَا. فانْفَتَحَتْ أعينُهُمَا. فانْتَهَرَهُمَا يسوعُ قائلًا: أُنْظُرا لا يَعلَمْ أحدٌ. فلمَّا خرجَا شَهَرَاهُ في تلكِ الأرضِ كلِّها. وبعدَ خروجِهِمَا قَدَّمُوا إليهِ أخرسَ بهِ شيطانٌ، فلمَّا أُخْرِجَ الشَّيطانُ تكلَّمَ الأخرسُ. فتعجَّبَ الجموعُ قائِلينَ لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هذا في إسرائيل. أمَّا الفَرِّيسِيُّونَ فقالُوا إنَّهُ برئيسِ الشَّياطينِ يُخْرِجُ الشَّياطين. وكان يسوعُ يَطُوفُ المُدُنَ كُلَّهَا والقُرَى يُعَلِّمُ في مجامِعِهِم ويَكْرِزُ ببشارَةِ الملكوتِ ويَشْفِي كلَّ مَرَضٍ وكلَّ ضُعْفٍ في الشَّعب.
حول الإنجيل
"اِرحَمنا يا ابنَ داوود" صرخ الأعميَان نحو الرَّبّ يسوع، الرَّبّ لم يَسْتَجِب بسرعَةٍ بل انتظَر وصولهما إلى البيت، ليُظْهِرَ تواضعَهما وثباتهما في الإيمان، عندئذٍ لمَسَ أعينهما قائلًا: "كإيمانكما فليَكُن لكما".
هل لدينا هذا الإيمان؟ وهذا التَّواضع والصَّبر؟
المسيح يُريد أن يَرَى إيماننا "لو كان لديكم إيمانٌ كَحَبَّةِ الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيءٌ غير ممكن لديكم" (متّى 17: 20).
فانفتحت أعينهما وأصبحا مبشِّرين بالمسيح "في تلك الأرض كلّها".
لقد أظهرا إيمانهما عندما نادياه بـ"ابن داود" أي بالمسيح المنتظر طالبين منه الرَّحْمَة، مع أنَّهما لم يرياه بأعيُن الجسد ولكن بأعيُنِ القلب والرُّوح. فكم مِنْ أعمى العينَيْن لديه البصيرة الصَّالحة، وكم من بَصيرٍ هو أعمى ولا يَرَى جمال الله في خليقته.
إلى ماذا يرمزان هذان الأعميان؟
الأعميان يرمزان لليهود وللأمم أي لكلِّ البشريَّة، فقد أتى الرَّبُّ يسوع ليفتح أعْيُن قلوبنا لنعرف الله إلهَنا الحقيقيّ، وننظر الفرح والمحبَّة في المسيح مخلِّصنا، ولنحيا الحياة الأبديَّة: "هذه هي الحياة الأبديَّة أن يعرفوكَ أنتَ الإله الحقيقيّ وحدَكَ والَّذي أرسلته يسوع المسيح" (يوحنّا 17: 3).
بعد أنْ يُعايِن المؤمن النُّور الحَقيقيّ عليه أن يهتف نحو الله بتسابيح المجد مرتِّلًا بشُكرٍ لاسْمِهِ "ما دُمْت موجودًا". ولكن هذا الأخرس منعه الشَّيطان بأن يتكلَّم، كما يمنع كثيرين في عالمنا من قَوْلِ الحَقِّ ومن تلاوة الصَّلاة ومن الشُّكر والتَّسبيح. لذلك كان لا بُدَّ للمسيح أن يتدخَّل: "لمّا أخرج الشَّيطان تكلّم الأخرس".
أمام هذين المشهدَيْن إعادة البَصَر وطرد الشَّيطان تعجّب الجموع لما لم يَرَوْه مِنْ قَبل: "لم يظهر قطّ مثل هذا في إسرائيل". استطاعوا مُعاينة حضور الله بينهم "معنا هو الله فاعلموا أيُّها الأمَم وانهزموا لأنَّ الله معنا".
لكنَّ نعمة التَّمييز بين أعمال الله وأعمال الشَّيطان لم تُعطَ للفَرِّيسيِّين بسبب "قساوة قلوبهم". فنَسَبوا أعمال الله للشَّيطان، كما في أيَّامنا الحاضرة.
فهلمُّوا بنا يا إخوة نصرخ نحوه بايمانٍ وشوقٍ ليَشفينا من كلِّ مرضٍ وكلِّ ضعفٍ، ولنَطوف معه المدن والقرى - رعايانا وعائلاتنا- ونعلِّم أولادنا المحبَّة والتَّواضع ونكرز ببشارة الملكوت. آمين.
الدّواء الشّافي
نكتشف من قراءة الكتاب المقدَّس الحقيقة العظيمة أنّ كلّ مأساةٍ ومعاناةٍ ومصيبةٍ تختبرها إنسانيّتنا السّاقطة تشفى بنعمة الله، لا بل ويمكنها أيضًا أن تتحوّل إلى مصدرٍ للنّعمة لا مثيل لها.
يأتي هذا الاكتشاف في مقابل ما يحاول العالم اليوم إقناعنا به عن طريق السّياسيّين والفلاسفة، وهو أنّه يستطيع بناء عالمٍ خالٍ من المعاناة.
المعاناة واقعٌ موجودٌ في العالم، وهذا ما يخبرنا به بولس الرّسول في رسالته إلى أهل رومية: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلَامَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لَا تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رومية 8: 18). وهذه المعاناة مأساةٌ لا يريدها الله، وهي نتيجة سقوط العالم بسبب خطايانا، ولذلك أتى المسيح إلى العالم وأتمّ كلّ شيءٍ في ذاته.
يقول القدّيس إسحق السّريانيّ: "كان يمكن لله أن يختار طريقةً أخرى ليشفينا، لكنّه اختار طريق الصّليب تحديداً لأنّه ما من طريقٍ آخر يمكنه أن يكشف لنا عظم محبّته، فالمسيح نفسه قال: "لَيْسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يوحنّا 13:15).
بالتّالي ليس لنا من طريقٍ في المقابل كي نتّحد بالمسيح سوى من خلال تقبّل معاناتنا بامتنانٍ وإيمانٍ ومحبّةٍ من أجل المسيح ومن أجل بعضنا البعض.
لا يمكننا في الحقيقة أن نتجنّب المعاناة مهما كانت وعود هذا العالم، لكنّنا نملك الخيار بين أن نملأ المعاناة بالفراغ واليأس، أو بإضفاء معنى لها ومحبّة. خيارنا الوحيد هو إذا ما كنّا سنبحث في معاناتنا أم لا عن الرّبّ يسوع المسيح الَّذي هو وحده الدّواء الشّافي لكلّ مرضٍ وألم يعترينا.
أقوال للمطران بولس يازجي
+ ليس الله انشغالاً بين كلّ أشغالنا بل هو غاية كلّ أعمالنا.
+ الملكوت هو الغاية، والأشياء هي أداة نستخدمها سلبياً فتستعبدنا للعالم أو إيجابيًّا فتحرّرنا نحو الملكوت.
+ علينا ألّا نُبعد الله عن حياة الناس بجعله "فكرة" ولا أن نبعده عنهم بجعله "لقمة". الله هو الكلّ بالكلّ وللكل.
+ يجدر بصلاتنا أن تبدّل حياتنا، الله كائنٌ ديناميكي وليس فكرةً ستاتيكية. من يخاطب الله يتغيَّر طريقُه، كخروج إبراهيم أبي المؤمنين، وكلّ القديسين الذين سمعوا فساروا.
+ الرَّجاء هو مادَّة الحرارة في الصَّلاة. صلاةٌ دون رجاء هي أشبه بالرِّياء. صلاتنا ليست واجبًا أو مجرَّد عبادةٍ نرسلها إلى الله.