Menu Close
230826

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (12) بعد العنصرة       

العدد 34

الأحد 23 آب 2026

اللَّحن 3- الإيوثينا 1

أعياد الأسبوع: *23: وداع عيد الرُّقاد، الشَّهيد لوبُّس *24: الشَّهيد في الكهنة أفتيشيس، القدِّيس قزما الإيتولي *25: عودة جسد برثلماوس الرَّسول، الرَّسول تيطس *26: الشَّهيدان أدريانوس ونتاليا ورفقتهما *27: البارّ بيمين، الشَّهيد فانوريوس *28: البارّ موسى الحبشي *29: تذكار قطع رأس القدِّيس يوحنَّا المعمدان (صوم).

كلمة الرَّاعي

الحياة الأبديَّة، مَن يطلبها؟!

"أَيُّهَا الـمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ مِنَ الصَّلاحِ لِتَكُونَ لِيَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟" (مت ١٩: ١٦)

مَن مِنَّا يَطرح على نفسه هذا السُّؤال: ماذا ينبغي لي أن أعمل لأحصل على الحياة الأبديَّة؟ وهل نؤمن بوجود حياة أبديَّة؟ وما هي الحياة الأبديَّة الَّتي ننتظرها ونطلبها؟ ومتى نحصل عليها؟

أسئلة وُجوديَّة على المؤمن أنْ يعرف إجاباتها لكي يكون مؤمِنًا حقًّا، وإلَّا فإنَّ حياته تضيع سُدًى إذْ يمُرُّ الزَّمن من دونِ هدف. لا شَكَّ أنَّ الإنسان في كلِّ زمان سعى للإجابة على هذه الأسئلة لأنَّها تُحدِّد معنى وجوده، أمَّا نحن كمسيحيِّين فقد حصلنا على الأجوبة في المسيح ابن الله الوَحيد والإله المتجسِّد. غير أنَّ هذه الأجوبة تبقى نظريَّاتٍ ما لم يخُض الإنسان غمار الحياة في الرُّوح، ليتيقَّن من حقيقتها ويختبر ثمارها — مُستبِقًا الدَّهر الآتي بتذوُّقِ الحياة الأبديَّة في الرَّبّ الآن وهنا. فالحياة الأبديَّة ليست موعدًا في المستقبل وحسب، بل هي حضورٌ حَيّ يبدأ في اللَّحظة الَّتي يتحرَّر فيها الإنسان من سُلطان العالم ويتعلَّق بالمسيح الَّذي هو الحياة ذاتها. وهذا ما يُعبِّر عنه اللَّاهوت الأرثوذكسيّ بمَفهُوم الإسخاتولوجيا المتحَقِّقَة: أي أنَّ ملكوت الله لا ننتظره فحسب، بل نتذوّقه ونحيا فيه منذ الآن بالرُّوح القدس.

*             *             *

جواب يسوع للشَّاب الغَنِيّ على سؤاله كان بسيطًا:  "احْفَظِ الوَصَايَا"، واختَصَرَها له قائلًا:  "لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرُقْ، لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ، أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، أَحْبِبْ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ." هنا شعر الشَّاب بأنَّه متقَدِّم في حِفظها فأجاب: "كُلُّ هَذَا قَدْ حَفِظْتُهُ مُنذُ صِبَائِي. فَمَاذَا يَنْقُصُنِي بَعْدُ؟" شعر الشَّاب في نفسه أنَّه يمكنه أنْ يكون في وضع أفضلٍ ممَّا هو عليه، فطلب أكثر. لكنَّ جواب يسوع جاء صادِمًا:  "بِعْ كُلَّ شَيْءٍ لَكَ وَأَعْطِهِ لِلْمَسَاكِينِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاوَاتِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي". هنا حزن الشَّاب ومَضَى، ولم يلتفتْ إلى الخلف، "لِأَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ".

ولا بُدَّ أنْ نتوقَّف عند ملاحظة دقيقة في هذا النَّصّ: يسوع اقتَبَسَ للشَّاب وصايا اللَّوْح الثَّاني — أي الوَصايا المتعلِّقَة بالقريب — غير أنَّه أغفل عَمْدًا الوَصِيَّة العاشرة: "لا تَشْتَهِ". وهذا الإغفال ليس سَهْوًا، بل هو في جوهره المدخل الحقيقيّ لكلام يسوع اللَّاحِق: فالشَّاب يحفظ الوَصايا في ظاهرها، لكنَّ شهوة المال تسكُنُ في أعماقه وتتحكَّم في خياراته. وقد أراد يسوع أن يكشف له هذا الجرح الخَفِيّ في نفسه لا أن يُدينه.

*             *             *

كلّ الوصايا الَّتي ذكرها الرَّبّ يسوع للشَّاب تتعلَّق بعلاقتِهِ مع الآخَر، وهو إنْ عاشها بصدقٍ وأمانة يحصل على الحياة الأبديَّة. كم كان سَهلًا على الشَّاب أنْ يُجيبَ الرَّبّ بأنَّه يحفظ هذه الوصايا، وكم يصعب علينا اليوم أنْ نُجيبَ بهذه السُّهولة أنَّنا ملتزمون بها. لا شَكَّ أنَّ الشَّابَ الغنيّ أخطأ في تقييمه لحِفْظِهِ الوَصايا، لأنَّها في عُمقها تتعلَّق بتَحرُّره مِن حُبِّ المال الَّذي هو أصلُ كلِّ الشُّرور والأهواء، كما يقول الكتاب: "لأنَّ مَحَبَّةَ الـمَالِ (φιλαργυρία) أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ"(١ تيموثاوس ٦: ١٠). فمَن كان المال شهوته وتعَلَّقَ به صارَ مَملُوكًا منه وليس مالكًا له، وهذا ما أدركه آباء الكنيسة وعَلَّمُوه، إذْ إنَّ الشَّهوة هي أشَدَّ القيود وطأةً لأنَّها تسكن في الإرادة ذاتها. وهنا التَّحدِّي الإيمانيّ الحَقيقيّ لكلٍّ منَّا: هل إذا تخلَّيتُ عن المال حبًّا بالآخَرين أكون خاسرًا لحياتي؟ أم إذا حفظتُ المال لنفسي أكون رابحًا لها؟

*             *             *

الشَّاب الغنيّ وقع في حزنٍ لأنَّه كان يعتبر أنَّ المال تعبير عن رِضا الله عليه — وهذا المفهوم كان شائعًا في الذِّهنيَّة اليهوديَّة — وبالتَّالي فهو في نظره عربونٌ إلهيّ بأنَّه سيرثُ الحياةَ الأبديَّة وأنَّه بارٌّ في عيني الرَّبّ. بل إنَّ هذه الذِّهنيَّةِ ذاتها كانت تجعل الفقراء في نظر المجتمع اليهوديّ غيرَ مَرضيٍّ عنهم من الله — وهو ما يُضفي على دعوة يسوع للشَّاب بأنْ يُعطي الفقراء بُعدًا ثَوريًّا مزدوجًا: تحرُّر من المال، وتحرُّر من الأحكام المسْبَقَة على مَن نخدم. جواب يسوع قَلَبَ كيانَهُ ومفاهيمه ومعرفته كلّها، لأنَّه دعاه إلى الحرِّيَّة الكاملة الَّتي لا تُقتَنى إلَّا بتَرْكِ التَّعلُّق بالمال عبر توزيعه على الفُقراء، وعَيْشِ حياة الفقر مع يسوع — الَّذي هو "الحياة الأبديَّة" ذاتها، ومعلِّم الكمال وطريقه.

*             *             *

يا أحِبَّة، لنَفْحَص قلوبنا ولنسأل أنفسنا ثلاثة أسئلة:

أوّلًا: هل نحن فعلًا طلَّاب للحياة الأبديَّة؟ هل تعني لنا هذه الكلمة شيئًا حقيقيًّا، أم أنَّنا مأخوذون بتيَّارات الحياة الَّتي تُبعِدُنا عن هدف وجودنا، واضعةً أمامنا أهدافًا كثيرة بوسائل إغرائيَّة أو إكراهيَّة حتَّى نتغرَّب عن حقيقتنا؟

ثانيًا: هل نحزن كالشَّاب الغنيّ حين يُخيِّرنا الرَّبّ بين أن نكون خاضعين لسُلطان العالم وفاقدين للحياة الأبدِيَّة، وبين أن نكون متَحَرِّرين من هذا السُّلطان سالكين وراءه في طريق التَّخلِّي عن "حبِّ الفِضَّةِ" وشهواتها؟

ثالثًا: هل نفرح لأنَّنا مُتيقِّنون أنَّ الحياة الأبديَّة ليست وَعْدًا بعيدًا، بل هي حضورٌ حَيّ نتذوَّقه الآن في كلِّ خيار نتخلَّى فيه عن ذاتِنا حبًّا بالله وبالآخَرين، في انتظار مجيئه الثَّاني المجيد؟

فالحياة الأبديَّة لا تبدأ بعد الموت — تبدأ في اللَّحظة الَّتي يقول فيها الإنسان لله: "نعم"، وللمال والشَّهوة والخوف: "لا". وهذه اللَّحظة مُتاحَة لكلٍّ مِنَّا، الآن وهنا.

ومَن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّالث)

لِتفرحِ السَّماوِيَّات. ولتَبتَهِجِ الأرضِيَّات. لأنَّ الرَّبّ صنعَ عِزًّا بساعِدهِ. ووَطِئَ المَوْتَ بالمَوْت. وصارَ بِكرَ الأموات. وأنقذَنا من جَوفِ الجحيم. ومَنَحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.

طروباريَّة عيد رقاد السَّيِّدة (باللَّحن الأوَّل)

في ميلادِكِ حَفِظْتِ البتوليَّةَ وصُنتِها، وفي رُقادِكِ ما أهْمَلْتِ العالم وتركتِهِ يا والدةَ الإلَه، لأنّك انتقلْتِ إلى الحياة، بما أنَّكِ أمُّ الحياة، فبِشفاعاتِكِ أنقذي من الموت نفوسَنا.

قنداق عيد رقاد السَّيِّدة (باللَّحن الثَّاني)

إنَّ والدة الإله الَّتي لا تغفل في الشَّفاعات، والرَّجاء غير المَردُود في النَّجدات، لم يَضبطْها قبرٌ ولا مَوْت. ولكن بما أنَّها أمُّ الحياة نقلها إلى الحياة الَّذي حَلَّ في مُستودَعِها الدَّائم البتوليَّة.

 الرِّسالة (1 كو 15: 1- 11)

رَتِّلُوا لِإِلَهِنَا رَتِّلُوا.

يَا جَمِيعَ الأُمَمِ صَفِّقُوا بِالأَيَادِي.

يَا إِخْوَةُ، أُعَرِّفُكُمْ بِالإِنْجِيلِ الَّذي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ وَقَبِلْتُمُوهُ، وَأَنْتُمْ قَائِمُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَـخْلُصُونَ بِأَيِّ كَلامٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا قَدْ آمَنْتُمْ بَاطِلاً. فَإِنِّي قَدْ سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ أَوَّلاً مَا تَسَلَّمْتُهُ، أَنَّ الـمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا عَلَى مَا فِي الكُتُبِ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى مَا فِي الكُتُبِ، وَأَنَّهُ تَرَاءَى لِصَفَا ثُمَّ لِلاِثْنَيْ عَشَرَ، ثُمَّ تَرَاءَى لِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ مِئَةِ أَخٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إلى الآنَ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ رَقَدُوا. ثُمَّ تَرَاءَى لِيَعْقُوبَ ثُمَّ لِـجَمِيعِ الرُّسُلِ. وَآخِرَ الكُلِّ تَرَاءَى لِي أَنَا أَيْضًا كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ، لِأَنِّي أَصغَرُ الرُّسُلِ، وَلَسْتُ أَهْلاً لِأَنْ أُسَمَّى رَسُولاً لِأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ للهِ، لَكِنِّي بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا. وَنِعْمَتُهُ الـمُعْطَاةُ لِي لَـمْ تَكُنْ بَاطِلَةً بَلْ تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَلَكِنْ لا أَنَا بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتي مَعِي. فَسَوَاءٌ كُنْتُ أَنَا أَوْ أُولَئِكَ هَكَذَا نَكْرِزُ وَهَكَذَا آمَنْتُمْ.

الإنجيل (مت 19: 16- 24)(متّى 12)

فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دَنَا إلى يَسُوعَ شَابٌّ، وَجَثَا لَهُ قَائِلاً: أَيُّهَا الـمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ مِنَ الصَّلاحِ لِتَكُونَ لِيَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟ فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا، وَمَا صَالِحٌ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ؟ وَلَكِنْ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ الحَيَاةَ، فَاحْفَظِ الوَصَايَا. فَقَالَ لَهُ: أَيَّةُ وَصَايَا؟ قَالَ يَسُوعُ: لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرُقْ، لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ، أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، أَحْبِبْ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. قَالَ لَهُ الشَّاب: كُلُّ هَذَا قَدْ حِفْظْتُهُ مُنْذُ صِبَائِي. فَمَاذَا يَنْقُصُنِي بَعْدُ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً، فَاذْهَبْ وَبِعْ كُلَّ شَيْءٍ لَكَ وَأَعْطِهِ لِلْمَسَاكِينِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي. فَلَمَّا سَمِعَ الشَّاب هَذَا الكَلامَ مَضَى حَزِينًا لِأَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ. فَقَالَ يَسُوعُ لِتَلامِيذِهِ: الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَعْسُرُ عَلَى الغَنِيِّ دُخُولُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مُرُورَ الجَمَلِ مِنْ ثِقْبِ الإِبْرَةِ لَأَسْهَلُ مِنْ دُخُولِ غَنِيٍّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. فَلَمَّا سَمِعَ تَلامِيذُهُ بُهِتُوا جِدًّا، وَقَالُوا: مَنْ يَسْتَطِيعُ إِذًا أَنْ يَخْلُصَ؟ فَنَظَرَ يَسُوعُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ لَـهُمْ: أَمَّا عِنْدَ النَّاسِ فَلا يُسْتَطَاعُ هَذَا، وَأَمَّا عِنْدَ اللهِ فَكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ.

حول الإنجيل

يتكلَّم هذا المقطع الإنجيليّ عن اللِّقاء بين الرَّبّ يسوع والشَّاب الغنيّ بحُضور التَّلاميذ .الشَّاب الغنيّ هنا يمثِّل الأغنياء وإجابة السَّيِّد له كشفت إمكانيَّة دخول الأغنياء الملكوت من خلال الباب الضَّيِّق. السَّيِّد لم يَقُلْ له: "لا تَدعوني صالحًا" إنَّما رفض أنْ يَدعوه هكذا كمُجرَّد لَقَب ما لم يؤمن بحَقِّ أنَّه الصَّالح وحده. ذلك لأنَّ اليهود اعتادوا على دعوة رجال الدِّين بألقابٍ لا تَليق إلَّا بالله وحده. وكأنَّ السَّيِّد يقول له: "إنْ آمَنْتَ بي أنِّي أنا الله فلتلقبني هكذا وإلَّا فلا". "إنْ أردتَ أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا" أي إنْ كنت لا تريد حفظ الوصايا فلماذا تبحث عن الحياة؟

دخل السَّيِّد مع الشَّاب في حوار حول حفظ الوصايا حتَّى يكشف له نقطة ضعفه ألا وهي محبَّة المال. فجاءت النَّصيحة: "إنْ أردْتَ أن تكون كاملًا.... وتعال اتبعني". هذه هي ذروة الفضيلة الكاملة أنْ يبيع الإنسان كلّ ما يملك ويوزِّعه على الفقراء. فخادم المسيح الحقيقيّ ليس له شيء بجانب المسيح. إنْ كنت مقتنعًا أنَّ كنزك في السَّماء فيجب أن يكون قلبك وعقلك ومشاعرك فقط في السَّماء.

مَضى الشَّاب حزينًا لأنَّه كان مُقتنعًا بأنَّ ماله هو سبب فرحه وسعادته. وعندما وجه السَّيِّد حديثه للتَّلاميذ: "يعسر أنْ يدخل غنيّ إلى ملكوت السَّماوات..." لم يَقُل إنَّه "مُستحيل" وإنَّما "يعسر" تاركًا مَجالًا لمن يملك ماله وليس العكس أنْ يوقن أنَّه إذا أحسن التَّصرف بهذا المال ممكن أن يكون هذا المال سببًا لجعله من بني الملكوت. حقًّا إنَّ الله قادرٌ أن يعبر بالجمل من ثقب إبرة وذلك بتفريغ قلب الغنيّ من حُبّ القنية والمال والغنى وإلهاب قلبه بحُبِّ الكنز الحقيقيّ السَّماويّ.

بين الرُّقاد والانتقال

رقاد والدة الإله وانتقالها: أين يكمن الفرق؟

قد يبدو للوهلة الأولى أنَّ الفَرق بين اصطلاحَيْ "رقاد والدة الإله" في التَّقليد الأرثوذكسيّ و"انتقال العذراء" في التَّقليد الكاثوليكيّ هو مجرَّد فرق في الألفاظ، إلَّا أنَّ وراء كلَّ تعبيرٍ رؤية لاهوتيَّة ومنهج كنسيّ مُختلف.

تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة أنَّ والدة الإله رَقَدَتْ رُقادًا حقيقيًّا، أي أنَّها ذاقَتْ الموت كسائر البشر، لأنَّها اشتركَتْ بالكامل في الطَّبيعة البشريَّة الَّتي اتَّخَذَها ابنها. فالمسيح وحده هو الَّذي غلب الموت بقيامته، أمَّا العَذراء فنالَتْ التَّمجيد بقوَّة ابنها لا بامتيازٍ مستقلّ. ولهذا تُسَمِّي الكنيسة عيد الخامس عشر من آب عيد رقاد والدة الإله، لا عيد انتقالها.

ويشرح القدِّيس يوحنَّا الدِّمشقيّ هذا السِّرّ بقوله: «كان ينبغي للَّتي حفظت بتوليَّتها في الولادة أن تحفظ جسدها أيضًا من الفساد بعد الموت. وكان ينبغي للَّتي حملت الخالق طفلًا على ذراعَيْها أن تَسكُنَ في المظالِّ الإلهيَّة» (العظة الثَّانية على رقاد والدة الإله). فالقدِّيس لا ينفي الموت، بل يؤكِّد أنَّ الجسد لم يبقَ في القبر بسبب اتِّحاد العذراء الفَريد بسِرِّ التَّجسُّد. ويقول القدِّيس أندراوس الكريتيّ أنَّ رقاد العذراء هو «عبورٌ من الأرض إلى السَّماء، ومن الفساد إلى عدم الفساد»، بينما يصف القدِّيس جرمانوس القسطنطينيّ قبرها بأنَّه صار «ينبوع حياة، لأنَّ الَّذي سكن في أحشائها هو واهِبُ الحياة».

أمَّا اللِّيتورجيا الأرثوذكسيَّة، فهي المرجع الأوَّل لفهم هذا العيد. ففي طروباريَّة الرُّقاد ترتِّل الكنيسة:

»في ميلادكِ حفظتِ البتولية، وفي رقادك ما تركتِ العالم يا والدة الإله، لأنك انتقلتِ إلى الحياة بما أنكِ أم الحياة، وبشفاعاتك تنقذين من الموت نفوسنا.« هنا نلاحظ أنَّ الانتقال إلى الحياة يأتي نتيجة الرُّقاد، وليس بديلًا عنه. في المقابل، أعلن البابا بيوس الثَّاني عشر سنة 1950، في الدُّستور الرَّسوليّ Munificentissimus Deus، عقيدة انتقال العذراء بالنَّفس والجسد إلى السَّماء. ومن اللَّافت أنَّ النَّص الرَّسميّ تجنَّب الجزم بما إذا كانت العذراء قد ماتت أم لم تمت، واكتفى بالقول أنَّها، «بعد أن أكملت مسيرة حياتها الأرضيَّة»، رُفِعَتْ إلى المجد السَّماويّ بالنَّفس والجسد. وهذا يترك المجال مفتوحًا لوجود رأيين داخل اللَّاهوت الكاثوليكيّ، وإنْ كان الرَّأي الغالب اليوم هو أنَّها رقدت قبل انتقالها.

هنا يتَّضح الفرق الحقيقيّ: فالكنيسة الأرثوذكسيَّة لا تنطلق من تعريفٍ عقائديّ صدر في زمنٍ متأخِّر، بل من التَّقليد الرَّسوليّ الحَي الَّذي تعبِّر عنه اللِّيتورجيا وإجماع الآباء. لذلك تُصِرُّ على تسمية العيد رُقاد والدة الإله، لأنَّ هذه التَّسمية تحفظ الحقيقة الإنجيليَّة: أنَّ العذراء اشتركت في موت ابنها، كما اشتركَتْ في قيامته ومجده.

إنَّ عيد الرُّقاد ليس احتفالًا بامتيازٍ خاصّ للعذراء فحسب، بل هو إعلانٌ لرجاء الكنيسة كلِّها. فما تحقَّق في والدة الإله بقُوَّة قيامة المسيح هو الوَعد الَّذي ينتظر جميع المؤمنين: «فإنْ كنَّا قد مُتنا معه، فسنحيا أيضًا معه» (2 تيموثاوس 2: 11).

قطع رأس يوحنَّا المعمدان

الميتروبوليت جورج (خضر)

جاء هذا الخبر عند مرقس مداورة إذْ نَصَّ إنجيل مرقس على أنَّ هيرودس سمع بخبر يسوع فقال أنَّ يوحنَّا المعمدان قد قام من بين الأموات، ثمَّ تأتي الرِّواية عن قتل المعمدان. لماذا هيرودُس أمسك يوحنَّا وزَجَّهُ في السِّجن؟ الجواب لأنَّ الملك تزوَّج «هيروديَّا» إمرأة أخيه فيلبُّس.

ما الخطأ في ذلك؟ لنفترض أنَّ أخاه كان حيًّا. إذْ ذاك، يكون هذا زِنا. أمَّا إذا كانت هيروديَّا مُطلَّقة فزواجها يخالف شريعة موسى القائلة: «عورة امرأة أخيك لا تُكْشَف» (لاويين 18: 16). ولو كان زوجها ميتًا يكون الزَّواج مُخالفًا للنَّاموس، إنْ كان عندها ولد إذْ يقول سفر التَّثنية: «إذا سكن إخوةٌ معًا ومات واحدٌ منهم وليس له ابن فلا تصر امرأة الميت إلى خارج لرجلٍ أجنبي» (25: 5). بنظر المعمدان كان في الأمر زنا أو مخالفة صريحة للنَّاموس.

نتج عن هذا التَّأنيب للملك أنَّ هيروديَّا سَعَتْ إلى قتل النَّبيّ. غير أنَّ الملك «كان يخاف من يوحنَّا لعلمه بأنَّه رجل بارّ وقدِّيس ويحافظ عليه». ويقول الإنجيل أيضًا أنَّ الملك كان «يسمع إلى يوحنَّا بانبساط» ما يعني أنَّه كان يتردَّد على البلاط ولكنَّه انقسم داخليَّا عن هذه الصَّداقة بسبب سقوط الملك الأخلاقيّ.

في هذا الجَوّ «صنع هيرودس في مولده عشاءً لكبار المملكة»، وجاءت ابنة هيرويَّا ورقصَتْ رقصًا فرديًّا لا بُدَّ أنَّه كان خليعًا وأَعجبتْ الملك. وباقي القِصَّة سرده الكتاب الإلهيّ. فقتل المليكُ يوحنَّا المعمدان. ثمَّ دَفَنَ جثَّةَ يوحنَّا تلاميذُه، ولا نعرف شيئًا عنها، ولا عن رأسه نعرف شيئًا. وتزعم كنائس عديدة في العالم أنَّ عندها هذا الرَّأس، ولكن ليس شيء من هذا أكيدًا. الأغلب أنَّ الجثمان كلَّه دُفِنَ في فلسطين واندثرت المعالم.

الدَّرس الَّذي لنا مِن هذه الحادثة أنَّ النَّبيّ يقول الحَقّ للكبير والصَّغير ولا يخشى أحدًا حِفاظًا منه على كلمة الله. الله لا الملوك ولا العُظماء وحده المطاع. الدَّرس الآخَر أنَّ هيرودس كان أوَّلًا ضحيَّة الطَّعام والسُّكر، ووقع ثانيًا في شهوة العيون. كلّ هذا مجتمعًا قتل المعمدان.

الخُلاصة مِن هذا كلِّه أنَّك إنْ كنتَ إنسانًا روحانيًّا لا تُساير أحدًا. تلوم أباك او إخوتك او أصدقاءك بقوَّة كلمة الله لأنَّك تريدهم أن يتنقَّوا مِن كلِّ خطيئةٍ اقترفوها. أنت لا تحبُّ أحدًا على الله لأنَّك تكون قد سلَّمْتَه إلى الشَّيطان الَّذي أغراه. يمكن أن تموت لأنَّك قلت الحقيقة. شهادة الدَّم تفرض نفسها حتَّى يتمجَّد الله بسفكِ دمِك كما تمجَّد بشهادةِ كلامك.

مِن هذه الخُلاصة أيضًا أنَّ «شهوة العيون وشهوة الجسد» كما يُسَمِّيها يوحنَّا الإنجيليّ في رسالته الجامعة الأولى تُبيد صاحبها ويمكن أن تجعله قاتلًا. الخطيئة لها أثر على مرتكبها ولها أثر في النُّفوس. لا تَمرُّ كمرور الرِّيح. الخطيئة رهيبة أيضًا لأنَّها تُوَلِّدُ خطيئات أخرى.

قطع رأس يوحنَّا دعوة كلِّ واحدٍ منَّا إلى التَّوبة.

†  †  †