Menu Close
220625

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (2) بعد العنصرة

العدد 25

الأحد 22 حزيران 2025

اللّحن 1- الإيوثينا 2

أعياد الأسبوع: *22: تذكار جامع للقدِّيسين الأنطاكيّين، الشَّهيد إفسافيوس أسقف سميساط، البارّ إيسيخيوس رئيس دير العُلَّيقة في سيناء *23: الشَّهيدة أغريبينا ورفقتها *24: تذكار مولد يوحنّا المعمدان، تذكار القدِّيسَيْن زخريّا وأليصابات *25: الشَّهيدة فبرونيّة، الشُّهداء أورنديوس وإخوته الستَّة *26: البارّ داوود التّسالونيكيّ *27: البارّ شمشون مُضيف الغرباء، القدّيسة يونّا إمرأة خوزي *28: تذكار نقل عظام كيرُس ويوحنّا العادِمَي الفضَّة.

كلمة الرّاعي 

أنطاكية والقداسة المستمرَّة

" ودُعَيَ التَّلامِيذُ مَسيحيِّين في أنطاكِيَةَ أَوَّلًا" (أع 11: 26)

القداسة ليست حكرًا على فئة من النّاس أو على زمن معيَّن، هي دعوة الإنسان في كلّ الأزمنة والأماكن. مع ذلك، وعلى مَرِّ التَّاريخ، تطبع وجوهٌ قداسةَ بعض الأماكن والأزمنة دون أن تَستنفدها أو تَحُدّها، ومن هنا لأنطاكية منذ بدء انتشار المسيحيّة مكانة خاصَّة في التَّعبير عن قداسة الله من خلال كنيسته أي شعب الله والقدِّيسين الَّذي أثمرتهم، الَّذين هم جسد المسيح، إذ فيها دُعي أتباع يسوع المسيح "مسيحيِّين" أوَّلًا. وهذه الصِّفة ليست مجرَّد إلصاق اسم بجماعة بل هي هويّة هذه الجماعة. المسيحيّون هم المسيح الحاضر في العالم بقوّة روحه القدّوس الفاعل من خلال الَّذي تُسُمُّوا على اسمه.

للقداسة أساليب متعدِّدة لكنَّ الطَّريق واحد وهو طاعة المسيح والانفتاح الكيانيّ على روحه القدُّوس الَّذي يقود الإنسان في مسيرة الشَّهادة والاستشهاد هذه. لا قداسة بدون شهادة، ولا شهادة بدون تجارب، ولا غلبة بدون إيمان، ولا إيمان بدون تسليم، ولا تسليم بدون محبّة لله، ولا محبّة لله بدون طاعة يسوع المسيح وحفظ وصاياه... من هنا، البعض تقدَّسوا بموت الاستشهاد والبعض الآخر بالشَّهادة البيضاء والنُّسك، وغيرهم بواسطة الخدمة وآخرون من خلال رعاية شعب الله، وهذه كلّها لا تقوم بدون توبة وصلاة وصوم.

*             *             *

بطرس وبولس أسَّسا الكنيسة في أنطاكية، برنابا كان له دور كبير أيضًا في نشر المسيحيّة فيها بين الأمم، ومن تراثها الإيمانيّ والثَّقافيّ والفلسفيّ والنُّسكيّ خرج كثير من القدِّيسين والقدِّيسات منهم القدِّيسون أغناطيوس الأنطاكيّ والذَّهبيّ الفم وأفرام وإسحق السُّوريَّين وشربل الرَّهاوي ومارون النَّاسِك وسمعان العاموديّ وكيرا ومارانا ورومانوس المرَنِّم ويوحنَّا الدِّمشقيّ والشَّهيد الجديد إيليَّا البعلبكيّ واللَّائحة تطول. وفي أيَّام المماليك والصَّليبيِّين والعثمانيِّين كثيرون استشهدوا لأجل المحافظة على الإيمان القويم كالقدِّيسين يعقوب الحماطوريّ ورزق الله بن نبع اللَّذَيْن استشهدا في طرابلس والقدِّيس يوسف الدِّمشقيّ، القدِّيس رفائيل (هواويني) أسقف بروكلين ومؤخَّرًا أعلن المجمع المقدَّس قداسة الشَّهيدَيْن في الكهنة نقولا وحبيب خشّة... القداسة لم تتوقَّف يومًا في أنطاكية واليوم، أيضًا، لدينا الكثير من القامات الرُّوحيَّة، الَّتي مرَّت من قرنين أو ثلاثة إلى أيَّامنا هذه، هي مشاريع قداسة...

في كلّ الأحوال، لا نستطيع أن نُحيط إحاطةً تامَّةً بجميع القدِّيسين الَّذين تقدَّسوا في كرسيّنا الأنطاكيّ المقدَّس، لذلك، نُعَيِّد في الأحد الثَّاني بعد العنصرة لجميع القدِّيسين الأنطاكيِّين المعروفين منهم وغير المعروفين لكي نتشدَّد بهذه الذِّكرى ونتذكَّر بأنّنا كلّنا مدعوُّون إلى القداسة، إذ نقبل على المناولة المقدَّسة بعد أن نسمع الكاهن يعلن بأنّ "القدسات للقدِّيسين"، الَّذين يجب أن نكون نحن منهم لأنّ شركة جسد المسيح هي شركة القدِّيسين وأبناء بيت الله وورثة موعده...

*             *             *

يا أحِبَّة، نحن أبناءُ كنيسةٍ تحمل تراثًا غير محدود من القداسة والبشارة والشَّهادة لاسم الرَّبّ القدُّوس، ونحن سُلالَة يسوع المسيح الَّتي تَجَلَّتْ في هؤلاء القدِّيسين الَّذين لمَعوا ونبغوا على مَرِّ السِّنين، وعلينا أنْ نكون حاملين لهذا التُّراث الرُّوحيّ مِنَ القَدَاسة وشاهدين له بمحبّتنا ليسوع المسيح وطاعتنا لكلمته وخدمتنا لكِرَازَتِه، كلٌّ من الموقع الَّذي هو فيه وبحسب موهبة النِّعْمَة المُعطاة له: "أَنُبُوَّةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِيمَانِ، أَمْ خِدْمَةٌ فَفِي الْخِدْمَةِ، أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ،أَمِ الْوَاعِظُ فَفِي الْوَعْظِ، الْمُعْطِي فَبِسَخَاءٍ، الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ، الرَّاحِمُ فَبِسُرُورٍ..." (راجع رو 12). القدَاسة هي عَيْش خدمة النِّعْمَة الَّتي تُعطينا أوَّلًا أن نتوب ونعود إلى الله لكيما بخبرة تجديدنا بقوَّته نخبر بفضائل الَّذي دعانا إلى "مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ" (1 بط 2: 9)، هو الَّذي يفتقد مَنْ هم في "الظُّلمة وظِلال الموْت" (لو 1: 79). علينا أن نقدِّر سرّ النِّعْمَة الفاعل في كنيستنا الَّتي عاشت على مَرِّ القرون شهادة ممزوجة بالدَّم والنُّور وما زالت وهي باقية شهادة حبٍّ للَّذي سفك دمه على الصَّليب حبًّا بخليقته لينتشلها من براثن الموت والخطيئة وإبليس. اليوم، نحن مدعوُّون أن نتمسَّك بالإيمان مُتَحَدِّين الشَّدائد ومتحَمِّلينها بقوَّة إيماننا واتِّكالنا على الرَّبّ ورحمته وشفاعة قدِّيسيه، لكي بنوره المتساقط علينا والسَّاكن في أنقياء القلوب يستنير عالمنا بنورٍ جديد ليس من هذا العالم بل هو نور "الخليقة الجديدة" الَّتي بيسوع المسيح، نور الحبّ والفرح والسَّلام الَّذين يفتقدهم العالم والَّذين لن يجدهم إلَّا في يسوع وفي كنيسته المقدَّسة حيث الحَقّ والحقيقة تُستَعلن في القدِّيسين... الَّذين كلُّ واحدٍ منّا مَدعُوّ، اليوم، أن يكون واحدًا منهم في كنيسة أنطاكية وفي هذا الشَّرق والعالم أجمع... لكي يرى العالم مجدَّدًا أنّ "المسيحيِّين" في أنطاكية هم خميرة قداسةٍ وبِرٍّ وشهادة للإله المحبّ البشر له المجد إلى الأبد... آمين.

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريّة القيامة (باللَّحن الأوَّل)

إنَّ الحجرَ لما خُتِمَ مِنَ اليَهود. وجَسَدَكَ الطّاهِرَ حُفِظَ مِنَ الجُند. قُمتَ في اليومِ الثّالثِ أَيُّها المـُخلِّص. مانِحًا العالمَ الحياة. لذلكَ قوّاتُ السّماوات. هتفوا إليكَ يا واهبَ الحياة. المجدُ لقيامتِكَ أَيُّها المسيح. المجدُ لِمُلكِكَ. المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدك.

طروباريّة جميع القدّيسين الأنطاكيّين (باللَّحن الرَّابع)

هيّا نُكَرّمُ يا رِفاقَ الإيمان، القدِّيسِينَ الأنطاكيِّينَ جميعًا، الرُّسُل الأطهار ورُؤساءَ الكهنة والأبرار مع الشُّهداء مُقتَفينَ آثارَهُم. ناظرينَ سيرَتَهُم المـَلأى بالعجائب، ولنَسلُك نحن أيضًا بسَلام لكي نَفوزَ بالسَّكَنِ في الفردوس.

القنداق (باللَّحن الثّاني)

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرّسالة (أع 11: 19-30)

ما أعظَمَ أعمالَكَ يا ربُّ كلَّها بحكمةٍ صَنَعْتَ،

باركي يا نفسي الرَّبَّ

في تلكَ الأيَّام، لـمَّا تَبَدَّدَ الرُّسُلُ من أجلِ الضِّيقِ الَّذي حصَلَ بسببِ استِفَانوسَ، ٱجتازُوا إلى فِينيقَيَةَ وقُبْــُرصَ وأنطاكِيَةَ وهمُ لا يكَلِّمُونَ أحدًا بالكَلِمَةِ إلَّا اليهودَ فقط. ولكنَّ قَوْمًا منهم كانوا قُبُرصيِّين وقَيْروانيِّين. فهؤلاءِ لـمَّا دخَلُوا أنطاكِيَةَ أخذُوا يُكَلِّمُونَ اليونانيِّينَ مُبشِّرِينَ بالرَّبِّ يسوع. وكانت يَدُ الرَّبِّ مَعَهُم. فآمَنَ عددٌ كثيرٌ ورَجَعُوا إلى الرَّبِّ. فبلَغَ خبرُ ذلك إلى آذانِ الكنيسةِ الَّتي بأُورَشَلِيمَ فأَرْسَلُوا بَرنابا لكي يجتازَ إلى أنطاكية. فلمَّا أَقْبَلَ ورأَى نِعْمَةَ اللهِ فَرِحَ ووَعَظَهُم كُلَّهم بأَنْ يَثْبُتُوا في الرَّبِّ بعَزِيَمةِ القلب، لأنَّه كانَ رجلًا صالِحًا مُـمْتَلِئًا مِن الرُّوحِ القُدُسِ والإيمان. وانضَمَّ إلى الرَّبِّ جمعٌ كثيرٌ. ثمَ خرَجَ بَرنابا إلى طَرسُوسَ في طَلَبِ شاوُل. ولـمَّا وجَدَهُ أَتَى بهِ إلى أنطاكية، وتردَّدَا معًا سنةً كامِلَةً في هذهِ الكنيسةِ، وعلَّمَا جَمعًا كثيرًا. ودُعَيَ التَّلامِيذُ مَسيحيِّين في أنطاكِيَةَ أَوَّلًا. وفي تلكَ الأيَّام، اِنْحَدَرَ من أُورشليمَ أنبياءُ إلى أنطاكية، فقامَ واحِدٌ منهم اسمه أغابُوسُ فأنبَأَ بالرُّوح أنْ ستكونَ مَجَاعَةٌ عَظيمَةٌ على جميعِ المسكونة. وقد وَقَع ذلكَ في أيَّامِ كُلودْيُوسَ قيصرَ، فَحَتَّمَ التَّلاميذُ بحسَبِ ما يَتَيَسَّرُ لِكُلِّ واحِدٍ منهم أَنْ يُرسِلُوا خِدْمَةً إلى الإخوةِ السَّاكِنِينَ في أورَشليم، ففعلوا ذلكَ وبَعَثُوا إلى الشُّيُوخِ على أيدي بَرنابا وشَاوُلَ.

 الإنجيل (مت 5: 14- 19)

قال الرَّبُّ لتلاميذه: أنتم نورُ العالَم. لا يمكنُ أن تَخفْى مدينةٌ واقعةٌ على جبلٍ، ولا يُوقَد سِراجٌ ويُوضَعُ تحتَ المكيال لكِنْ على المَنارة ليُضيءَ لجميع الَّذين في البيت. هكذا فليُضئ نورُكم قُدَّام النّاس ليَرَوا أعمالكم الصَّالِحَةَ ويُمَجِّدوا أباكم الَّذي في السَّماوات. لا تَظُنوا أنّي أتيتُ لأحُلَّ النّاموسَ والأنبياءَ، إنّي لم آتِ لأحُلَّ لكن لأُتمِّم. الحَقَّ أقول لكم، إنَّهُ إلى أن تَزولَ السَّماءُ والأرضُ لا يزولُ حَرْفٌ واحدٌ أو نُقطةٌ واحِدةٌ مِنَ النّاموس حتّى يَتمَّ الكلُّ. فكلُّ مَن يَحُلُّ واحدةً من هذه الوصايا الصِّغارِ ويُعَلِّمُ النّاس هكذا، فإنَّهُ يُدعَى صغيرًا في ملكوتِ السَّماوات. وأمَّا الَّذي يعمَلُ ويُعلِّم فهذا يُدعى عَظيمًا في مَلَكوت السّماوات.

حول الرّسالة

في مدينة أنطاكية، سُجّل في التَّاريخ أوّل استعمال لكلمة "مسيحيّين". أُطلق هذا الاسم على تلاميذ يسوع لأنّهم كانوا يعيشون بطريقة تشبهه، يتكلّمون عنه، يبشّرون باسمه، ويتصرّفون مثله. لم يُعطَ لهم هذا الاسم من باب المزاح أو الصّدفة، بل لأنّ النّاس رأوا فيهم صورة المسيح واضحة وحيّة.

أنطاكية لم تكن مدينة بسيطة، بل مركزًا حضاريًّا وثقافيًّا كبيرًا. كانت مليئة بالنّاس من خلفيّات مختلفة: يونانيّين، يهود، غرباء من كلّ الشُّعوب. وكان فيها عبادة أوثان وديانات متعدّدة، لكنّها كانت منفتحة ومستعدّة لسماع أيّ جديد روحيّ. وعندما وصلها التَّلاميذ بعد استشهاد استفانوس، نشروا البشارة بفرحٍ وثقةٍ وجرأة، فآمن كثيرون. هذه الجماعة الجديدة، الَّتي ضمّت يهودًا ووثنيّين، بدأت تلمع وتتميّز، لذلك أعطاهم النّاس اسمًا خاصًّا: "مسيحيّون"، تمييزًا لهم عن البقيّة.

هذا الاسم ليس مجرّد لقب أو كلمة تُسجّل في الأوراق. هو هويّة. هو دعوة. هو طريق حياة كامل. عندما نُمنح هذا الاسم في المعموديّة، نبدأ حياة جديدة في المسيح. يصبح لنا هدفٌ واضحٌ ومقدَّس: أن نحيا مثله، أن نكون نورًا للعالم، ومِلحًا للأرض، وعلامة حبٍّ وسلام.

الكنيسة تغيِّر أحيانًا اسم الإنسان عند التَّكرُّس أو الرَّهبنة، كعلامةٍ على تحَوُّلٍ داخليّ عميق. وهذا يشبه ما فعله الله مع إبراهيم ويعقوب وبطرس، عندما غيّر أسماءهم ليعبّر عن دعوتهم الجديدة. ونحن أيضًا، عندما نُدعى مسيحيّين، نُدعى لنكون صورةً حيَّةً للمسيح أمام النّاس.

القدّيس مكسيموس قال: "لا يكفي أن نكتب اسم المسيح أو نعلّقه، بل أن نعيش أعمال المحبّة الصَّادقة". يعقوب الرَّسول يقول إنّ مَن يحمل هذا الاسم يجب أن يتصرَّف كما يليق به، وإلَّا كان السَّبب في التَّجديف عليه، وهو أمرٌ خطير.

هل نخجل من اسمنا؟ هل نعيش حياةً تناسب هذا الإسم المقدَّس؟ أم نختبئ وراء مظاهرٍ خارجِيَّة دون مضمونٍ حقيقيّ؟ المسيحيّ لا يُعرَف من صليبه فقط، بل من قلبه وأعماله، من تواضعه وغفرانه ونَقاوة سيرته.

فلنعتزّ بهذا الإسم، ولنشهَد له، مهما كان الثَّمن. فلنُظهر المسيح في سلوكِنا وكلامِنا ومحبَّتِنا. هذا هو فخرُنا، وهذا هو طريقُنا الَّذي لا رُجوع فيه، آمين.

أنطاكية: العرش المتوَّج بالدم، والحاضرة المتوَشّحة بالقداسة

أنطاكية، ليست مدينةً تُختصر بخارطة، بل هي تجلٍّ حيّ لفجر الكنيسة، وسرّها المصلوب على تخوم الزَّمن. هي ليست حجارةً راكدة، بل نارٌ تتّقد في قلب المشرق منذ أن وطئها بطرس وبولس، هامتا الرُّسُل، وغرسها فيها الكلمة كزرعٍ إلهيّ لا يذبل. هناك، وفي لحظةٍ تفوق الزَّمان، دُعي التَّلاميذ أوَّلًا "مسيحيّين"، لا لتمييزٍ عابر، بل لانبلاج هويةٍ صُلِبَت بالحُبِّ، وغُسِلَت بالدَّم، وتُوّجَت بالقيامة.

في أنطاكية بزغ إغناطيوس، ذاك الَّذي حمل الله في جوفه لا كفكرة، بل كوجودٍ مُمزِّق للعقل ومُبدِّد للخوف. هو الَّذي مضى إلى روما لا كَسَجينٍ، بل كذبيحةٍ تمشي، وكتب بدم قلبه رسائل تتهجّاها الكنيسة كلّما خَفُتَ صوت الشَّهادة فيها، فتتذكّره صارخًا: "دَعوني أُطحَن للأسود، فأصير خبزًا لله". وفي أنطاكية، صعد يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم، لا كخطيبٍ بل ككوكَبٍ ينضح من فمه نار الكلمة، ويجمع بين لهيب الرُّوح وسكينة العقل، وينحت من الألفاظ مذابح، ومن الوعظ سلّمًا للقيامة. ومن أنطاكية خرجت المدرسة اللَّاهوتيّة، لا كمنظومةِ فكرٍ، بل كمنارةٍ للحقيقة، حيث لا انفصال بين التَّجسُّد والتَّاريخ، ولا بين الصَّليب والواقع. ومن لُبِّها سالَتْ القداسة نحو جبيل، فاستشهدت أكيلينا، زهرة الطُّفولة الأرثوذكسيَّة، عروسًا نقيّة لم تُدنّسها أصنام العصر. وفي صور، انكسرت آلهة الوثنيّة أمام قلب خريستينا، الَّتي هدمت الأوثان، وبنت بصليبها مذبحًا للحقيقة. وفي معلولا، شقّت تقلا الجبال، لا بقوّة عضد، بل بقوة البتوليّة المكرّسة، فصار انشقاق الصَّخر علامةً على انفتاح السَّماء. أمّا صيدنايا، فلم تكن دَيْرًا فحسب، بل نقطة تماس بين تراب البشر وهمس العذراء، هناك حيث العجائب ليست خرقًا للواقع، بل انكشافًا لوجه النِّعْمَة. وماذا أقول في بعلبك، وفيها صرختان متجاورتان: جيلاسيوس الكاهن الشَّهيد الَّذي صعد بجسده المذبوح إلى قدَّاس السَّماء، وبربارة العذراء الَّتي خبّأت إيمانها كما تُخبَّأ النَّار تحت الرَّماد، حتّى انفجرت عند ساعة الموت نورًا لا يُطفأ،

فغلبت بضعفها جبروت السَّيف، وارتفعت كذبيحةٍ طاهرة على مذبح المحبَّة. أمَّا دمشق الأبيّة، فقد جعلت من شوارعها محاريب للدَّم، وساحات للشَّهادة. فيها لمع يوحنَّا الدِّمشقيّ، مزمور الأرثوذكسيَّة، الَّذي نسج اللَّاهوت من خيوط الشِّعر، وجعل من الدِّفاع عن الإيقونات عملًا نبويًّا لا يخضع للزَّمن. وفيها أيضًا انحنى يوسف الدِّمشقيّ، لمّا ضمّ الأطفال في حضنه كمن يحتضن المسيح في هيكله، ومضى إلى الذَّبح لا كضحيَّةٍ، بل ككاهنٍ يحمل الأرض على المذبح الأخير. وهناك تابع نقولا وحبيب الخشّة المسيرة، ورفعا جسديهما شمعتين في ليل العالم، شاهدَيْن أنّ أنطاكية لا تموت، بل تمشي دائمًا على حَدِّ السِّكِّين، متلألئة.

أنطاكية ليست كرسيًّا بين البطريركيّات، بل عرشًا مَكْسُوًّا بالأشواك، مجده أنَّه لم ينَم على وسادة الزَّمَن، بل اتّكأ على خشبة الصَّليب، فتوشّح الشَّهادةَ بالكلمة والحَقِّ والدَّم. في أنطاكية، لا تُقرأ القداسة، بل تُستنشَق، لا تُدرَس العقيدة، بل تُرَنّم تراتيلَ نابعة من نَفَس الرُّوح. أنطاكية، في جوهرها، ليست مرحلةً في تاريخ، بل أبديّة تتكشّف. ليست ذكرى، بل قيامة تتجدّد. في أنطاكية، تصير النَّار لغةً، والدَّم حِبرًا، والشَّهادة طقْسًا متقدِّسًا. أنطاكية ليست شرقًا جغرافيًّا، بل سرّ فصحٍ قائمٍ، مجدٌ يسكن في الرَّماد، وقيامة تشتعل من قلب الحِطام. أنطاكية أمّ الرُّسُل، وحاضنة الشُّهداء وعين الكنيسة الَّتي لا تغفو!