Menu Close
261025

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (20) بعد العنصرة

العدد 43

الأحد 26 تشرين الأوَّل 2025

اللّحن 3- الإيوثينا 9

أعياد الأسبوع: *26: العظيم في الشُّهداء القدِّيس ديمتريوس المفيض الطِّيب والزَّلزلة العظيمة *27: الشَّهيد نسطر، القدِّيسة بروكلا امرأة بيلاطس *28: الشُّهداء ترنتيوس ونيونيلا وأولادهما، القدِّيس استفانوس السَّابَويّ *29: الشَّهيدة أنستاسيّا الرُّوميّة، البارّ ابراميوس ومريم ابنة أخيه *30: الشَّهيدَيْن زينوبيوس وزينوبيا أخته، الرَّسول كلاوبا *31: الرَّسول سطاشيس ورفقته *1: القدِّيسَيْن قُزما وداميانوس الماقِتَيْ الفضَّة وأمَّهما البارَّة ثيوذوتّي، البارّ داوود (آڤيا).

كلمة الرّاعي 

التَّجنُّد للرَّبّ

"كجنديّ صالحٍ ليسوعَ المسيح" (2 تي 2: 3)

يكتب الرَّسول بولس إلى تلميذه الحبيب تيموثاوس ليودِع في قلبه وصيَّة الحياة ونَهج الرِّسالة. "تَقوَّ في النِّعْمَةِ الَّتي في المسيح يسوع"، يقول له. إنَّها وصيَّة كلّ مرشدٍ روحيّ لتلميذه، بل هي نداء الأب الرُّوحيّ إلى أبنائه: لا تتَّكِل على قوَّتك، بل على نعمة الله الَّتي فيك. لأنَّ قوَّة الإنسان باطلة، وضعف الله أقوى من كلِّ قوى مخلوقاته مجتمعة بما لا يُقاس. يذكِّرنا القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم أنَّ "النِّعْمَة هي السِّلاح الَّذي لا يُقهَر، وهي المَعين الَّذي لا ينضب"، فالقوَّة الحقيقيَّة لا تأتي من الجهد البشريّ وحده، بل من اشتراك النَّفس في نبع النِّعْمَة، فالجهد البشريّ مطلوب كتعبيرٍ عن الالتزام والرَّغبة بأنْ يعمل الله في الإنسان. لذلك يوصي بولس تيموثاوس بأن يستودع هذا التَّعليم أناسًا أمناء، قادرين أن يسلِّموه إلى آخَرين، لأنَّ الإيمان الحَيّ لا يُحتكَر، بل يُورَّث بالقُدوة والتَّضحية إلى مَن هُم أهل لعيشه واختباره ونقله من خلال حياتهم...

*             *             *

المؤمن الَّذي يحمل وَديعة الإيمان يجب أن يكون كالجنديّ لا يرتبك بشؤون الحياة اليوميَّة طالما هو في خدمته، لأنَّ له هدفًا واحدًا: أنْ يُرضي مَن جَنَّده وأنْ يتمِّم مهمَّته، وهذا ما يُوصي به الرَّسول تلميذه: "احتمل المشقَّات كجُندِيٍّ صالحٍ ليسوع المسيح". خلال الخدمة العسكَريَّة لا يحقّ للجنديّ أن يكون له أي اهتمام آخَر سوى بما أُوكِل إليه، وإلَّا يفشل وقد يخسر حياته إنْ كان في المعركة. وهذا ما يوضحه القدِّيس باسيليوس الكبير حين يقول إنَّ "المسيحيّ الحَقّ هو ذاك الَّذي يخوض معركة الفضيلة بشجاعة، فيسهر على نقاوة قلبه كما يسهر الجندي على سلاحه"، مُشيرًا إلى أنَّ التَّراخي هو العَدُوّ الأوَّل للحياة الرُّوحيَّة وهو قد يؤدّي إلى دمار الإنسان وهلاكه الأبديّ... وفي هذا السِّياق يضيف القدِّيس مكسيموس المعترف أنَّ الجهاد الشَّرعي لا يَقوم على القوَّة فقط، بل على التَّمييز والاتِّزان، لأنَّ "من يجاهد خارج الطَّاعة والاتِّضاع يجاهد باطلًا". فالإكليل لا يُعطى لمجرَّد الجهد، بل لمن يُجاهد بحسب قانون المسيح أي في محبَّة، في غفران، وفي طاعة لإرادته الإلهيَّة. فالَّذي يطيع مسؤوليَّته على من أصدر الأمر، أمَّا مَن يطيع نفسه فهو يضع ذاته في مكان أعلى ممَّا هي حقيقته وتاليًا يأخذ قرارات في غير مكانها لأنَّه ليس بعد صاحب العلم والخبرة في هذا المقام... روحيًّا... من يتَّكل على نفسه ويطيع ذاته يخرب حياته ويخسر خلاصه...

*             *             *

الحياة المسيحيَّة حياة جهاد روحيّ موصول. المؤمن كالجنديّ أي أنَّه يجب أن يكون مستعدًّا للطَّاعة والتَّعب مهما كلَّف الأمر من تضحيات حتّى يحصد الغلبة، كذلك المؤمن هو أيضًا مثل المزارع، كما يقول الرَّسول بولس: "يَجبُ أنَّ الحارثَ الَّذي يتعَبُ أن يشتَركَ في الإثمار أوَّلًا". فالحارث يكدّ بصبرٍ، يزرع ولا يرى الثَّمر حالًا، لكنَّه يؤمن أنَّ الله سيُعطي البركة في حينها. وكما يقول القدِّيس غريغوريوس اللَّاهوتيّ: "من يزرع بكلمة الله عليه أن ينتظر موسم الحصاد في القلوب، لا في الأيَّام". وما هي الثَّمرة الَّتي يجهد المؤمن لاقتنائها سوى نعمة القيامة: "أُذكُرْ أنَّ يسوعَ المسيحَ الَّذي مِنْ نسلِ داودَ قد قامَ من بين الأمواتِ…". هذه هي غاية جهادنا والكرازة لأنَّ "كلمةَ الله لا تُقيَّد". كم هو عظيم هذا الإعلان! فالمعلِّم مقيَّد بالسَّلاسل، لكنَّ الكلمة حرَّة. الجسد يُحبس، لكنَّ النِّعْمَة تفيض. يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم في تفسيره لهذا المقطع: "يمكن أن تُقيَّد الأيدي، لكن لا يمكن أن تُقيَّد كلمة الله، لأنَّها تنفذ إلى كلِّ مكان، وتحطّم القيود وتُحيي القلوب". فالمؤمن كالجنديّ يطلب الغلبة وكالحارث ينتظر الثِّمار، وهذه وتلك تحصلان بقوّة قيامة المسيح من بين الأموات الَّذي يغلب فينا ويثمر في حياتنا تشبُّهًا به في الفضائل.

*             *             *

أيُّها الأحبَّاء، هذه الرِّسالة ليست لتيموثاوس وحده، بل لكلِّ واحدٍ منا. فكلّ مؤمن مدعوّ أن يكون جنديًّا صالحًا في جيش المسيح، لا بالسِّلاح، بل بالصَّبر والمحبَّة والبذل والتَّضحية والمسامحة والاستغفار والصَّلاة والصَّوْم والسَّجدات والشَّهادة اليوميَّة. فعلى سبيل المثال، في العائلة، نكون جنودًا صالحين حين نتحمَّل بصبرٍ ضعف الآخر ونزرع السَّلام بدل الجدال؛ وفي العمل، نكون جنودًا صالحين حين نؤدّي واجبنا بأمانة لا طلبًا للمدح بل إرضاءً للَّذي جنَّدنا: المسيح؛ وفي المجتمع، نكون جنودًا صالحين حين نواجه الشَّرّ بالخير، والكراهية بالمحبَّة، واليأس بالرَّجاء. وفي الكنيسة نطلب الحصول على ثمار حراثتنا الرُّوحيَّة بنعمة الرُّوح القدس في الأسرار والصَّلوات والأصوام المختلفة وفي كلِّ عطاءٍ وخدمة نقوم بها في الخفية وفي العلن لكي يرى النَّاس أعمالنا ويمجِّدوا أبانا الَّذي في السَّماوات. إنَّ الحياة المسيحيَّة ليست كسلًا بل راحةً في التَّعب ومسيرة جهادٍ مقدَّس، فيها كَدٌّ ودموع، لكن أيضًا فرحٌ لا يُنتزَع. يقول القدِّيس إسحق السُّريانيّ: "حيث لا جهاد، لا إكليل؛ وحيث لا صليب، لا قيامة". لذا، ليكن شعار حياتنا: "أَحْتَمِلُ المشقَّات كجنديٍّ صالحٍ للمسيح يسوع"، ولنثبت في النِّعْمَة، عالمين أنَّ كلمةَ الله لا تُقيَّد، وأنَّ الإكليل محفوظٌ لكلِّ مَن جاهد جهادًا صالحًا وحفظ الإيمان...

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّالث)

لِتفرحِ السَّماوِيَّات. ولتَبتَهِجِ الأرضِيَّات. لأنَّ الرَّبَّ صنعَ عِزًّا بساعِدهِ. ووَطِئَ المَوْتَ بالمَوْت. وصارَ بِكرَ الأموات. وأنقذَنا من جَوفِ الجحيم. ومَنَحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.

طروباريَّة القدِّيس ديمتريوس الـمُفيض الطِّيب (بِاللَّحن الثَّالِث)

إِنَّ الـمَسْكُونَةَ قَدْ وَجَدَتْكَ مُنْجِدًا عظيمًا في الشَّدَائِدِ، وَقاهرًا للأمم يَا لابِسَ الجِهَادِ. فَكَمَا أنَّكَ حَطَّمْتَ تشامخَ لهَاوُشَ، وَفِي الـمَيْدَانِ شَجَّعْتَ نسْطُر، كذلك أيُّها القِدِّيسُ توسَّل إلى الْمَسيحِ الإِلَهِ أن يهَبَ لنا الرَّحْمَةَ العًظْمَى.

طروباريَّة الزَّلزلة (بِاللَّحْنِ الثَّامِن)

يا مَن ينظُر إلى الأرض فيجعلها ترتعد. أنقِذنا مِن وَعيدِ الزَّلزلة الرَّهيب أيُّها المسيحُ إلهنا، وأرسِل لنا مراحمَكَ الغنيَّة بشفاعةِ والدة الإله، يا محبَّ البشرِ وحدك.

القنداق (باللَّحن الثّاني)

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرّسالة (2 تي 2: 1- 10)

يفرحُ الصِّدِّيق بالرَّبِّ  

استمع يا الله لصوتي

يا ولدي تيموثاوُسَ، تَقوَّ في النِّعْمَةِ الَّتي في المسيحِ يسوع. وما سِمعتَهُ منّي لدى شُهُودٍ كثيرينَ استَودِعْهُ أُناسًا اُمناءَ كُفُؤًا لأنْ يُعلِّموا آخَرينَ أيضًا. احتَمِلِ المشقَّاتِ كجُنديٍّ صالحٍ ليسوعَ المسيح. ليسَ أحدٌ يتجنَّدُ فيرتَبكُ بِهُموم الحياة، وذلك ليُرضي الَّذي جنَّدهُ. وأيضًا إنْ كانَ أحدٌ يُجاهِدُ فلا ينالُ الإكليلَ ما لم يُجاهِد جِهادًا شرعيًّا. ويَجبُ أنَّ الحارثَ الَّذي يتعَبُ أن يشتَركَ في الإثمار أوّلًا. إفهمْ ما أقول. فليُؤتِكَ الرَّبُّ فهمًا في كلِّ شيء. أُذكُرْ أنَّ يسوعَ المسيحَ الَّذي مِنْ نسلِ داودَ قد قامَ من بين الأمواتِ على حسَبِ إنجيلي الَّذي أَحْتَمِلُ فيهِ المشقَّاتِ حتَّى القيودَ كمجرمٍ. إلَّا أنَّ كلمةَ الله لا تُقيَّد. فلذلكَ أنا أصبرُ على كلِّ شيء من أجلِ المختارين، لكي يحصُلُوا هم أيضًا على الخلاصِ الَّذي في المسيح يسوع مع المجد الأبديّ.

الإنجيل (لو 8: 27- 39)(لوقا 6)

فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَتَى يَسُوعُ إِلَى كُورَةِ الجُرْجُسِيِّينَ فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الـمَدِينَةِ بِهِ شَيَاطِينُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَلَـمْ يَكُنْ يَلْبَسُ ثَوْبًا وَلا يَأْوِي إِلَى بَيْتٍ بَلْ إِلَى القُبُورِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ صَاحَ وَخَرَّ لَهُ وَقَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: مَا لِي وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ العَلِيِّ. أَطْلُبُ إِلَيْكَ أَلَّا تُعَذِّبَنِي. فَإِنَّهُ أَمَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الإِنْسَانِ لِأَنَّهُ كَانَ قَدِ اخْتَطَفَهُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَكَانَ يُرْبَطُ بِسَلاسِلَ وَيُحْبَسُ بِقُيُودٍ، فَيَقْطَعُ الرُّبُطَ وَيُسَاقُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَى البَرَارِي. فَسَأَلَهُ يَسُوعُ: مَا اسْمُكَ. فَقَالَ: لَجْيُونَ. لِأَنَّ شَيَاطِينَ كَثِيرِينَ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا فِيهِ. وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ لا يَأْمُرَهُمْ بِالذَّهَابِ إِلَى الهَاوِيَةِ. وَكَانَ هُنَاكَ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى فِي الجَبَلِ. فَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَـهُمْ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَأَذِنَ لَـهُمْ. فَخَرَجَ الشَّيَاطِينُ مِنَ الإِنْسَانِ وَدَخَلُوا فِي الخَنَازِيرِ، فَوَثَبَ القَطِيعُ عَنِ الجُرُفِ إِلَى البُحَيْرَةِ فَاخْتَنَقَ. فَلَمَّا رَأَى الرُّعَاةُ مَا حَدَثَ، هَرَبُوا فَأَخْبَرُوا فِي الـمَدِينَةِ وَفِي الحُقُولِ. فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا حَدَثَ، وَأَتَوْا إِلَى يَسُوعَ فَوَجَدُوا الإِنْسَانَ الَّذي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ جَالِسًا عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ لابِسًا صَحِيحَ العَقْلِ، فَخَافُوا. وَأَخْبَرَهُمُ النَّاظِرُونَ أَيْضًا كَيْفَ أُبْرِئَ الـمَجْنُونُ. فَسَأَلَهُ جَمِيعُ جُمْهُورِ كُورَةِ الجُرْجُسِيِّينَ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ اعْتَرَاهُمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ. فَدَخَلَ السَّفِينَةَ وَرَجِعَ. فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ الَّذي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ. فَصَرَفَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: إِرْجِعْ إِلَى بَيْتِكَ، وَحَدِّثْ بِـمَا صَنَعَ اللهُ إِلَيْكَ. فَذَهَبَ وَهُوَ يُنَادِي فِي الـمَدِينَةِ كُلِّهَا بِـمَا صَنَعَ إِلَيْهِ يَسُوعُ.

حول الإنجيل

يقول النَّص الإنجيليّ عندما أتى المسيح: "اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِ شَيَاطِينُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيل" (الآية 27) يعني لو لم يأتي السَّيِّد ليخلِّصَه لكان بَقِيَ في العذاب تحت رحمة الشَّياطين الَّتي لا تعرف الرحمة ولا الشفقة، والمحزن أيضًا أنَّه متروكٌ من البشر لمصيره. طلب الشَّياطين من يسوع أن لا يرسلهم إلى الهاوية، وهنا يُطرَح السُّؤال؟ لماذا لم يتفاوض الشَّياطين مع الرَّبّ يسوع؟ عَلَّهم يكسبون رحمةً منه، لأنَّهم يعلمون أنَّ كلمة الله أزلِيَّة، وصِيَّته ثابتةٌ لا تتغيَّر؛ وفي هذا الصَّدد يقول المزمور "ذَابَتِ الْجِبَالُ مِثْلَ الشَّمْعِ قُدَّامَ الرَّبِّ، قُدَّامَ سَيِّدِ الأَرْضِ كُلِّهَا" (مز 97: 5) وأيضًا في مزمور صلاة الغروب: "تمَسُّ الجبال فتُدخِّن". الجبل، هو رمز للشَّيطان المتعالي والقويّ، وأمام الله لا يقف قويّ، والدُّخان، بمعنى أنَّ الجبل القويّ والمتفاخر يصير مثل الدُّخان أو يهرب من وجه الرَّبّ مثل الدُّخان، وهذا هو نصيب الأرواح النَّجِسة؛ لهذا السَّبب الشَّيطان الَّذي يُرعب البشر، كان مرعوبًا من حضور السَّيِّد؛ والأغرب من هذا كلّه أنَّ هذا السُّلطان أعطاه الله للبشر وقلّة منهم تدركه: "إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلاَ تَشُكُّونَ، فَلاَ تَفْعَلُونَ أَمْرَ الَّتينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضًا لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونُ" (مت 21 : 21). بالمسيح يصبح الإنسان الأقوى على الأرض، ليس الأقوى فقط إنَّما الأحكم والأغنى والأعظم لأنَّه قد ملك المسيح حاوي الكَوْن كلّه. انظروا في المقلب الثَّاني، ماذا يريد أن يفعل الشَّيطان بالبشر وإلى أيِّ حالةٍ يريد أن يوصل الإنسان إليها. بالختام، مثلما كان الشَّيطان مدركٌ أنَّ الله لا يتعدَّى على وصِيَّة ودينونته آتية، هكذا نحن عندما نموت سنُدان بحسب وصايا المسيح، إن لم نفعل شيئًا، ولا يتوقَّع أحدهم أنَّه سيُرحم إن لم يعمل عمل رحمة، إن لم يجاهد في حياته ليكون إنسانًا أفضل، ليس في نظر المجتمع والنَّاس، إنَّما إنسانًا أفضل في نظر الله، وهذا لا يكون إن كان خارج الكنيسة الَّتي تستطيع أن ترشده لكي يصير إنسانًا أفضل أمام الله.

فَيْض الطِّيب لدى القدِّيس ديمتريوس

القدِّيس ديمتريوس، المعروف بلقب "المُفيض الطِّيب"، هو أحد الشُّهداء العظام في الكنيسة الأرثوذكسيَّة. وُلِدَ في تسالونيكي في أواخر القرن الثَّالث، واستُشهِد من أجل إيمانه بالمسيح خلال اضطهادات الإمبراطور مكسيميانوس. يُحتفَل بعيده في 26 تشرين الأوَّل.

بعد استشهاده، بدأت تظهر من قبره رائحة طيب عطريَّة، وهي ظاهرة عجائبيَّة استمرَّتْ عبر الأجيال، ممَّا أعطاه لقبه "المُفيض الطِّيب". هذه حقيقة روحيَّة محسوسة، ما زال المؤمنون يشهدون لها حتَّى أيَّامنا هذه. فحتَّى اليوم، في كنيسته الرئيسيَّة في مدينة تسالونيكي، يفيض قبره من الطِّيب الزَّكي، وتنتشر منه رائحة عطرة لا تُفسَّر طبيعيًّا، وتجتذب المؤمنين من أنحاء العالم.

المعنى اللَّاهوتيّ لِفَيْضِ الطِّيب

من المنظار الأرثوذكسيّ، يُعَدّ فَيْض الطِّيب علامةً مَلموسةً على قداسته واتِّحاد جسده بالنِّعْمَة الإلهيَّة. الجسد الَّذي عاش في الطَّهارة، وسُفِك دمه من أجل المسيح، لم يعرف فساد الموت، بل صار إناءً للرُّوح القدس حتّى بعد الرُّقاد. فَيْضُ الطِّيب يعلن أنَّ الحياة في المسيح لا تنتهي بالموت، وأنَّ مَن يتَّحِد بالمسيح يُمجَّد في جسده وروحه.

أثر فَيْض الطِّيب في حياة المؤمن

هذا الطِّيب، الَّذي يَفيض من قبر القدِّيس حتَّى اليوم، يذكِّرنا أنَّ القداسة ليست بعيدة المَنال، وهو دعوة روحيَّة عميقة. إنَّه ينادينا لِنَحْيَا مثل القدِّيس ديمتريوس: في طهارة القلب، وأمانة الإيمان، واستعداد للشَّهادة. كما يشجِّع المؤمنين على الثَّبات في الإيمان، والرَّجاء رغم الصُّعوبات، وأنَّ نعمةَ الله لا تزال تُسكَب على المؤمنين الَّذين يطلبونها باتِّضاعٍ ومحبَّة.

 إنَّ هذا الطِّيب ليس مجرَّد عجيبة خارجيَّة، بل علامة روحيَّة تُشير إلى أنَّ حياة ديمتريوس صارَتْ "ذبيحةً طيِّبةَ الرَّائحة" أمام الله، كما يقول الرَّسول بولس: "فنحن رائحةَ المسيح الزَّكِيَّة لله" (2 كو 2: 15).

لقد أظهر القدِّيس ديمتريوس أنَّ المحبَّة الحقيقيَّة للمسيح هي أنْ نضعه فوق كلِّ شيءٍ، وأنْ نتمسَّكَ به أكثر من المال والمجد والرَّاحة. ومَنْ أحَبَّ المسيح هكذا، يسكُبُ الله عليه نعمته، فتَفُوح منه رائحة فضائلٍ تَشهد لحضور الرُّوح القدس فيه. ونحن مدعوُّون أن نقتدي به، فنَحْيَا بالإيمانِ العامِلِ بالمحبَّة، لنكون نحن أيضًا "رائحةً طيِّبَةً" في هذا العالم المظلِم.