نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (8) بعد العنصرة
العدد 30
الأحد 26 تمُّوز 2026
اللَّحن 7- الإيوثينا 8
أعياد الأسبوع: *26: الشَّهيد في الكهنة أرمولاوس، البارَّة في الشَّهيدات باراسكافي *٢٧: العظيم في الشُّهداء بندلايمون الطَّبيب الشَّافي، البارَّة أنثوسة المُعترفة *28: القدِّيسين بروخوريوس ونيكانر وتيمن وبرميناس الشَّمامسة، القدِّيسة إيريني خريسوفلاندي *29: الشَّهيد كالينيكوس، القدِّيسة ثيوذوتي وأولادها *30: القدِّيسان سيلا وسلوانس ورفقتهما *31: تقدمة عيد زياح الصَّليب، الصِّدِّيق أفذوكيمس، القدِّيس يوسف الرَّامي *1: عيد زيَّاح الصَّليب، بدء صوم السَّيِّدة، القدِّيسين الفتية المكابيّين الـ 7 الشَّهداء وأُمَّهم صلموني ومعلمهم لعازر.
كلمة الميتروبوليت جورج (خضر)
اللُّطف
اللُّطف استقبال القلب للقلب. يتجاوز الحديث المهذَّب أو الرَّاقي إذ قد يَكون نتيجة انضباطٍ لا يَدوم. وفنُّ الحديث يكتسب ويصقل لكنَّ العُمق في مكانٍ آخر فأنت لا تولَد لطيفًا مِن بَطْنِ أمِّكَ ولكن تولَد مِن أحشاءِ الله على ما قاله بولس الرَّسُول: في رسالته إلى أهل غلاطية فبعد أن يكون عدَّد "أعمال الجسد" بصورة الجمع يصل إلى القَوْل: "أمَّا ثمر الرُّوح فهو المحبَّة والفرح والسَّلام واللُّطف" أي ما هُناك مِن هِباتٍ إلهيَّة ولكنَّه استعمل صيغة المفرَد "ثمر الرُّوح" وكأنَّه يقول إنَّ هذه الفضائل الَّتي يذكر منها المحبَّة أوَّلًا إنَّما هي واحدة، ويربطها جميعًا بمصدرها وهو الله. لطيفًا وُلدْتَ مِن مشيئة الله ورحمته.
ينسب الكتاب اللُّطف أوَّلًا إلى الله وإذا تكلّم على الإنسان يتبيّن أنَّ لطفه آتٍ مِن فَوْق ويعطفه الكتاب على التَّواضع والوَداعة وكأنَّهما مكوِّنان أو ينبوعان للُّطف. فإذا كان التَّواضع أن تعتبر نفسك لا شيء ولا تفتخر بعطاياك ولا تستعظمها فما ذلك إلَّا لِكَوْنِكَ ترى الإنسان الآخَر كلَّ شيء. وإذا كانت الوَداعة أن تُزيل كلَّ نتوء منك في معاملة الآخَر فإيحاء ذلك أنَّك ترفض صدامه وتجريحه خشية أن يخسر رقَّته. تُريده مثل نفسك أي مقتنعًا أنَّه هو أيضًا يجب أن يفرح برقَّتك ويأخذ منها وأنت تَعيها إذا وصلت إليه.
في القرآن الله هو اللَّطيف الخبير (الأنعام،٣). وتلازم هاتين الصِّفتَيْن الإلهيَّتَيْن وارد في غير آية. أمَّا عن الإنسان فلا يُطلَق عليه هذه الصِّفَة بالإسم وإن ورد معناها بمفرداتٍ أخرى.
اللُّطف لا يأتي من مُيوعَةٍ أو ضُعف لكنَّه يأتي من قوَّةٍ داخليَّة لا يستكبر الإنسان بها لكون الاستكبار إلغاءٌ للآخَر، وأنت حريصٌ على وجوده واستمراره لإيمانك بأنَّ الإنسانيَّة واحدة ولا تشفيها إلَّا به. هو إذًا طلبٌ للعافية الرُّوحيَّة عند الجميع. وهذه شرطها أن تَكُفَّ عن الصُّراخ والغضب في كلِّ حينٍ لأنَّهما مناوأة للإنسان أيَّة كانت نِيَّتُك.
في هذا رأيتُ مشهدًا لافِتًا منذ أيَّام حيث لم يُرْضِ كلام أحدنا أحد المجتمعين وأنا أعرفه على تهذيبٍ نادرٍ فإذا به يُعلي نبرته في الدِّفاع عن موقفه فأجابه واحدٌ بصوت يكاد يُسمع فزال الصُّراخ. هذا لا تردُّ عليه بالصُّراخ لئلَّا يقع الآخَر في الغضب فيجرحك ويجرح نفسه.
هذا لا يعني أنَّه عليك أن تقمع الحماسة في كلامِكَ ولا سِيَّما في الخِطابَة. ولكن عليك السَّهَر على صَوْتِكَ لئلَّا تقودُك الحماسة إلى الغضب وتاليًا إلى إيذاءِ الآخَر. والحَماسة أنْ يتحكَّم عقلُك بما فيك من شهوةٍ لئلَّا تقودك الشَّهوةُ إلى الغضب. فبين الحماسة والغضب خَيْطٌ دَقيق. والأفضل أن يصدُرَ عنكَ صوتٌ رَتيب لكنَّه مُقنع إذ غاية الحديث أن تُقنِع لا أن تُظهِر حسمًا. المضمون الكلاميّ الدَّسم والمليء بالمعنى يصل إلى المستَمِع ومِن شأنك أن تكسبه إلى طرحك إذْ هي غَايَةُ كلِّ حديث. الصَّوت المرتفع حجرٌ تضرب به النَّاس ولا يقبلون موقفك بسببه بل يَرَوْنَكَ مُنفعلًا ويضعف طرحك كثيرًا. أن تتكلَّم وكأنَّك تشتم فريقًا آخَر لا يقنع أحدًا بمنطقك.
طبعًا هناك أسلوب كلام وتربية بالكلام ولكن ليس هناك ضرب لهذا الغائب الَّذي تصرخ في الكلام عليه وكأنَّك تُريد القضاء عليه. هذا يُذَكِّر بأنَّنا، تلاميذ، كنَّا نُساق إلى حفلةٍ خطابيَّةٍ ضدَّ وعد بلفور وهذا قبل أن يحتلَّ اليهود فلسطين، فبتُّ أعتقد أنَّنا في السَّاحة الَّتي كنَّا فيها قُضِيَ على مَطامِعِهم. ويكرَّر الكلام كلَّ سنةٍ وما قال لنا خطيب من هو بلفور وما هي قدرات أهلنا في فلسطين ليمنعوا تحقيق هذا الوعد وكيف يجب أن نتربَّى على حُبِّ فلسطين. اجتماع هادئ سلاميّ كان مِن شأنه أن يربِّينا على فهم الحَقّ.
* * *
القاعدة هي هدوءُ العقل في كلِّ خطابٍ أو حديثٍ لأنَّ السَّبيل الوحيد إلى خفض الآخَر صوته وأن يستأصل شراسته وإيَّاه والآخَر في مخاطبة العقل والعقل. انظر إلى الطَّبيعة. كلُّ عناصرها في انسجامٍ فلا تضرب نجمةٌ نجمةً ولا تأكل شجرةٌ شجرةً ولا تفترس بعضها بعضًا إلَّا الوحوش. وأمَّا الحيوانات المدَجَّنة أي الَّتي فيها أثر للإنسان فلا تفعل ذلك وقد درس الفلاسفة اليونانيُّون نظام الطَّبيعة وفهموا أنَّ المواطنين إذا اجتمعوا فيؤلِّفون المدينة ثمَّ أدركوا أنَّ تَخاطُبَهم وتَفاعُلَهم يكون بالعقل. وما كانت الآلهة تتنافس إلَّا لأنَّ شيئًا من الحيوانيَّة كان فيها حتَّى تأنْسَنَتْ الآلهة كلُّها إذ كان الإله الواحد يجمعها.
الإنسان صورة هذا الكون البَديع المتسالمة أجزاؤه فيجمع عقله إلى قلبه المستَنير بالله فيهدأ العقل ليتمَكَّن مِن جمع أجزائه ويُخرجها لمنفعة العقول الأخرى وهذا لا يَتِمّ إلَّا بعد أن يكون العقل تَطَهَّر بالقلب ويكون القلب قد استقام بالعقل وكأنَّ الإنسانيَّةَ جمعاء باتَتْ عَقلًا واحدًا. الحُبُّ طريق إلى اتِّحاد العقول، والعقل والقلب يتلاحمان للاعتراف بالحقيقة.
هنا أَوَدُّ أنْ أذكر حادثةً جَرَتْ معي. كان المجمع المقدَّس عندنا برئاسة السَّيِّد إغناطيوس الرَّابع وتغدَّيْنا بعد جلسة الصَّباح وذهبنا إلى البَهو لنتناول القهوة ونوافذ القاعة مُشَرَّعة وكان رجلٍ مغتربٍ جاء لزيارة الدَّير فسمع أحد الأساقفة يتكلَّم بصوت عالٍ فسأل عنه فقيل له هذا هو المطران خضر. ثمَّ بعد يومَيْن أو ثلاثة اصطحبني هذا الرَّجل إلى قريته لأزوِّج ابنه. فقال لي أذا لفظتَ كلمة طريقٍ بصوتٍ عالٍ أو صوتٍ منخفضٍ هل يتغيَّر المعنى؟ فقلت لا. ثمَّ قال إذا لفظت كلمة سيَّارة بهذه الطَّريقة أو تلك هل يتبدَّل المعنى قلتُ لا. فقال لي: لماذا كنتَ تصرخُ في حضرة المطارنة؟ فصَمَتُّ واتَّخذْتُ كلامَ هذا الرَّجُل درسًا إلى الأبد. هذا الإنسان جعل فيّ عبرةً اعتبرتُها إلهيَّة. وحاولتُ هدوءَ الصَّوْت بعد ذلك.
اللُّطفُ لا يمنع التَّأديب لكَوْنِكَ حَريصًا على تَقْويم الآخَر. ولكن للتَّأديب شروطٌ وأداء. غير أنَّ أحدًا لا يسلم إذا أحسَّ أنَّ مَن شرع في تقويمه إنَّما يقوم بعمل تقويم خالصة نيَّته لوجه الله وليس في الأمر شِدَّةٌ وبأنَّ لا بُدَّ أنْ نعلم أنَّ تصحيح الخطأ لا تجوز فيه الدَّينونة. إنَّه محاولةُ تصحيحٍ مِن أجلِ الحقيقَةِ وخلاصِ النَّفْس ومَن أحَبَّكَ يُقَوِّمُك.
هناك قواعد تربويَّة قائمة لا تنفصل عن القيمة المطْلَقَة للإنسانِ الآخَر. فالقَسوة ليستْ قاعِدَة تربويَّة لأنَّها تتضَمَّن ما يبدو تَمَسُّكًا بالفضيلة وحقيقتها أنَّك تضرب الآخَر ضربًا شديدًا ظنًّا منك أنَّك تحفظ فضائله. السُّؤال الوَجيه هو هل يصحُّ لك أن تُقَوِّمَ إنسانًا إذا كان شرطُ التَّقويم تجريحه أم أنَّك تنتقل من النَّبرة الشَّديدة إلى الحقيقة كمضمونٍ في الوقت المطلوب لِلَّوم وذلك بلا ردّ الغضب بالغضب. اللُّطف بالخاطئ هو تصحيحه لئلَّا تقع في الانتقام أو ما يفهمه ذاك انتقامًا.
طبعًا يجب أنْ تحذر أنْ يفسِّر الآخَر هدوءَكَ على أنَّكَ لا تُبالي بالخطيئة ولا تَهُمُّكَ سلامته الرُّوحيَّة فتَحيد عن كره الخطأ. هذا مؤذٍ كثيرًا ويعني أنَّك لا تُبالي إلَّا بنفسك أو راحتك وكأنَّكَ بالصَّمت شريكٌ بالمعصِيَة أو الأذى الَّذي ارتكب.
* * *
اللُّطف إحساسنا أنَّ الآخَر كلّ شيء وأنَّه هو الَّذي يجب أن يعظَّم ونتوارى نحن، وإنَّ لهذا روحانيَّةً وأساليب. الصَّوت هو الإنسان. كيف تَنْفُذ إلى الآخَر بلا اقتحامه، تلك هي المسألة. اللُّطف هو إقرارُكَ بوجود نفسك إذا انسكَبَتْ، بمقدار ما تنسكب. لفتني أنَّ القرآن كثيرًا ما يُقرِن اللَّطيف بالخَبير إذا تكلَّم على الله. هل يعني ذلك أنَّ الرَّبَّ لطيفٌ بعِبادِهِ لأنَّه يعرفهم ويعرف حاجتهم إلى الحنان وجمال معونته؟
أظنُّ أنَّنا نستطيع أنْ نُطَبِّقَ هذا الكلام عن الله على تعامُل البشر في ما بينهم. فإنَّ خبرَتكَ للنَّاس تجعلك حاسًّا بأنَّهم يحتاجون إلى رحمتك وإلى احتضانك. وفي الحقيقة لسْتَ في حاجةٍ إلى أنْ تكونَ بهم خبيرًا لأنَّ أكثرهم ساقِطٌ وقرَّرْتَ أنتْ أنْ تكونَ بهم لطيفًا.
اللُّطفُ تشَبُّهٌ بالله وبأخلاقه. هو عطفُ الله على قَوْمِ قليل. هو رَفَعَ من تلطَّفَ بهم إلى رؤيته في صفاته، في أسمائه الحُسنى حتَّى تردم الهوّة الَّتي أقامها البشر بينهم وبين ربِّهم. هذه هي صورة الله وحركة إلى التَّمثُّل به. هذا دخول القلب إلى القلب لتُمْحَى السَّيِّئات، لنرتفع إلى السَّماء ونحن في هذه الدُّنيا. هذا معراجُنا جميعًا إلى الملكوت حتَّى تبدو الدُّنيا قد دخلتْ الآخِرَة منذ اليوم إلى أنْ يَصير اللهُ الكُلُّ في الكُلِّ فتتحَقَّق، إذْ ذاك، بُنوَّتُنا له.
آمين
طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّابع)
حَطَمْتَ بِصَليبِكَ المَوت. وفتحتَ للِّصِّ الفِرْدَوس. وحوَّلتَ نَوْحَ حامِلاتِ الطّيب. وأمَرْتَ رُسلَكَ أن يَكرزِوا. بأنَّكَ قد قُمتَ أَيُّها المسيحُ الإله. مانِحًا العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريَّة الشَّهيدة باراسكيفي (باللَّحن الأوَّل)
بما أنَّكِ جعلتِ اهتمامكِ مُلائمًا لتَسْمِيَتكِ، أحرزتِ الإيمان القَوِيم مسكنًا، فلذلك يا لابِسَةَ الجهاد، تَفيضين الأشفية وتتشفَّعين من أجل نفوسنا، يا باراسكيفي المُطابقة لاسمها.
القنداق (باللَّحن الثَّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (1 تي 3: 13- 16، 4: 1- 5)
بماذا نُكافئ الرَّبَّ عن كُلِّ ما أعطانا
أَفي نذوري للرَّبِّ أمامَ كلِّ شعبه
يا ولدي تيموثاوس، إنَّ الَّذِينَ تَشَمَّسُوا حَسَنًا يَقْتَنُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَرَجَةً حَسَنَةً وَثِقَةً كَثِيرَةً فِي الإِيمَانِ الَّذِي بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. هَذَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكَ رَاجِيًا أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَنْ قَرِيبٍ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أُبْطِئُ فَلِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ. وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ. وَلَكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحاً: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، فِي رِيَاءِ أَقْوَالٍ كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً ضَمَائِرُهُمْ، مَانِعِينَ عَنِ الزَّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ. لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ.
الإنجيل (مت 14: 14- 22)(متَّى 8)
فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَبْصَرَ يَسُوعُ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَأَبْرَأَ مَرْضَاهُمْ. وَلَـمَّا كَانَ الـمَسَاءُ دَنَا إِلَيْهِ تَلامِيذُهُ وَقَالُوا: إِنَّ الـمَكَانَ قَفْرٌ، وَالسَّاعَةَ قَدْ فَاتَتْ، فَاصْرِفِ الجُمُوعَ لِيَذْهَبُوا إِلَى القُرَى وَيَبْتَاعُوا لَـهُمْ طَعَامًا. فَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: لا حَاجَةَ لَـهُمْ إِلَى الذَّهَابِ، أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا. فَقَالُوا لَهُ: مَا عِنْدَنَا هَهُنَا إِلَّا خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَانِ. فَقَالَ لَـهُمْ: هَلُمَّ بِـهَا إِلَيَّ إِلَى هُنَا. وَأَمَرَ بِـجُلُوسِ الجُمُوعِ عَلَى العُشْبِ. ثُمَّ أَخَذَ الخَمْسَةَ الأَرْغِفَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، وَبَارَكَ وَكَسَرَ وَأَعْطَى الأَرْغِفَةَ لِتَلامِيذِهِ، وَالتَّلامِيذُ لِلْجُمُوعِ. فَأَكَلُوا جَمِيعُهُمْ وَشَبِعُوا وَرَفَعُوا مَا فَضُلَ مِنَ الكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَـمْلُوءَةً. وَكَانَ الآ كِلُونَ خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ سِوَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. وَلِلْوَقْتِ اضْطَرَّ يَسُوعُ تَلامِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى العِبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ الجُمُوعَ.
حول الإنجيل
تسبق هذه الحداثة، في إنجيل اليوم، حادثة قطع رأس السَّابق المجيد يوحنَّا المعمدان. اللَّافِت في النَّصّ أنَّه عندما قُطع رأس يوحنَّا لم تخاف النَّاس بل تبعت الرَّبّ يسوع، ذهب الرَّبّ إلى البرِّيَّة فتبعه النَّاس غير خائفين من هيردوس أو حُكَّام اليهود. نحن نعلم من خلال النُّصوص الإنجيليَّة أنَّه عندما كان يريد الرَّبّ أن يشفي إنسان كان يسأله عن إيمانه، أمَّا هنا فلم يسأل، لماذا!؟ لأنَّهم تركوا منازلهم وتبعوه غير مُبالين لا بالجوع أو التَّعب أو المخاطر وهذا يدُلُّ على رغبتهم بأنْ يَتبعوه؛ والإنجيليّ متَّى أراد أن يذكر عامِلَيْن أساسِيَّيْن هنا: اللَّيل، حيث لا يستطيع الإنسان أنْ يعمل شيئًا، والمكان الخالي أي البرِّيَّة حيث لا يوجد شيء للأكل. هذه الجموع، لولا الرَّبّ، لكانت إذًا خارت قواها وماتَت. هذا يعني أنَّ الرَّبّ حاضرٌ في كلِّ الأزمنة وفي كلِّ الأمكنة وفي أوقات الضِّيق والتَّجارب، يكفي أن نؤمِن به ويكون لدينا الصَّبر في إيماننا فننالَ التَّعزية الحقيقيَّة.
أخذ الرَّبّ يسوع الخبز "ورفع نظره إلى السَّماء"؛ لماذا فعل ذلك؟ لكي يؤكِّدَ للتَّلاميذ ولليهود الحاضرين أنَّه يفعل مشيئة الآب، وهو مِن عنده أتى، وأنَّ مشيئته هي هي مشيئة الآب، ولكي يعلِّمَنا أيضًا وُجوب الشُّكرِ قبل المباشرة في الأكل، فإنْ كنَّا نأكل فيعود الفضل بذلك لله الَّذي يُعطينا لنَأكل، ونحن غير شاكرين. الملاحَظ أيضًا أنَّه لا أحد مِن هذه الجموع شكى جوعه، مع أنَّهم كانوا جائعين، وهذا يرقى لشيءٍ واحدٍ فقط، أنَّهم يطلبون وجه المسيح.
في الأخير، يبقى من الضَّروريّ أنَّ :"الَّذي يَأْكُلُ، فَلِلرَّبِّ يَأْكُلُ لأَنَّهُ يَشْكُرُ اللهَ. وَالَّذي لاَ يَأْكُلُ فَلِلرَّبِّ لاَ يَأْكُلُ وَيَشْكُرُ اللهَ." رو (14: 6). علينا أنْ نسلُكَ كما سلَكَتْ تلك الجُموع الَّتي تبعت الرَّبّ يسوع مِن دون شرط، نسلك بصبر في التَّجارب والمِحَن مِن دون يأس؛ وليكن واضحًا للجميع أنَّ كلَّ إنسانٍ يضعُ رجاؤه على الرَّبّ لا يخزى كما يقول المزمور: "الأغنياء افتقروا وجاعوا أمّا الَّذين يبتغون الرَّبّ فلا يعوزهم أي خير" (34: 10). فقط علينا أن نكون أمنين بصبرٍ وبلا تذمُّر.
العجائب
في العهد القديم كانت العجائب علامة لحضور الله وسط شعبه ولرعايته له، كما كانت علامة لعظمته وقدرته تجاه آلهة الأمم (عصا موسى خر 7، 10 -13، ذبيحة إيليّا 3 مل 18، 23- 39). وما هو واضح أيضًا في العهد القديم حَصريَّة صنع العجائب بإله يعقوب "الصَّانع العجائب وحده" (مز 135، 4).
في العهد الجديد هناك تَطابُق مع عجائب العهد القديم من جهةٍ وتباين عنها من جهةٍ أخرى. تكمن أوجه التَّطابق في أنَّ العجائب هي علامةً لحضورِ الله وسط شعبه ورعايته له وفي أنَّ الله وَحْدَه، في العهد الجديد عبر الابن المتجسِّد يسوع المسيح، هو الصَّانع العجائب وحده. أمَّا أوْجُه التَّبايُن فتتمثَّل في غياب العجائب كعلامَةٍ لعَظَمَةِ الله وقُدْرَتِه تجاه آلهة الأمم وغيابها كعلامةِ تفوُّقٍ وكوسيلة انتقام من أعدائه وأعداء شعبه وكتعبيرٍ عن غضبه. ويَطغى على ظاهرةِ العَجائب في العهد الجديد طابع المحبَّة والرَّأفة والحنان والفرح، إضافةً إلى طابعٍ لم نَشْهَده في عجائب العهد القديم ألَا وهو طابع التَّخَفِّي والانسحاب الَّذي رافق أغلبِيَّة عجائب المسيح.
كما أنَّ عجائب المسيح لم تَكُن فِعْلًا استعراضيًّا أو تَرَفًا سلوكيًّا بل هي وسيلة تدبيريَّة آنيَّة يلجأ إليها يسوع لهدفٍ تَبْشيريّ خدمةً للخلاص. لذا وَجَبَ إقران مطالعتنا لأيّ أعجوبَةٍ في الكتاب المقدَّس بمعرفة دوافعها وغاياتها، حينها فقط يمكننا أن نرتشف منها عصارتها الخلاصيَّة.
في سلوكِيَّاتنا، من يرفض، بالمبدأ، واقعة العجائب يرفض حضور الله وروحه القدُّوس في البشر "عجيبٌ الله في قدِّيسيه". لكنَّ هذا لا ينفي سيادة مفاهيمٍ خاطِئَةٍ وخَطِرة حول العجائب بين المسيحيِّين ووُجود "مسحاء دَجَّالين وأنيباء كَذَبَة يأتون بآياتٍ عظيمة وعجائبٍ لو استطاعت لأضلَّتْ المختارين أنفسهم" (متّى24- 24).
انحرافٌ شائعٌ نَقَعُ فيه في حديثنا عن العجائب، وهو القَوْل أنَّ القدِّيس فُلان صنع أعجوبَةً في حين أنَّ الله وَحْدَهُ صانع العجائب. في تقليدنا لا نُسَمِّي القدِّيس "صانعًا للعجائب" بل "عجائبيًّا" بمعنى أنَّ الله يجترح العجائب بواسطته. وهنا نقف عند حادثة شَقِّ أليشع مياه نهر الأردن (4 مل 1،2- 14): "ورفع أليشع رداء إيليّا الَّذي سقط عنه ورجع ووقف على شاطئ الأردن. وأخذ رداء إيليّا الَّذي سقط عنه وضرب المياه فلم تنفلق. ثمّ قال أين الرَّبّ إله إيليّا الآن أيضًا، وضرب المياه فانفلقت إلى هنا وهناك وعبر أليشع".
نَلْحَظُ أنَّ عبارة "رداء إيليَّا" تردَّدَتْ مرَّتَيْن وذلك للتَّأكيد أنَّ أليشع ظنَّ أنَّ رداء أيليَّا هو المحور الأساس وهو الَّذي سيفلق المياه، وأنَّ حضور شخص إيليَّا طغى، عند أليشع ، على حُضور الله. كما نلحظ أنَّ انفلاق نهر الأردن لم يتمّ إلَّا بقول أليشع: "أين الرَّبّ إله إيليّا الآن أيضًا".
فحذار الوُقوع في انخداع أليشع.