Menu Close
180126

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد 15 من لوقا (زكّا)    

العدد 4

الأحد 25 كانون الثَّاني 2026

اللَّحن 8- الإيوثينا 11

أعياد الأسبوع: *25: القدِّيس غريغوريوس الثّيولوغوس رئيس أساقفة القسطنطينيّة *26:  البارّ كسينوفوندُس مع زوجته ماريَّا وولدَيه أركاديوس ويوحنَّا *27: تذكار نقل جسد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، القدّيسة ماركياني *28: البارّ أفرام السُّريانيّ، البارّ بلاديوس *29: نقل بقايا الشَّهيد في الكهنة إغناطيوس المتوشّح بالله *30: تذكار الأقمار الثَّلاثة وأُمَّهاتهم: آميليا- نونة- أنثوسة، الشَّهيد إيبوليتس بابا رومية ورفقته *31: القدِّيسَيْن كيُرس ويوحنّا العادِما الفضَّة، الشَّهيدة أثناسيَّا وبناتها.

كلمة الرّاعي 

رحمة الله وتوبة الإنسان

"اليوم ينبغي لي أن أمْكُثَ في بيتك” (لو 19: 5)

هل كان يتصوّر زكَّا العشَّار أنّ حياته ستتغيَّر بالكُلِّيَّة في يومٍ من الأيَّام؟!... وأنَّه سيترك العِشارة ويخرج من جُبِّ أوساخها؟!... وأنَّ الله سيزور بيته؟!... هذا كلّه كالحلم المستحيل الَّذي يتحقَّق في لحظة رحمة إلهيَّة لا حدود لها...

كثيرًا ما يكون الإنسان مِنّا عالقًا غارقًا في رمال متحرّكة تبتلعه قليلًا قليلًا إلى أن يصير في موقعٍ لا يَقوى فيه على الخروج منها. هو يدخلها بمشيئته ظانًّا أنّه قادرٌ حين يشاء أن يتركها غير عالم أنَّ دخولها ليس كالخروج منها. هكذا يقع الإنسان في حياته فريسة نفسه وأهوائه وأطماعه وكبريائه، وحين يعلق في حُبِّ المال يَصير قاسي القلب لا يرحم، والمال يعطيه سُلْطَةً ومراكزَ، وهذه تجعل العديد من أصحاب المصلحة يتحلَّقون حوله ويتزلَّـمون ويتزلَّفون له... حينها، إذا استسلم للَّذَّة شعوره بالتَّفوُّق والأمان يزداد غِيًّا وضلالةً وظلمًا، ويثبّت قوانينه الخاصَّة الَّتي تجعل مصلحته وسلطته وسيطرته فوق كلِّ شيء وتُبيد كلَّ مَن يقف ضدَّها... عندذاك يصير القلب مظلمًا بأهواء وأفكار وأفعال الضَّلالة ويصير الإنسان بعيدًا أكثر فأكثر، يومًا بعد يوم، عن صورة الله الَّتي فيه وتُحجِّر أرض قلبه... لكن، "حيٌّ أنا يقول السَّيِّد الرَّبّ، إنّي لا أسرّ بموت الشِّرّير، بل بأن يرجع الشِّرّير عن طريقه ويَحيا. ارجعوا، ارجعوا عن طرقكم الرَّديئة، فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل؟" (حزقيال 33: 11)...

*             *             *

زكَّا كان رئيسًا للعشَّارين، وكلمة "عَشَّار" هي ترجمة للكلمة اليونانيَّة telónés وتعني "جباية الضَّرائب" أو "مزارع الضَّرائب". في النِّظام الرُّومانيّ، كانت الضَّرائب تُلَزَّم لمقاوِلين أثرياء، وهؤلاء يوظِّفون عَشَّارين مَحَلِيِّين لجمعها. كان العشّارون يُضيفون رُسومًا إضافيَّة لأنفسهم، ممَّا جعلهم أغنياء على حساب الشَّعب. لأنَّهم تعاوَنوا مع السُّلطة المحتَلَّة، وارتبط عملهم بالابتزاز، صاروا يُعتَبَرون خطاة وخَوَنَة. زكَّا، إذن، كان أحد الأثرياء الَّذين لزَّمَهم الرُّومان جبايةَ العُشور من الشَّعب اليهوديّ، وكان لديه عَشَّارين موظَّفين يجمعون له الضَّرائب للرُّومان. إذًا، ماله، كان يُعتَبر في الشَّريعة، مالَ ظلم وهو نفسه يُعتَبر شريكًا في ظلم العشَّارين أتباعه. موقعه هذا، طبعًا، جعل له نفوذًا عند السُّلْطَة وأصحاب المقامات، لكن في نفس الوقت كان محتقَرًا من شعبه لأنَّه خائنٌ خاطئ وظالم. ومع ذلك، ربّما كان يوجد الكثيرون ممَّن يتودَّدون إليه كونه صاحب نفوذ وسلطة مال... هذا هو العالم، وهذا هو التَّناقُض الحاصِل فيه، ويوجد الكثير من النُّفوس الضَّعيفة الَّتي تلهث وراء مصالحها مسكِّتَتةً ضمائرها، لأنَّه كما يقول المثل العاميّ في بلادنا: "اليَد الَّتي لا تقدر عليها قَبِّلْها وادعِ عليها بالكسر"، أي يمكن أن يتعاطى الإنسان برِياءٍ غاضًّا النَّظر عن أمورٍ كثيرة لا يقبلها أو يدينها لأجل مصلحته...

رغم كلّ ما سبق، يبدو أنّه كان ما زال يوجد لدى زكَّا شيء من الخير بداخله، كان ما زال يبحث عن الحَقّ ويُريد فرصةً من الله ليعود إليه. الرَّبُّ "فاحص الكِلَى والقلوب" (راجع إر 17: 10؛ مز 7: 9؛ رؤ 2: 23) وهو وحده يعرف خفايا الإنسان، كان عالمًا بما في زكّا من حيرة وشوق، من رغبةٍ بالتَّغيير وخوف من الفشل، من ضعفٍ وقوّة، ومن إمكانيّة وإرادة، لذلك اقتنص الرَّبُّ اللَّحظة المناسبة ليُنادي هذا الرَّأسماليّ الظَّالِم باسمه فيُدخل في كيانه طاقةً من الحُبّ والخوف لم يكن يحلم زكّا في كلِّ حياته أن يختبرها، إذْ رأى نفسه معروفًا مفضوحًا مطلوبًا ومرحومًا ... محبوبًا!... ففتح كيانه صوتُ يسوع الحازم والحنون "اليوم ينبغي لي أن أمْكُثَ في بيتك" وفتفت  تحجُّر قلبه وأعاد إليه الحياة والنُّور... "فأسرع ونزل وقبله فرحًا"...

*             *             *

يا أحبَّة، ملذَّات وهموم الحياة تُقَسِّي القلب الَّذي يستسلم للأهواء الكامنة فيها فيَقَع في أبشع الذُّنوب الَّتي يكرهُها الرَّبّ: "هذِهِ السِّتَّةُ يُبْغِضُهَا الرَّبُّ، وَسَبْعَةٌ هِيَ مَكْرُهَةُ نَفْسِهِ: عُيُونٌ مُتَعَالِيَةٌ، لِسَانٌ كَاذِبٌ، أَيْدٍ سَافِكَةٌ دَمًا بَرِيئًا، قَلْبٌ يُنْشِئُ أَفْكَارًا رَدِيئَةً، أَرْجُلٌ سَرِيعَةُ الْجَرَيَانِ إِلَى السُّوءِ، شَاهِدُ زُورٍ يَفُوهُ بِالأَكَاذِيبِ، وَزَارِعُ خُصُومَاتٍ بَيْنَ إِخْوَةٍ" (أم 6: 16 – 19). مَن يطلب مصلحته فوق كلِّ شيء يقع في هذه الخطايا لأنَّ القاعدة عنده "أنَّ الغاية تُبَرِّر الوسيلة". هكذا كان العشَّارون لأنَّ مَعيشتهم كانت مَبنيَّةً على مال الظُّلم الَّذي يُحَصِّلونه فوق الضَّريبة المطلوبة للمحتلّ، وهكذا يكون كلّ إنسان ليست مخافة الله أمام عينَيه. أمّا زكَّا فقد اصطاده الرَّبُّ في اللَّحظة الَّتي عرفها هو وانتشله من فم الأسد. تلقَّف زكّا رحمة الله اللَّامتناهية وانتفض على نفسه، فكانت توبته علنيّة، وهي كانت اعترافًا بخطيئته ووعدًا بتنقية مسيرته عبر إتمام ما تأمر به الشَّريعة للإنصاف من ظلم، "وإنْ كنتُ قد غبَنْتُ أحدًا في شيءٍ أردُّ أربعةَ أضعاف"...

هذه هي التَّوْبة الحقيقيَّة اعترافٌ عَلَنيّ، ندم، وتغيير حياة وتصحيح مسار وتعويض عن الأذى بمثابة عربون على الرَّغبة بالتَّحوُّل من عبدٍ للعالم إلى عبد لله، في المسيرة نحو حرِّيَّة أبناء الله، عبر طاعة الوَصيَّة وتطيهر القلب والسِّيرة، حتَّى يصير المسيح الكلّ في الكلّ، في القلب والفكر والعقل والحياة...

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّامن)

انْحَدَرْتَ مِنَ العُلوِّ يا مُتحنِّن. وقَبِلتَ الدَّفنَ ذا الثّلاثةِ الأيّام. لكي تُعتقَنا مِنَ الآلام، فيا حياتَنا وقيامتَنا يا رَبُّ المجدُ لك.

طروباريَّة القدِّيس غريغوريوس اللَّاهوتيّ (بِاللَّحْنِ الأوَّل)

إِنَّ الـمِزْمَارَ الرِّعَائِيَّ لِتَكَلُّمِكَ بِاللَّاهُوتِ، قَدْ قَهَرَ أَبْوَاقَ الخُطَبَاءِ وَغَلَبَهَا. فَبِمَا أَنَّكَ الْتَمَسْتَ أَعْمَاقَ الرُّوحِ قَدْ أُضِيفَ إِلَيْكَ حُسْنُ الـمَنْطِقِ أَيُّهَا الأَبُ غِرِيغُورِيُوسُ. فَتَشَفَّعْ إِلَى الـمَسِيحِ الإِلَهِ أَنْ يُـخَلِّصَ نُفُوسَنَا.

قنداق دُخول السَّيِّد إلى الهيكل (باللَّحن الأوَّل)

يا مَنْ بمَوْلِدِكَ أيُّها المسيحُ الإله، المُستَوْدَعَ البَتوليّ قدَّسْتَ. ويَدَيْ سمعانَ كما لاقَ بارَكْتَ. وإيّانا الآن أدركتَ وخلَّصْتَ. إحفَظْ رعيَّتَكَ بسلامٍ في الحروب وأيِّد الَّذين أحببتَهُم، بما أنَّكَ وحدَكَ مُحبٌّ للبَشَر.

الرِّسالة (عب 7: 26- 28، 8: 1- 2)

إِنَّ فَمِي يَتَكَلَّمُ بِالحِكْمَةِ، وقلبي يهذُّ بالفَهم.

اِسْـمَعوا هَذَا يَا جَـمِيعَ الأُمَمِ.

يَا إِخْوَةُ إِنَّا يُلائِمُنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا بَارٌّ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، مُتَنَزَّهٌ عَنِ الْخَطَأَةِ قَدْ صَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، لا حَاجَةَ لَهُ أَنْ يُقَرِّبَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ ذَبَائِحَ عَنْ خَطَايَاهُ أَوَّلًا ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ. لِأَنَّهُ قَضَى هَذَا مَرَّةً وَاحِدَةً حِينَ قَرَّبَ نَفْسَهُ. فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِـهِمِ الضُّعْفُ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. أَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ الِابْنَ مُكَمَّلًا إِلَى الأَبَدِ. وَرَأْسُ الْكَلاَمِ هُوَ أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هذَا قَدْ جَلَسَ عَنْ يَـمِينِ عَرْشِ الجَلالِ فِي السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ خَادِمُ الأَقْدَاسِ وَالْمَسْكِنِ الْحَقِيقِيِّ الَّذي نَصَبَهُ الرَّبُّ لاَ إِنْسَانٌ.

الإنجيل (لو 19: 1- 10)(لوقا 15)

في ذلك الزَّمان، فيما يسوع مجتازٌ في أريحا، إذا برجل اسمه زكّا كان رئيسًا على العشَّارين وكان غنيًّا، وكان يلتمس أن يَرى يسوع من هو فلم يكن يستطيع من الجَمع لأنِّه كان قصيرَ القامة. فتقدَّم مُسرِعًا وصعد إلى جُمَّيْزَةٍ لينظره لأنّه كان مزمعًا أن يجتاز بها. فلمّا انتهى يسوع إلى الموضع رفع طرفه فرآه فقال: يا زكّا أسرع أنزل، فاليوم ينبغي لي أن أمْكٌثَ في بيتك. فأسرع ونزل وقبله فرحًا. فلمّا رأى الجمبع ذلك تذمَّروا قائلين أنَّه دخل لِيَحُلَّ عند رجلٍ خاطئ. فوقف زكّا وقال ليسوع: هاءنذا يا ربُّ أُعطي المساكين نِصْفَ أموالي. وإنْ كنتُ قد غبَنْتُ أحدًا في شيءٍ أردُّ أربعةَ أضعاف. فقال له يسوع: اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت لأنَّه هو أيضًا ابن إبراهيم، لأنّ ابن البشر إنَّما أتى ليطلب ويخلِّص ما قد هَلَك.

حول الإنجيل

نلتقي اليوم بوَجهٍ إنجيليٍّ عجيب: زكّا العشَّار، الإنسان الَّذي جمع في نظر النَّاس كلَّ أسباب الرَّفض، فكان خاطئًا في المهنة، غنيًّا على حساب الآخَرين، ومُحتقَرًا اجتماعيًّا. لكنّ الإنجيل لا يقدّم لنا سيرةَ خطيئة، بل معجزةَ لقاء. لم يكن زكّا يطلب معجزةً ولا منفعة، بل كان يبحث عن شخص المسيح. هذا الشَّوْق الخَفِيّ هو بدايةُ الخلاص. في تعليم آبائنا القدِّيسين، النِّعْمَة الإلهيَّة تسبق كلَّ شيء، لكنّها لا تلغي حرّيّة الإنسان. فالشَّوْق الصَّادِق هو الباب الَّذي تدخل منه النِّعْمَة. صِغَرُ القامة لم يمنع زكّا، بل جعله يصعد الجُمَّيزَة، أي يصعد فوق كبريائه وخوفه من النَّاس. لم ينادِه يسوع بلقبه المهين «العشّار»، بل باسمه. المسيح لا يرى الإنسان كما يراه النَّاس، بل كما يريده الآب أن يكون. وكما يقول القدّيس يوحنّا الذَّهبيّ الفم: “المسيح لا يفضح الخاطئ، بل يوقظه بنظرة حبّ”. كلمة «ينبغي» في الإنجيل تحمل مشيئة الله الخلاصيّة. دخول المسيح بيت زكّا ليس مجرّد زيارة، بل سُكنى. في التَّقليد الأُرثوذكسيّ، البيت يرمز إلى القلب. حين يدخل المسيح قلب الإنسان، تتحوّل الحياة كلّها إلى ليتورجيا، ويصير البيت كنيسة صغيرة. زكّا لم يُدافع عن نفسه، ولم يطلب تبريرًا، بل قال: «إن كنتُ قد وشيتُ بأحدٍ أردُّ أربعة أضعاف». التَّوْبة الأُرثوذكسيَّة ليست شعورًا عابرًا، بل تغيير طريق (μετάνοια). ردّ المظالم والعطاء للفقراء هما علامة صدق التَّوْبة، لأنّ من يلتقي بالمسيح يغيّر علاقته بالمال وبالآخَرين.

«اليوم حصل خلاص لهذا البيت». الخلاص ليس فكرةً نظريّة ولا وَعْدًا مؤجّلًا، بل حدثٌ حاضر. “اليوم” يعني الآن، في هذه السَّاعة، متى فُتح القلب للمسيح. هكذا تفهم الكنيسة الخلاص: شركة حيّة مع المسيح تبدأ هنا وتمتدّ إلى الأبديّة. ويختم الرَّبّ: «لأنّ ابن الإنسان جاء ليطلب ويخلِّص ما قد هلك». الكنيسة، جسد المسيح، مدعوّة أن تحمل هذه الرِّسالة نفسها: أن تطلب، لا أن تدين؛ أن تخلّص، لا أن تُقصي؛ أن ترفع الإنسان كما رفع المسيح زكّا من جُمَّيزَته إلى كرامة البنُوّة. زكّا هو صورة لكلّ واحدٍ منّا. قد نكون قصيري القامة روحيًّا، مثقلين بخطايانا، لكن إن كان فينا شوقٌ صادق، فالمسيح يمرّ اليوم وينادينا بأسمائنا. فلننزِلْه إلى بيوتنا، أي إلى قلوبنا، لكي يُقال عنّا أيضًا: «اليوم حصل خلاص لهذا البيت».

غَيرة ومحبَّة زكّا

قصَّة زكّا العشَّار تُظهر كيف يمكن للغيرة الصَّادقة أن تقود إلى محبَّةٍ حقيقيَّة وتحوُّلٍ جذريّ في حياة الإنسان. كان زكّا رئيسًا للعشّارين، وهي مهنة جعلته موضع احتقار من المجتمع، إذ ارتبط اسمه بالظُّلم والطَّمع واستغلال الفقراء. ورغم غناه ومكانته، كان في داخله فراغٌ روحيّ وشَوْقٌ خَفيّ للحَقّ. لذلك كان مرفوضًا من المجتمع ومُحتَقَرًا، ليس فقط بسبب عمله بل أيضًا بسبب سلوكه الخاطئ. ومع ذلك، لم تمنع خطاياه محبَّة يسوع له.

لم تكن غيرة زكّا غيرة حسد أو أنانيَّة، بل كانت تَوْقًا داخليًّا لمعرفة الحقيقة والخلاص. هذه الغيرة دفعته إلى كَسْرِ الحواجز الاجتماعيَّة والنَّفسيَّة؛ فلم يخجل من تسلُّق شجرة الجميّزة أمام الجموع، متجاوزًا سخرية النَّاس ونظرات الازدراء. لقد أظهر بهذا الفعل أنَّ الرَّغبة الصَّادقة في الله لا تعرف عائقًا، وأنَّ القلب المتعطِّش للحَقِّ مستعدٌّ للتَّواضع مهما كان الثَّمن.

وعندما رفع يسوع نظره ودعا زكّا باسمه، أعاد لزكّا كرامته الإنسانيَّة وفتح أمامه باب الرَّجاء. أظهر له يسوع أنَّه هو الَّذي يحبُّه ويبحث عنه أكثر من ما كان زكّا يريد يسوع. وهذه هي حالة الله معنا نحن البشر. هذه المحبَّة الإلهيَّة لمست زكّا وأظهرت تغيُّرٍ واضحٍ في أفعاله وقراراته؛ إذْ أعلن توبته علنًا، وتعهَّد بإعطاء نصف أمواله للمساكين، وردّ المظالم بأضعاف.

تكشف محبَّة زكّا عن جوهر الإيمان الحقيقيّ، حيث يقود اللِّقاء الصَّادق مع الله إلى تغييرٍ ملموسٍ في السُّلوك والعلاقات. فقد انتقل من إنسانٍ يجمع المال لنفسه إلى إنسان يوزّع الخير على الآخَرين، ومن رمزٍ للظُّلم إلى شاهدٍ للعدل والرَّحمة. وهكذا تُعَلِّمنا قصة زكّا أنَّ التَّحوُّل الصَّادق قادرٌ على تجديد الإنسان وجعله ينال أكثر ممَّا يتمنَّاه هو لنفسه. الله تعامل مع محبَّة وغيرة زكّا بالقبول بدل الرَّفض، وبالمحبَّة بدل الإدانة، وبالخلاص الَّذي غَيَّر حياته بالكامل.